Skip to main content

Full text of "مجموع كتب في التصوف وفي الردود على الشبهات"

See other formats




الي له 






م“هص 0 2 دص ص 5 
و 0 
ابك سين اللمساوا مت -_الباسئ 
7 -514ه / 1 ود 


ا 2 
رفك رليرت 


00 © 


أسسها محمد علي بيضون سنة 1971 
بيروت - لبثنان 


صتنغرا ت/3ك:قهت بيك 


7 


دارالكب لعاميق كر 


جميع الحقوق محفوظة 
عطعاءرمه © 
© لوبسووعم عغخطواء الل 
5665 5غامءل ونه 





جمبع حقوق الملكية الادبية والفتبة محفوظطة 
لدارالكتبالعلمية بيروت- لبسنتان 

ويحظر طبع أوتصويراوترجمة أوإمادة لنضيد الكتاب كاملا أو 
مجزا أوتسجينه على أشسرطة كاسبت أو إدخاله على الكمبيوتر 
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيسا. 


© بز عاطواء مباعناء 
دمددها - عبداعة 01[/8(1|ا-لق اوام)|-لق :و0 
,لعتنافيهت ١#‏ برهم ووتتكقاطام ملك إن عيهم ولح 
بكة06 لزانة بر عن 0750) ليه أ وطن ط لوأل ,لوعرو ممعم 
06 ناوا مكدرو لووتتعر عن عكوا حاهل 2 دا جمد عن 
عه ادنامانام 0١‏ أن ومتستدعم عاج عواوم 
)نط مهمون الموحوه لمعنه الوق ورين 
مهنا - اامعمة (أ3إ01||-لق نامام)|-لم :03 


كعاأناء'نامم 065 5ة علنوولام مم 16 الدرمومم<ه© ع6 
علطع قنز 





الطبمة الأولى 


لا 16148 ىه 


تفغرات تداك بيلك 
دارالكب أعلمية. 


مه م تِ- وما كا 
ورم دلق ممام)ا-لة مدن كدمنائتلطرظ درمنيجة الم معدملا 
الإدارة : رمل الظروفه شارع البحتري» بناية ملكارت 
عمها؟ عوا ,جل!8 عنهالة1! رحد بممعطم8 ,امع -لة أعوصمقة 
هاتف وفاكس: 52اكم- ماتك(١1‏ اكة) 
عرمون. القية. مي نلىدار الكتب العلميية 
.م8108 طمعرادماادام طمعما-اف عد - طعمه8 مومصوومم 
هاتشدة! / اا «أحاعده الكو صرببه 54914 - ١١‏ بيروت - لبتان 
شماكس 1 خاءه 6 اكوم رياض الصلح - بيروت 110756١‏ 
دوع .طمءرتص أذ أج.ببومم/ معط 
دهع طدعراصر|١-‏ اه © مه 1ن تاتمد 
دهع درام ]ةله © هاما 
ومع . سردلا لس موه دسملره0 





1" ط53 رطا الاتقعه1 :1116 
(5866©0 رطا 01 ع056م| عتاأولزلة) 
“53 لأ ااقرطا دمع 1300ا-انلطم؟ :مر طانم 


أل عزنا اللة ارق لمحلم :560110 
طادلإتصساالم طمغم-ام ,د :ممطوااطوص 
4 م 

7 :ه17 

مملةقطعا :ما 0ماراءم 


1 :ك5 


الكتاب:«رسائل ابن سبعين 

المؤلف: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد ابن سبعين 
المحقق:أحمد فريد المزيدي 

الناشر: دار الكتب العلمية بيروت 

عدد الصفحات: 464 

سنة الطباعة: 2007 م 

بلد الطباعة: لبنان 

الطبعة: الأولى 


(9© 2-7851-5979-5010 ا 
زهنك 13) 5 - 5474 -976-2-7851 1ض 





72745 70 


مساتزازم 
المقدمة 
ورد شبه المنكرين 
هو الإمام شيخ الإسلام القطب الوارث المحمدي سيدي: أبو محمد عبد الحق بن 
إبراهيم بن محمد بن نصر بن فتح بن سبعين؛ الإشبيلي المرسي» الرقوطي الأصلء» الصوني 
المشهور0©. 
ولد في مرسية بالأندلس سنة 613 هم. 
وهو من أسرة نبيلة وافرة الغنى هي أسرة ابن سبعين التي تذكر بعض المصادر أنها 
تصعد في نسبها إلى النبي يد وقضى مطلع شبابه في الأندلس. 
فدرس العربية والآداب بالأندلس» ثم ارتحل إلى سبتة» وانتحل التصوف على قاعدة 
زهد الحكماء وتصوفهم؛ وجدٌّ واجتهد» وجال في بلاد المغرب. وهو دون العشرين من 
عمره. وأخذ التصوف عن أبى إسحاق إبراهيم بن يوسف بن محمد بن الدهاق. 
وأقام أولاً في سبتة هو وجمع من أصحابه وأتباعه الذين كانوا قد بدعوا يلتفون حوله 
وهو لا يزال في الأندلس. 
فإنه قضى الفترة الخصبة من حياته الروحية في المغرب» وفيها أيضًا ألف معظم 
رسائله» وجرت له المناظرات العنيفة مع فقهاء المغرب من أعداء الفلسفة والتصوف» 
فظهرت عليهم حجته وخصمهم بمتانة استدلاله وسعة اطلاعه حتى إن أحد تلاميذ ابن 
سبعين» ولعله يحبى بن محمد بن أحمد بن سليمان قال في رسالة دافع فيها عن أستاذه, 
وسماها: 
«الوراثة المحمدية والفصول الذاتية»: إن من بين الأدلة على أنه كان لابن سبعين الوراثة 
المحمدية أن ابن سبعين «كان من بلاد المغرب»» والنبي يليم قال: «لا يزال طائفة من أهل 
المغرب ظاهرين إلى قيام الساعة». 
وما ظهر في بلاد المغرب - هكذا يتابع تلميذه الدفاع - رجل أظهر منه» فهو المشار 


(1) اشتهر بكتابه: «بد العارف» وبرسائله التي بين أيديناء وقد حققناها عن مطبوعاتها قديمًا. 


4 المقدمة 
إليه بالحديث» ثم إن أهل المغرب أهل الحق» وأحق الناس بالحق» وأحق المغرب بالحق 
علماؤه؛ لكونهم القائمين بالقسط. وأحق علمائه بالحق محققهم وقطيهم, الذي يدور الكل 
عليه» ويعول في مسائلهم ونوازهمء السهلة والعريضة» عليه. فهو أي ابن سبعين حق 
المغربء والمغرب حق الله تعالى» انتهى. 

وشاعت شهرته بالزهد والعلم» فأعجبت به سيدة صا حة ثرية من أهل سبته» وطلبت 
منه التزوج منهاء فتزوجها. وأقامت له في بيتها زاوية للعبادة. 

ويظهر أن شهرة ابن سبعين بالحقائق الإلية والعلوم العقلية قد استطارت في الآفاق» 
بدليل ما ورد ني مستهل كتاب: «المسائل الصقلية»» وهي المسائل التي كان الإمبراطور 
فردريك الثاني ملك النورمانديين في صقلية» قد وجهها إلى علماء المسلمين؛ تبكيئًا لهم 
فيما ذكر المقري» أو الاستفادة وحب الاستطلاع لما كانت عليه شهرة المسلمين حينكئذ 
بالفلسفة والعلم كما نرى. ١‏ 

وهذه الأسثلة الفلسفية وجّه فردريك الثاني نسخمًا منها إلى المشرق ومصر والشام 
والعراق والدروب واليمن» لكن رجعت أجوبة حكماء المسلمين بما لم يرضه فريدريك 
الثائي» فسأل عن أفريقية «تونس» ومن بهاء فقيل 'له: إنها عَرِيَْة من هذا الشأن: أي من 
الفلسفة» وسأل عن المغرب والأندلسء فقيل-له: إن بها رجلاً يُعرف بابن سبعين. 

فكتب فردريك للخليفة الرشيد من أولاد عبد.المؤمن في أمرها. 

فكتب أمير المؤمنين لعامله بسبتة» وهو: ابن خلاصء أن ينظر في الرجل المذكور أن 
يرد الجواب على الأسئلة. 

.وكان مالك الروم يعنى فردريك قد وجه مع رسوله جملة مال. فاستدعى ابن خلاص 
الإمام قطب الدينء وأوقفه على الأسئلة بأمر الخليفة» فضحك ابن سبعين وألزم نفسه 
الحجواب. 

فدفع له ابن خلاص المال الذي جاء به رسول ملك الروم. فرده ولم يقبله» وقال: إنما 
أجيب عنها احتسابًا لله» وانتصارًا للملّة الإسلامية؛ ثم قرأ قوله تعالى: طقل لا أسالكم 
عَلَيّه أَجْرًا إلا الْمَوَدُة في الْقَربَى» [الأنعام: 90] وجاوبه. 

فلما بلغ الجواب للملك فردريك أرضاه ووجه بصلة عظيمة فردت عليه كالأولى». 

وهذه المسائل الصقلية التي سأل عنها فردريك الثاني علماء المسلمين هي: 

المسألة الأولى: عن الغالم: هل قديم أو محدث؟ 

والمسألة الثانية عن العلم الإلغهي: ما هو المقصود منهء وما مقدماته الضرورية إن 


المقدمة 5 
كانت له مقدمات؟. 

والمسألة الثالئة عن المقولات أي شئ هي؟ وكيف يتصرف بها في أجناس العلوم حتى 
يتم عددهاء وعددها عشرء فهل يمكن أن تكون أقل؟ وهل يمكن أن تكون أكثر؟ وما 
البرهان على. ذلك؟. والمسألة الرابعة عن النفس: ما الدليل على بقائها وما طبيعتها؟. 

ويتفرع عن هذه المسألة الأخيرة سؤال عن أين خالف الإسكندر الإفروديسي 
أرسطوطاليس. 

ويظهر أن المكانة التي نالا ابن سبعين بهذا الجواب قد أوغرت صدور الفقهاء عليه. 
فراحوا يتهمونه بالكفرء مما اضطر حاكم سبتة» ابن خخلاصء إلى طرده منها فسكن في 
بجاية مدة» فلم يطب له المقام نظرًا لإغراء الفقهاء به» وتحريضهم عليه» وحسدهم له من 
كثرة اتباعه ومريديه؛ فضلاً عما بدا في كتاباته وأقواله من كلمات غريبة تشم منها رائحة 
الكفر. 

وقد اقتروا عليه أنه قال: لقد تحجر ابن آمنة واسعًا بقوله: «لا نبي بعدي» فيُقال: إنه 
نُفي من المغزب بسبب هذه الكلمة. وهذا الكتاب دليل على كذب هذه الدعوى؛ وكمال 
أدبه مع النبي و نما هي إلا دسائسء فكان الله للشيخ ما أصبره على الأذى. 

وكان خروجه من المغرب سنة 642م», وهو حينئذ في الثلاثين من عمره. 

ومعنى هذا أنه أقام بالمغرب حوالي خمس وعشرين سنة» فيها ألف جل كتبه إن لم 
يكن كلهاء باستثناء كتابه العظيم: «بد العارف» الذي قيل: إنه ألفه وهو ابن خمس عشرة 
سنة» والله أعلم. 

ولا نعرف أنه ألف شيئًا بعد رحلته عن المغرب فيما عدا الرسالة التي بعث بها أهل 
مكة يبايعون فيها السلطان المستنصر بالله تعالى أبا غبد الله محمد بن سلطان زكريا عبد 
الواحد بن أني حفصء ملك إفريقية وما إليهاء تولى الملك في تونس سنة 657 هب حتى 
سنة 674 ه»ء وعلى رأسهم شريف مكة أبو تُمّي محمد الأول الذي كان شريفًا على 
مكة من شوال سنة 652 ه إلى صفر سنة 701 هه فهذه الرسالة بالبيعة. كانت من 
إنشاء ابن سبعين» وقد سردها ابن خلدون بجملتها في مقدمته. 

وارتحل ابن سبعين حينئذ عن بلاد المغرب فلجأ إلى المشرق. فمرٌ بمصرء وأقام بما 
مدة قصيرة فيها؛ لأن مقصده الأول كان الحج. 

فقصد مكة المشرفة» وهناك لقي من شريف مكة, أي نمي محمد بن أبي سعد الذي" 
أصبح شريقًا على مكة في شوال 652ه عطفا ورعاية» وشاع صيته بين أهل مكة 


6 المقدمة 


بسبيب سخائه» فإن أهل مكة كانوا يقولون عنه: «إنه أنفق فيهم شانين ألف دينار» 
وبسبب علمه وكثرة أتباعه ظل في مكة معتمراء ويقوم بالحج في مواقيته. 

وكان أهل مكة يعتمدون على أقواله» ويهتدون بأفعاله. 

واختلف في سفره إلى المدينة» فبعضهم ينكر ذلك؛ لأنه فيما روى أبو الحسن بن 
برغوش التلمساني» وشيخ الحاورين بمكة» وكانت له به معرفة تامة» وكان إذا قرب من 
باب من أبواب مسجد المدينة يهراق منه دم كدم الحيضء أو لأنه عاقه الخوف من أمير 
المدينة عن القدوم إليها.. 

ويظهر أن ابن سبعين كان بسبب موقفه السياسي مضطرً إلى الإقامة بمكة. 

فقد قال حين سكل عن سبب إقامته بمكة: «انحصرت القسمة في قعودي بهاء فإن 
الملك الظاهر يطلبني بسبب انتمائي إلى أشراف مكة, واليمن صاحبها لي في عقيدة, 
ولكن وزيره حشوي يكرهني». 

وصاحب اليمن كان آنذاك الملك المظفر شس الدين يوسف بن عمر الذي تولى 
الملك في اليمن في ذي القعدة سنة 647 ه» حتى رمضان سنة 694 ه. 

فظل ابن سبعين في مكة حتى تُوني بها يوم الخميس تاسع شوال سنة 669 هل. 

وقيل: بضع وستين» عن نحو خمسين سنة. 

واختلف في سبب وقاته: 

فذكر ابن شاكر الكتبي في «فوات الوفيات» قال: «سمعت عن ابن سبعين أنه فصد 
يديه» وترك الدم يخرج حتى تصفى» (517/1). 

من كلامه: 

اعلم أن جميع ما دون ني التصوف والحكمة وغير ذلك مما يجري إلى هنا الشأن» 
وجميع ما سمعت من العلوم المضنون مهاء والحكمة الإشراقية» وسر الخلافة» ونتيجة 
النتتائج» كل ذلك في الوجه الأول من وجوه التصوف. 

والتصوف تسعة أوجهء وبعدها حبل التحقيق. وبعد الحبل نبدا بعالم السفرء ويعد 
السفر تقرع باب التحقيق» والنور المبين» والهرامسة خاصة علموه» والكتب المنزلة 
أفادتهم» وأما الفلاسفة بأجمعهم» ورؤسائهم من المشائين» ورئيس المشائين أرسطو 
وأتباعه من غير ملة الإسلام: امسطيوسء والإسكندر الأفرودسي» وفرفريوس القبرسي» 
وأرسطاليس الصقليء وأتباعه من ملة الإسلام مثل: الفارابي وابن سينا وابن باجه المذكور 
في آخر القلائد» والقاضي ابن رشد في بعض أمرهء والسهروردي مؤلف: «حكمة 


المقدمة 7 


الإشراق» والتلقيحات والنبذ في أكثره» والغزالي بوجه ماء وابن خطيب الرّي في بعض 
صنائعه. وجميع النبهاء فإنهم لم يصلوا إليه لقصورهم عنه. ولأن علومهم وصنائعهم دون 
ذلك كله, والله على ما نقول وكيل. 

والصوفية كذلكء إلا السلف الصالح أعني صحابة سيد السادات محمد يلم فإنهم 
علموه. ومعلمهم هو العظيم الذي إذا نظر العارف في شأنه وتتبعه وتصفحه. وتأمله على 
ما ينبغي ويجمل بهء ويصح ني حقه علم أن أهل الحق كلهم نقطة من ذكرهء وذرة من 
قفره. 

وقال أيضًا: حافظوا على الصلوات» وجاهدوا النفوس في اتباع الشهوات» وكونوا 
عباد الله أوابين توابين» واستعينوا غلى الخيرات بمكارم الأخلاق». واعملوا على نيل 
الدرجات السنية» ولا تغفلوا عن الأحكام السنية» وخلصوا مخصص الأحوال الإلهية 
ومهملهاء وذوقوا مفصل اللذات الروحانية وبحملهاء ولازموا المودة في الله بينكمء وافعلوا 
الخير وأصلحوا ذات بينكمء وعليكم بالاستقامة على الطريقة» وقدموا فرض الشريعة على 
الحقيقة» ولا تفرقوا بينهما فإنهما من الأسماء المترادفة» واكفروا بالحقيقة التي في زمانكم 
هذاء وقولوا عليها وعلى أهلها لعنة الله فإنها حقيقة كما سمى اللديغ سليمًا وأهلها 
يبملون حد الحلال والحرام» ويستخخحفون بأشهر الحج والصوم والأشهر الحرم. 

قال تعالى: طقَاكلَبُمْ اللّهُ كى يُؤْفَكُونَ4 [التوبة: 30]. 

قد غلبت عليهم أحكام الجهل» وأكثروا من جمع الأعراض للولد والأهل» وحرموا 
مزية الرحمة والعون. وأسعفوا بسيرة أي جهل وفرعون. 

واعلموا أن القريب إِلَىّ منكم من لا يخالف سنة أهل السّنة» ويوافق طاعة من له العزة 
والمئة» ويؤمن بالحشر والنار والحنة» ويفضل الرؤية على كل نعمة» ويعلم أن الرضوان 
بعدها أصل كل رحمةء ويطلب الذات بعد الأدب مع الصفات والأفعال» ويغبط نفسه 
بالمشاهدة في القوم والروح في كامل الأحوال. 

وكل مخالف بان منه التخلف والفساد وإن كان من إخوانكمء فاهجروه في الله ولا 
تلنفتوا إليه» ولا تسلموا له في شيءء ولا تسلموا عليه حتى يستغفر الله العظيم بحضور 
الكل منكم: ويرضى عن نفسه وحاله وعنكم؛ ويخرج عن صفاته المذمومة» ويترك نظام 
دعوته المحرومة. 

وأنا أشهد الله أني قد خرجت عن كل مخالف سخيف العقل واللسان» ولا نسبة بيني 
ويبنه في الدنيا ولا في الآخرة» فمن زل قدمه يستغفر الله ولا يخدعه قدمه. 


5 المقدمة 

واغتبطوا بما أنتم عليه» فما في العصر من يصل إليه» والقوي الذنب منكم لا تقبلوا له 
توبة إلا بحلق الرأس» ولبس الصوفء والوقوف من المغرب إلى العشاء الآخرة» 
والصمت. 

ومن يسمع منكم من يتكلم القبيح في التحقيق وأهله فازجروه واهجروه ووبخوه 
وذموه وتغافلوا عنه ولا تقبلوا بعد ذلك منه. 

واعلموا أنه لا حاجة لي في السموات ولا في الأرضء ولا في الدنيا ولا في الآخرة» 
ولا في الأمل المقدرء ولا في الكون المكونء ولا في النظام القديم» ولا في التعليق الصرف» 
ولا في الشأن المشار إليه» ولا في المسوم المقيدة» ولا في الذوات الحردة» ولا في الأعراض 
المبددة» ولا في الكمالات الممتدة» ولا في الحروف المعتدة إلا في ذات الله» وني ذات من 
صحيني من أجله. 

والسلام على من صلحت نسبته» واستقامت سنتهء ورحمة الله تعالى وبركاته!. 

ومن كلامه 4: مَنْ طَلَّب ظفرء ومن ظفر ربح» ومن ربح تأنس» ومن تأنس نشطء 
ومن نشط زاد طلبه» ومن زاد طلبه أخرج ما لم يقصده ولا يخطر له على قلب» وهو 
كماله الأخير» ومن حصل له كماله الأخير كان من السعداءء ومن كان من السعداء اشتد 
طلبه» وزاد شوقه» وعاين الذوات المجردة» وكشف له عالم الأمرء وطالع النظام القديم» 
ومن طالع النظام القديم وقف طلبه من حيث عادته وصفاته» وتحرك من حيث خرق 
عادته وصفاته بجوهره. ومن خرج للفعل من كل الجهبات شاهد الذات القديمة بتخريب 
نظام الحادثة حتى من خبر خبرهاء ومن إشارتها ومشيرها ووحّد وركب التوحيد بالسلب 
الموجدء وجميع ما يعلم سوى الواحد وَبْنَ وقال: لا اله إلا الله بالقضية المستقبلة وهو 
بالماضية وطلبه بالحاضرة. 

ومن كلامه 45: العقل عند الأشعري غير الروح» وعند الحكيم قولك عقل وقوة 
بحردة» ونفس ناطقة» أو روح أسماء مترادفة. 

والروح عند علماء الصوفية غير ما ذكر: تارة يطلقونها على الحق الذي قامت به 
السموات والأرض» وقيل: هي صفة من صفات الذات» وتارة يطلقون عليها الكلمة» 
وتارة القضية الحزئية ضابطة النظام فيها كان كل موجود ليست بفيض» وكانت متحدة 

تعم الأشياءء وليست باتحادء وإن كانت ألزم للشيء من ذاته» وليست بحالة» وإن كانت 
جزء ماهية من الشيء المضاف إليهاء وإليها يشيرون حيث قوهم: إن في كل شيء سر 
من سره: جمد في الحمادات» وظهر في النبات» وتحرك في الحيوان» وأغلن في الإنسان. 


المقدمة 9 

مؤلفات الشيخ ابن سبعين 45 والإشكالية فيها: 

لابن سبعين طريقة غريبة في الكتابة: فكلامه مفكك, قليل الاتصال» حتى قال قاضي 
القضاة تقي الدين بن دقيق العيد: «جلست مع ابن سبعين من ضحوة إلى قريب الظهر 
وهو يسرد كلامًا تعقل مفرداته» ولا تعقل مركباته». 

وكذلك يتسم كلامه بكثرة ما يرد فيه من ألغاز وإشارات بحروف أبجدء وله 
تسميات 0 كتبه هي نوع من الرموز كما قال صاحب «عنوان الدراية». 

فمن كلامه الغريب مثلاً ما يكرره في كتاب «الإحاطة» من عبارة: «إيه!» أو قوله: 
«الله فقط» وتكرار لكلمة «إيه» اثنتي عشرة مرة في سطر واحدء واستعماله حروف أيجد 
بطريقة من الصعب استخراجهاء كقوله في رسالة «الألواح»: «علمه في الإنسانية إنسان» 
وني ح ح. وني ن ن» وني ج ج. وني العالمية علمء وني العاقلية عقل». 

ومن أغرب كلامه الشاطح قوله في ختام «الرسالة الفقيرية»: «السلام على المنكر 
والمسلمء.والعالم والمتعالم» والغالط والمتغالط». 

قلت: فالشيخ ابن سبعين من أهل الاستغراق» وهذا حال من أحواطهم» ولا ينقص 
ذلك من شأنه فهو وارث محمدي» ومتحقق ربائي» وصاحب ذوق نوراني ه. 

فمن كتبه ورسائله: 

- الكلام على المسألة الصقلية. 

- رسالة النصيحة (النورية). 

- عهد ابن سبعين. 

- الإحاطة. 

- بد العارف. 

- الرسالة الفقيرية. 

- الحكم والمواعظ. 

- الرسالة القوسية. 

- رسالة في أنوار النبي وَيقوٌ وأنواعها. 

- الألواح المباركة. 

- الوصية لتلامذته. 

- الرسالة الرضوانية. 

- رسالة في عرفة. 


10 المقدمة 

- رسالة خطاب الله بلسان نوره. 

- نتيجة الحكم. 

- الرسالة الإصبعية. 

- الكلام على الحكمة. 

- حكم القصص. 

- رسائل مختلفة. 

قال الصفدي: وله عدة رسائل بليغة المعنى فصيحة الألفاظ جيدة منها رسالة العهد.. 
فذكرها. 

قلت: وهي ضمن الرسائل التي بين يديك أيها القارئ الكريم. 


رد شبه المنكرين والمعترضين 

إن الشيخ ابن سبعين 45 كثر عليه الاعتراض من علماء أهل الظاهرء ومن الذين لم 
يفهموا كلامه طك. 

منهم: ابن تيمية» وابن قيم» وابن كثيرء وابن حجر العسقلاني» وابن دقيق العيدء 
والتقي ال حوراني. والذهبي» ومرعى بن يوسف الكرمي» وابن ناصر الدمشقي» وابن 
الملقن» وغيرهم كثير. 

وهذا فقد رماه بعضهم بالكفر والزندقة» لعدم فهمهم كلامه وظنهم فيه الاتحادية 
ووحدة الوجود على وجه الحلولية والثنوية» وهذا ليس بصحيح. 

وطعنوا في المدرسة الصوفية التي منها الشيخ الأكبر والصدر القونوي والعفيف 
التلمساني وابن سبعين وصاحبه محمد بن عبد الرحمن السيوفي» والششتريء وابن الفارض» 
وابن أبي واصل» وغيرهم كسيدي محمد وفاء وابنه سيدي علي وفا قلس الله أسرارهم. 

ونحن الآن نذكر أولاً: الرد على دعوى التكفير الباطلة: 

قال ابن الملا عبد الحليل الموصلي: قال الشيخ الشعرائي: 

وقد سكل الشيخ أبو الحسن الأشعري 4# عن تكفير المتأولين والمتفوهين بالكلام 
على الذات والصفات من غلاة الصوفية» فتوقف في الجواب. 

وقال: حتى أنظر وأنبت»ء فإنه دين. 

وقال زاهر ابن أحمد السرخسي: لما دنت وفاة الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله في 
داري ببغداد دعاني ومن حضر من العلماء» وقال: اشهدوا عَلَيُ بأني لا أقول بكفر أحد 
من أهل القبلة؛ لأني رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحدء والإسلام يشملهم 
ال 

فانظر كيف سماهم مسلمين» وهذا الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة وغيرهما يقولون 
نقبل شهادة من قال بالوعيد, والخوارج إلا الخطابية» وهم قوم يشهد بعضهم لبعض من 
غير معرفة إذا اتفقوا في المذهب. 

وكان المزني أحد أصحاب الإمام الشاقعي يمتنع من تكفير أهل الأهواءء ويقول: 

إن المسائل التي يقعوا فيها لطاف تدق عن النظر العقلي. 

وكان إمام الحرمين يقول: لو قيل لنا فصلوا لنا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا 


(1) انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر الدمشقي (ص 149). 


12 المقدمة 


لقلنا: هذا طمعٌ في غير مطمع؛ فإن هذا بعيد المدرك, وعر المسلكء» يستمد من تيار 
بحار التوحيدء ومن لم يحط علمًا بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على 
وثائق. 

وكان لسان حال أهل التوحيد من الأكابر يقول: 

تركنًا البحار الزخرات وراءنا فمن أين يدري اناس أين توجهنا"» 

وكان أبو المحاسن الروياني وعلماء بغداد قاطبة يقولون: 

لا نكفر أحدًا من أهل المذاهب المختلفة؛ لأن رسول الله ييه قال: 

«مَنْ صِلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لناء وعليه ما علينا©». 

وقد سأل الشيخ شهاب الدين الأذرعي: سيدنا ومولانا شيخ الإسلام تقي الدين 
السبكي رحمه الله عن تكفير أهل الأهواء والبدع فقال: اعلم يا أخي أن كل مؤمن 
يستعظم الأمر بالتكفير؛ لأنه أمرٌ هائل عظيم الخطر. 

وهو كما قال الله: تسوك هيك وَهوَ عد أله عَظِم». 

أو من كفر إنسائًا فكأنه أخبر عنه أن عاقبته في الآخرة العقوبة الدائمة أبد الآبدين» 
وأنه في الدنيا مباح الدم والمالء لا يُمكن من نكاح مسلمة؛ ولا يجر عليه أحكام هل 
الإسلام في حياته وبعد مماته. 

واعلم يا أخي أن الخطأ في ترك ألف كافر أهون عند الله من الخطأ في سفك محجمة 
من .دم مسلم 

وقد قال رسول الله يه «لأن ينطي الإمامٌ في العفو أحب إلى الله من أن يخطئ في 
العقوبة0 ». 

وفي الأثر: «إن الله تعالى أوحى إلى داود اث لما سأله أن يبني بيت المقدس أنه لا 
يبني بيتي من سفنئك الدماءء فقال داود اق: يا رب؛ ألم يكن ذلك في الجهاد في 


(1) من كلام الشيخ الأكبر قلس سرّه. 

(2) رواه البخخاري (153/1)» والنسائي في الكبرى (76/7)» والطبراني في الكبير (162/2) وابن أبي 
شيبة في المصنف (428/6). 

(3) رواه الترمذي (33/4)» ومالك في الموطأ (76/3)» والدارقطبي في السئن (84/4).: وابن أي 
شيبة في المصنف (512/5). 


المقدمة 13 
سبيلك؟! قال: بلىء أليسوا بعبادي؟! فقال: يا رب» اجعل بناء ذلك على يد ولدي 
سلميان؟ قال: نعم». 

ثم إن تلك المسائل التي يحكم فيها بالتكفير لمؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض؛ 
لكثئرة شعبها واختلاف قراثنهاء وتفاوت دواعيهاء والاستقصاء في معرفة الخطاب من 
سائر صنوف وجوهه. والاطّلاع على حقيقة التأوبل وشرائطه في الأماكن» ومعرفة 
الألفاظ المحتملة التأويل وغير المحتملة» وذلك يستعدي معرفة طرق اللسان من سائر قبائل 
العرب في حقائقها وبحازاتهاء واستعاراتها» ومعرفة دقائق التوحيد؛ وعوارضه إلى غير ذلك 

وكثيرا ما يتكلّم العارفون بالله تعالى حين تهب على قلوبهم النفحات الإلهية بالكلام 
الذي لا يفهم العاقل منهم إلا الخطأ والتناقض» فلا يقبله عقله» وكان الأولى له التسليم؛ 
لأن العلم الخاص بدائرة الولاية يباين العلم الذي عند العقلاء من العلماء» فالأولياء يقرؤون 
علم العلماء؛ لمرورهم على معناه حال السلوك والترقي عنه؛ والعلماء بالعكس؛ وذلك 
لأن طريق القوم مبني على ما يُقرّب من طريق المعتزلة والحبرية ني بعض الحالات» وهي 
حالة شهود غيبة الصفات في شهود وحدة جمال الذات» حتى كأن لا صفات. 

فَعُلمَ مما قررناه: إنه ليس فوق علم العارفين بالله علمٌ إلا علم الله وََنَ؛ فافهم. 

وكان الشيخ محبي الدين العري رحمه الله ينشد كثير: 

عقدَ الخلائق في الإله عقائدت وأنا علمت جميعٌ ما اعتقدوه 

ومراد الشيخ: الاطلاع على ما استندت إليه عقائد الخلق» لا أنه يعمل بجميع 
عقائدهم مما يخالف السنة؛ إذ كل عارف يلزمه بعد الظهور تحقق الحق» وإبطال الباطل» 
وإعطاء المراتب حقّها. 1 

وقد قلنا في كتابنا المسمى «بالجواهر والدرر»: أن من أراد الترقي إلى دائرة الولاية 
فليمح من قلبه كل علمٍ كان طريقه العقل والنظر الفكريء فإذا فعل ذلك فقد تعرض 
لدخول تلك الحضرة واستنشاق هواهاء وبعيد على من أمعن النظر والفكر في علوم النقول 
حتى انتقشت تلك العلوم وانطبعت في مرآة قلبه أن يشم رائحة من فهم كلام أهل دائرة 
الولاية؛ لأن الموازين العقلية وظواهر الموازين الاجتهادية تَردُ كثيرًا من علوم أهل الله صََنَ؛ 
إذ علوم الأولياء فوق طور العقول» وميزان العقول والأفكار لا تعمل هناك. 

وبالجملة: فمن أقوى دليل على أن ظواهر المشي على الشريعة لا تغني عن علم 


14 المقدمة 
الحقيقة قول موسى للخضر عليبما السلام: هَل أَنبِعُكَ عَلَنْ أن تُعلِمَنِ يما عُلِمَتَ 
شُنَ!4 [الكبف: 66]» ولم يكتف بما عنده من علم الشريعة. 

ثم تأمل في إنكار السيد موسى على الخضر عليهما السلام علمه الذي آتاه الله له من 
لدنه. ففي ذلك كفايةٌ لكل معتبر. 

وكلام الشيخ محبي الدين العربي وأتباعه وسيدي عمر ابن الفارض وابن سبعين وغيره 
غالبه من علوم الخضر الكتاقة. 

وقد ذكرت: من علوم النضر اكت في كتابنا المسمى ب(الجوهر المصوث) نحو 
ثلاثة آلاف علم لا يمكن لغير ولي أن يخوض فيهاء رلا في عل سهاء ولا يعرف اسمه. 
فضلاً عن الخوض فيه فتَطلَبهُ؛ فإنه كتاب ما أظن أن أحدًا صنّف في الإسلام مثله» فلله 
الحمد على ذلك. 

ثم اعلم يا أخي: أن القول بالتكفير يحتاج إلى أمرين عزيزين: 

أحدها: تحديد المعتقد» وهو صعب من جهة الاطلاع على ما في القلب». وتخليصه 
مما يشوبه. 

الثاني: أن الحكم بأن ذلك كفرٌ صعب من جهة صعوبة علم الكلام» ومواضع 
استنباطه» وتمييز ييز الحق فيه من غيره كما تقدم» وإنما يحصل ذلك لرجل جمع صحة الذهن, 
ورياضة النفس» حتى خخرج عن الميل إلى الحوى؛ والتعصب, بالكلية بعد الامتلاء من علوم 
الشريعة وأسرارهاء وقل أن يوجد مثل هذاء وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير اعتقاده 
في نفسه فكيف يقدر على تحرير اعتقاد غيره في هذا الزمان الذي صار الناس فيه من كثرة 
النكد الواقع لهم فيه يشكون في وقت مستهل شهورهم وأعيادهم في مدينة مصر مع كثرة 
ما فيها من العلماء والصلحاء وأكابر الناس؟! نسأل الله اللطف. 

فالقول بتكفير شخص معين بما فهمه العلماء من كلامه في غاية الصعوبة؛ لتعلقه 
بالمعتقد الباطن» مع أنه يشترط في القول بالتكفير اعتراف قائله بما أضمره في قلبه» 
وهيهات أن يحصل. 

وأما البينة فلا تكفي في ذلك؛ لأنها لا تتعلق إلا بالأمور الظاهرة؛ لا بما طريقه الفهم. 

وإذا رأينا كتابًا أؤله: (بسم الله الرحمن الرحيمء والحمد لله رب العالمين) والشهادتان» 
وختمه صاحبه بالصلاة والتسليم على رسول الله يك وما بين ذلك كلام مغلق لا يُفهم 
منه شيء أحسنا الظن به وتركناه» مع أن جميع ما في كتب القوم لا يتعلق شيء منه 


المقدمة 15 
بأحكام الشريعة المطهرة» ولا يرد شيء منهاء ولا يأمر أحدًا بترك وضوء ولا صلاة» ولا 
زكاة» ولا صياءء ولا حجء ولا جهاد» ولا غير ذلك مما يهدم تركه الدين أبدا. 

ثم أن الغالب على أهل الأهواء والبدع إما هو التقليد والانتماء إلى مذاهب أكابرهم 
على طريقة عوام الفقهاء من عين إحاطة بكنه ذلك المذهب. ونااعى متحي ين 
الكتاب أو السنة أو الحقيقة أو المجازء والقول بتكفير مثل هؤلاء يجرّ إلى فساد عظيم؛ 
لعسر تشخيص الكفر وعدم الإيمان في قلب شخص تسمعه يقول: أشهد لا إله الله وأن 
محمدًا رسول الله. / 

أولاً: قد عَلمتَ من جميع ما قررناه: 

إن جميع الأئمة البنقدمين قد مالوا إلى ترك التكفير لأحد من المسلمين» ٠‏ فبهداهم يا 
أخي اقتدةء ولا تغترٌ بقول بحازف يوسك التعصب للدين» ويحط على عقائد كمّل 
العارفين» ويخرجهم عن دائرة الإسلام جهلاً وظلمًا وحسدًا وعدوانا. 

فقد كان العارف بالله أبو تراب النخحشبي7”؟ يقول: إذا أَلف العبد الإعراض عن الله 
صحبته الوقيعة في أولياء الله ولذلك كان أهل الله َبْكَ لا يشتغلون قط بالردٌ على أحد من 
أهل الإسلام مقالته في الله يبك أو في شيء استنبطه من أحكام الشريعة؛ عكس ما عليه 
أهل الجدال» وإما شأن أهل الله أن يبحثوا عن مستند كل قول في العالم» من أين أخذه 
صاحبه؟ وماذا استند ذلك القول إليه من حضرات الأسماء الإلحية؟ فإنه محال أن يوجد في 
العالم قول الآن إلا وهو مستندٌ إلى حقيقة إية» فليس عند أهل الله أن أحدًا يغلط في 
الأحكام الشرعية؛ إنما يغلط في وجه النسب؛ لأن حكم الله معصومٌ حتى بذلك القول من 
الله كب فأهل الله يأخذون تلك المسألة التي غلط فيها صاحبهاء فيجعلونها ني موضعهاء 
كما قصّ الله علينا ذلك في شأن موسى والخضر عليها السلام؛ فإن الخضر لما أخبر موسى 
بتأويل أفعاله تبين أن ما فعله الخضر كان في محلهء فلأهل الله الاطلاع على منزع جميع 
التحل والملل والمذاهب اطَلاعًا عامّاء فما تظهر نحلة من متتحل ولا مل من الملل في الله 
أو في أحكامه ما تناقض منها وما اختلف إلا ويعلمون من أين أخدّت» فينسبوها إلى 
واضعباء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاءء والله ذو الفضل العظيم. 


)1ع( نسية إلى نخشب بلدة بما وراء ف وكان شيخ عصره بالاتفاق» جامعًا بين العلم والدين والزهد 
والتصوف بلا شقاق» صحب حاتهًا الأصم والخواص والطبقة وكتب الحديث الكثير وتفقه على 
مذهب الشافعي» وأخذ عنه أحمد بن حنبل وابن الجلاء وآخرون من الأجلاء. 


16 المقدمة 

فتحفظ يا أخي: من تجريح عقائد أحد المسلمين» واحم سمعك ولسانك وقلبك؛ ولا 
تحكم يطروع احددنن الأسلام إلا إن ترك مايه دخل» نقد تصحكتي والسلام. 

والحمد لله رب العالمين» وصلَى الله على سيّدنا حمّد وعلى آله وصبحه وسلّم تسليمًا 
كثيراء اللْسُم _ الؤسيلة والمقام المحمود الذي وعدته يا أرحم الراحمين» وأدخلنا ني 
شفاعته, و( 

ثانيًا: مسألة وحدة الوجود: 

قال الشيخ الكتاني: ذكر المتكلمون على وحدة الوجود أن هاهنا وحدات ثلانًا: 

الأولى منها: وحدة كل موجود على انفراده ومعناها أن كل فرد من أفراد الموجودات 
الظاهرة والباطنة من حيث هو له من الله تعالى وجه خاص يلقي إليه منه ما يشاء لا 
يشاركه فيه أحد وله منه أيضًا وجبة معينة وصفة مخصوصة لا تكون لغيره بها يتميز عن 
غيره من سائر المخلوقات وهذه الوجهة هي حقيقته المختصة به وصفته المخصوصة. 

قال في «الفتوحات» في الفصل الخامس عشر من الباب الثامن والتسعين ومائة ما 
نصه: وأما الله تعالى فهو مع كل شيء فلا يتقدمه شيء ولا يتأخر عنه شيء وليس هذا 
الحكم لغير الله تعالى ولهذا له إلى كل موجود وجه خاص لأنه سبب كل موجود وكل 
موجود لا يصح أن يكون اثنين» انتهى. 

يشير إلى هذه الوحدة وإن شكت زيادة بيان لما فقل إنه ما من عين مخلوقة إلا وها من 
الله خاصية وعلامة تميزها عن غيرها من كل ما خلقه الله من الأعين من ابتداء الوجود إلى 
انتهائه كما أن لما منه مادة مخصوصة لا يشاركها فيها عين أخرى,» وإن قلنا: إن هذه العين 
مثل هذه كزيد مثلا مثل عمرو أو هذه الحبة من البر أو غيره مثل هذه فما هي مثلية 
حقيقية إذ كل واحد منهما لابد له من مميز يدرك ذلك من خالطه المخالطة الخاصة أو 
تأمله كذلك أو فتح الله عين بصيرته وذلك المميز هو وجهه المخقص به وهو حقيقته 
الخاصة وصفته المخصوصة فهذه هي وحدة كل موجود. 

الثانية: وحدة جميع الموجودات الكونية من حيث جماتها وهي وحدته يِه ومعناها أن 
العالم كله من أوله إلى ما لا نهاية له منه شيء واحد بالذات أعني نورانيته واحدة وحقيقة 
متحدة متضمنة لجميع الحقائق وهي نورانيته ولٌ وحقيقته المفاضة من الذات العلية فيضانا 
متحدا بالفيض الأقدس أولاً ني العلم ثم بالفيض المقدس ثانيًا ني العين والخارج وما لها من 


)0 انظر: الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرقة العلية (ص 135) بتحقيقنا. 


المقدمة 17 
التفاصيل والوجوه والقيود والاعتبارات والخيالات العارضة لا يعددها ولا يكثرها كالذات 
الواحدة الإنسانية فإنها حقيقة واحدة لا يكثرها ويعددها ما لا من الأعضاء والحواس 
الظاهرة والباطنة وإن كانت متعددة» وهذا معنى ما بلغنا عن بعضهم من أنه كان يقرر 
وحدة الوجود فيه يِه وكان بعض أشياخنا ممن جمع بين الظاهر والباطن يومئ إليها 
فيقول إذا رأى إنسانا مقبلاً عليه أي إنسان كان: مرحبا بالنور الحمدي» حتى صار يلقب 
بهذا اللقب فيقال له: النور المحمدي. وكان يشير بذلك إلى أن الأكوان كلها إنما هي 
مظاهره يق وأنوراه المتحدة بالذات» وإن تعددت بالاعتبارات» وأن وجوده إشا هو 
بوجوده يِل و(مداده المستمد من الحضرة العلية التي هي حضرة الأحدية. 

وفي «الجامع» لأبي عبد الله محمد بن المشري نقلاً عن شيخه أبي العباس التيجاني قال: 
الحقيقة المحمدية هي الكون بأسره فلو رفع الحجاب لم تر إلا الحقيقة المحمدية بارزة وحدها 
عليها أفضل الصلاة والسلام انتهى. 

يريد أنها سارية فيه كسريان الماء في العود الأخضر بحيث لو زال هذا السريان لصار 
عدما محضًا في الحال قبل المآل ولو زالت هذه المظاهر التي هي الحاجبة عنها لم تر إلا هي 
بارزة وحدها وإلى هذه الوحدة يشير في «الفتوحات» عقب ما مر عنه في الوحدة قبلها 
بقوله: وهو واحد فما صدر عنه إلا واحد فإنه في أحدية كل واحدء وإن وجدت الكثرة 
فبالنظر إلى أحدية الزمان الذي هو الظرف,. فإن وجود الحق في هذه الكثرة في أحدية كل 
واحد فما ظهر عنه إلا واحد» فهذا معنى لا يصدر عن الواحد إلا واحدء» ولو صدر عنه 
جميع العالم لم يصدر عنه إلا واحد فهو مع كل واحد من حيث أحديته. وهذا لا يدركه 
إلا أهل الله وتقوله الحكماء على غير هذا الوجه وهو مما أخطأت فيه انتهى منه بلفظه. 

وقد ذهب الأشاعرة والمتكلمون إلى جواز استناد آثار متعددة لمؤثر واحد بسيط 
لأنهم قائلون بأن جميع الممكنات المتكثرة كثرة لا تحصى مستندة بلا واسطة إلى الله تعالى 
مع كونه منزها عن التركيب والحكماء متعوا هذا أعني جواز استناد الآثار المتعددة إلى 
المؤثر البسيط الواحد الحقيقي من جميع الجهات» وقالوا: إنه لا يجوز أن يستند إليه إلا أثر 
واحدء وقالوا في معنى ما صدر عن الواحد إلا واحد أن الحق تعالى ما خخلق إلا واحدًا وهو 
العقل الأول» والعقل الأول أوجد الفلك الأول بمادته وصورته ونفسه الناطقة المدبرة له 
وأوجد العقل الثاني ثم العقل الثاني أوجد فلكه ومادته وصورته ونفس والعقل الثالث» 
وهكذا إلى العقل العاشرء ثم خخلق العقل العاشر العناصر الأربعة» والمواليد الثلائة بأنواعها 
الكثيرة ونفوسها وقواهاء وغير ذلك إلى ما شاء الله. هذا ما قالوا. 


18 المقدمة 


وحمل الأكثرون كلامهم هذا على الظاهر من إثبات فاعل ومؤثر غير الله تعالى عما لا 
يليق به وحقق المحقق الدواني في بعض رسائله أن تحقيق مذهبهم أنه لا فاعل في الوجود 
إلا الله تعالى وبين ذلك بالبيان الشائي فلينظر. 

وأهل الله تعالى يقولون معنى ما صدر عن الواحد إلا واحد أن وجوده تعالى في أحدية 
كل واحد وأنه مع كل واحد من حيث أحديته كما قاله الشيخ الأكبر, أو أنه ما صدر عن 
الحق تعالى إلا واحد وهو الوجود المفاض من الذات العلية فيضانا متحدا والعقل الأول 
وغيره من سائر الموجودات سواء في هذا الوجود المفاض كما قاله غيره. 

وقال العارف الجامي في «الدرة الفاخرة الملقبة بحط رحلك» في ترجمة القول في 
صدور الكثرة عن الوحدة: الظاهر أن الحق ما ذهب إليه الحكماء من امتناع صدور الكثرة 

عن الواحد الحقيقي ولذا وافقهم الصوفية امحققون في ذلك لكن خالفوهم في كون المبدأ 
الأول كذلك فإنهم يثبتون له تعالى صفات ونسبًا تغايره عقلاً لا خارجًا كما سبق 
فِيُجَورُون أن يصدر عنه باعتبار كونه مبدءا للعالم كثرة من حيث كثرة صفاته واعتباراته 
وأما من حيث وحدته الذاتية فلا يصدر عنه إلا أمر واحد من تلك الصفات والاعتبارات 
أي وهو نسبة العموم والانبساط للوجود المفاض المعبر عنه بالعما قال وبواسطته يلحقه 
سائر الاعتبارات وبواسطة كثرة الاعتبارات كثرة وجودية حقيقية» انتهى منه بلفظه. 

وقال صدر الدين القونوي في رسالة «مفتاح الغيب» في ترجمة فصل شريف يشتمل 
على علم غزير خفي لطيف ما نصه: الوجود ني حق الحق عين ذاته وفي من عداه أمر زائد 
على حقيقته» وحقيقة كل موجود عبارة عن نسبة تعينه في علم ربه أزلا وتسمفى 
باصطلاح المحققين من أهل الله عيئًا ثابتة وني اصطلاح غيرهم ماهية والمعدوم الممكن 
والشيء الثابت ونحو ذلك والحق سبحانه من حيث وحدة وجوده لم يصدر عنه إلا واحد 
لاستحالة إظهار الواحد غير الواحد وإيجاده من كونه واحدًا أكثر من واحد لكن ذلك 
الواحد عندنا هو الوجود العام المفاض على أعيان الممكنات ما وجد منها وما لم يوجد. 
معًا سبق العلم بوجوده وهذا الوجود مشترك بين القلم الأعلى الذي هو أول موجود عند 
الحكيم المسمى بالعقل الأول وبين سائر الموجودات» وليس كما يذكره أهل النظر من 
الفلاسفة بأنه ما ثم عند المحققين إلا الحق والعالم» والعالم ليس بشيء زائد على حقائق 
معلومة لله تعالى أولاً كما أشرنا إليه من قبل متصفة بالوجود ثانيًا فالحقائق من حيث 
معلوميتها وعدميتها لا توصف بالجعل عند المحققين من أهل الكشف والنظر أيضًا؛ إذ 
المجعول هو الموجود فما لا وجود له لا يكون بحعولاً. ولو كان كذلك لكان للعلم القديم 


المقدمة 19 
في تغير معلوماته فيه أزلاً أثر مع أنها غير خخارجة عن العالم مهاء فإنها معدومة لا نفسهاء لا 
ثبوت لها إلا في نفس العالم مهاء فلو قيل بجعلها لزم إما مساواتها للعالم مما ني الوجود» أو 
أن يكون العالم بها محلاً لقبول الأثر من نفسه في نفسهء وظرقًا لغيره أيضّاء وكل ذلك 
باطل؛ لأنه قادح في صرافة وحدته سبحانه أزلاً» وقاض بأن الوجود المفاض عرض 
لأشياء موجودة لا معدومة» وكل ذلك محال من حيث أنه تحصيل للحاصل» ومن وجوه 
أعر لا حاحة إلى اطويل بذكرها غافهم» فنيت لنها من حيث ما ذكرنا غير بمعولة وليس 

شمة وجودان كما ذكر بل الوجود واحدء وهو مشتركٌ بين سائرها مستفاد من الحق 
سبحانه وتعالى. 

ثم إن هذا الوجود الواحد العارض للممكنات المخخلوقة» ليس بمغاير في الحقيقة 
للوجود الحق الباطن.» الحرد عن الأعيان والمظاهرء إلا بنسب واعتبارات» كالظهور والتعين 
والتعدد الحاصل له بالاقتران» وقبول حكم الاشتراك» ونحو ذلك من النعوت التي تلحقه 
بواسطة التعلق بالمظاهر انتهى المراد منه بلفظه. وقد نقله ببيعض حذف منه الحامي ني 
«الدرة الفاخرة». 

وني «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام» في الكلام على الأمر الوحدائي ما نصه: 
هو المشار إليه بقوله تعالى: "وما أَمّركا ل وَاحدةٌ كَلَمْح بالْبَصَرِ» [القمر: 50] وأمره 
الواحد عبارة عن تأثيره الوحداني بإفاضة الوجود الواحد المنبسط على الممكنات القابلة 
الظاهرة به» والمظهرة إياه متعددًا متنوعًا بحسب ما اقتضته حقائقها المتعينة في العلم 
الأزلي» وذلك لأن الحق من حيث وحدة وجوده لا يصدر عنه إلا واحد؛ لاستحالة إيجاد 
الواحد من كونه واحدًا ما هو أكثر من واحدء إلا أن أرباب النظر العقلي من الفلاسفة» 
يرون أن ذلك الواحد هو العقل الأول» وعلى قاعدة الكشف هو الوجود العام» وينبغي أن 
تعلم أنه ليس المراد بالعموم أنه كلي» لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه» فإن 
ذلك مما لا يصلح أن يكون موجودًا في الأعيان» بل المراد بالعموم اشتراك جميع 
الممكنات في أنه هو المفاض عليهاء المضاف إليها ما وجد منهاء وما لم يوجد مما سبق 
العلم بوجودهء وهذا الوجود مشترك بين القلم الأعلى الذي هو أول موجود المسمى 
بالعقل الأول» وبين سائر الموجودات؛ إذ ليس ثم إلا الحق والعالم» العالم ليس بأمر زائد 
على حقائق معلومة الحق أولاً متصفة بالوجود ثانا اتتبى منه بلفظه. 

وقد تعرض في «جواهر المعاني» في الفصل الثالث من الباب الخامس نقلاً عن شيخه 
أي العباس التجاني لإايضاح هذه الوحدة» وبيانها على مذهب القومء وإبطال ما قاله أهل 


20 . المقدمة 


الظاهر من إحالتهاء وإبطال ما الزموه لمن قال بهاء وهو أنها تستلزم تساوي الشريف 
والوضيع؛ واجتماع المتنافيين والضدين إلى غير ذلك مما قالوه. 

وحاصل كلامه: إن العالم الكبير كذات الإنسان في التمثيلء وهي إذا نظرت إليها, 
وجدتها متحدة مع اختلاف ما تركبت منه في الصورة والخاصية؛ وما ذكروه لا يلزم؛ لأنه 
وإن كانت الخواص متباعدة, والأحكام مختلفة» فالأصل الجامع لا ذات واحدة كذات 
الإنسان» سواء بسواءء وأيضًا فلوحدته وجه ثان وهو اتحاد ذاته في كونه مخلوقًا لله تعالى» 
وأثرًا لأسمائه وصفاته. فلا يخرج فرد من أفراد هذا العالم عن هذا الحكمء وإن اختلفت 
أنواعهء فإن الأصل الذي برز عنه واحد» ووجه ثالث. وهو اتحاد وجوده من حيث 
فيضان الوجود عليه من حضرة الحق فيضائًا متحذاء ثم اختلفت خواصه وأجزاؤه بحسب 
ما تفصل ذلك الوجود. فإنه يتحد في عين الحملة» ويفترق في حال التفصيل. راجع 
كلامهء وراجع أيضًا كتاب «الجامع» لابن المشري» فإنه تعرض فيه أيضًا لهذه الوحدة 
وبيانها نقلاً عن شيخه المذكور. 

الثالئة: وحدة الوجود الذي به يتحقق حقيقة كل موجود. وهي وحدة الحق سبحانه» 
ومعناها أن الوجود من حيث هو حقيقة واحدة؛ وهي لله تعالى وحده لا مشارك له فيهاء 
فهو الموجود على الإطلاق» ووجود هذه الكائنات إشا كان باستنادها إليه» واستمدادها 
منه» واستنشاقها لروائح الوجود من وجوده؛ وإشراق شعاع وجوده عليهاء فهي موجودة 
بهذا الوجود الذي له تعالى لا بوجود آخر ثان, فلم تكن غيرًا من كل وجه؛ لأن الغير في 
عرفهم هو الذي يكون له الوجود من ذاته» ويتصور أن يكون له بنفسه قوام» وهي 
وجودها ليس من ذاتهاء ولا يتتصور أن يكون لها قوام بنفسها. 

وقد قال الشيخ الأكبر في كتاب «التجليات» له: من لم يكن له وجود من ذاته 
فمنزلته منزلة العدم» وهو الباطل قال: وهذا من بعض الوجوه التي مها يمتاز الحق تعالى 
عن الخلق» وهو كونه موجودًا أعني وجوده من ذاته انتهى. 

كما أنها ليست عيئًا لما بين التقبيد والإطلاق من تقابل التضادء وعليه فإثيات الوجود 
ها توهم؛ لأنه يتوهم الجاهل بحالهاء وحقيقتها أن للها وجودًا وني الحقيقة ونفس الأمر ماثم 
إلا وجوده تعالى؛ لأن به ظهرت الأشياء كلهاء ولذا قيل: 

هذاالوجود وإن تعدد ظاهرًا ‏ وحياتكممافيهاإلاألتم 


أنتم حقيقة كل موجود بدا ووجودها ذي الكائنات توهم 


المقدمة 21 
في باطني من نوركممالو بدا أقفتي بسفك دمي الذي لا يعلم 
ولو أنني أبدي سرائر جودكم قال العوذل ليس هذامسلم 

وفي «الإحياء» في كتاب التوحيد والتوكل في الكلام على قول لبيد: 
الاكل شيء ما خلا الله باطل 
ما نصه: أي كل ما لا قوام بنفسهء وإنما قوامه بغيره» فهو باعتبار نفسه باطل» وإنما 
حقيقته» وحقيقته بغيره لا بنفسه فإِذًا لا حق بالحقيقة إلا الحي القيوم الذي ليس كمثله 

شيع فإنه قائم بذاته» وكل ما سواه قائم بقدرته» فهو الحق وما سواه باطل انتجى. 

وقال القاشاني في «لطائفهم في مبحث التحقيق ما نصه(©: 

التحقيق هو رؤية الحق بما يجب له من الأسماء الحسنى» والصفات العلى» قائمًا بنفسه. 
مقيمًا لكل ما سواهء وأن الوجود بكمالات الوجود: أي التي هي القوى والمداركء إنما 
هو له تعالى بالحقيقة والأصالة» ولكل ما سواه بالمحاز. والتبعية» بل تسميته غيره غير أو 
سوى محاز أيضًا؛ إذ ليس معه غيرء بل كل ما يسمّى غيراء فإما هو فعله» والفعل لا قيام 
له إلا بفاعله» فليس هو بنفسه ليقال فيه غيرًا وسوىء» فكان مرجع التحقيق أن ليس في 
الوجود إلا عين واحدةء قائمة بذاتهاء مقيمة لتعيناتهاء التي لا يتعين الحق بها؛ لاستحالة 
الانحصار عليه أو التقييد» فهو تعالى الظاهر في كل مفهومء والباطن عن كل فهمء إلا عن 
فهم من قال أن العالم صورته وهويته» فلهذا صار صاحب التحقيقء لا يثبت العالم ولا 
ينفيه: أي لا يثبت العالم إثبات أهل الحجاب, ولا ينفيه نفي المستهلكين» فافهم. انتهى 

فهذا المعنى هو مراد أهل الله بوحدة الوجودء وبالوحدة المطلقة وغير ذلك من” 
العبارات التي يذكرها العارفون من أهل التحقيق» وليس مرادهم المعنى الفاسد الذي عند 
أهل الزندقة والإلحادء وقد أنكرته عليهم علماء الأمة» وقد كشف عن هذا الشيخ عبد 

الغني النابلسي في رسالة له سماها: «ليضاح المقصود عن معنى وحدة الوجود»0©. 

وفي «الحكم العطائية70: الكون كله ظلمة: أي عدم صرف بالنظر إلى أصلهء 
وحقيقة ذاته» قال: وإنما أناره يعني أظهره» وأزال ظلمة العدم عنه ظهور الحق فيه: أي 


(1) انظر: لطائف الأعلام للقاشاني (ص 125). 
(2) طبعت بدار الآفاق العربية» القاهرة. 
(3) الحكمة رقم (320). 


22 المقدمة 


تجليه عليه أولاً بأنوار الإيجادء وتوجهه إليه ثانيًا بما يقوم به» ويدوم به وجوده من أنواع 
الإمدادء فلم يكن وجوده لنفسه وذاته حتى يعد وجودًا مستقلأء وإنما كان وجوده تعالى» 
وبظهور هذا الوجود في الأشياء ظهرت» وبإشراق شعاعه عليها أشرقت على حسب ما 
تقتضيه طبائعها وقابليتهاء واستعداداتها الثابتة في العلم» ثم قال في الحكم: فمن رأى الكون 
ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده أعوزه وجود الأنوار» وحجبت عنه سشوس 
المعارف بسحب الآثار د يعني: أن من نظر إلى الكون ولم يشهد الحق تعالى ببصيرته فيه» 
أو عنده أو معه كما هو حال أهل التوسط الذين يرون الله في الأشياءء أو عندها أو معبا 
ويقولون: ما رايت شيئا إلا ورأيت الله فيه أو عنده أو معه أو يشهده قبله» كما هو حال 
أهل الشهود والعيان الذين يرون الأشياء بالله» ويقولون: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله 
أو يشهده بعده» كما هو حال أهل الدليل والبرهان الذين يرون الله بالأشياءء ويقولون: ما 
رأيت شيئًا إلا ورأيت الله بعده» كان معدودًا من أهل الظلام» محجوبًا عن الله تعالى 
بسحب الكون أو الحهل والغفلة والآثام» ومن شهده في كل شيء أو عنده أو معه أو قبله 
أو بعده أو فيهء وعنده ومعه وقبله وبعده كان من أهل الأنوار» وممن لم تنحجب عنهم 
سوس المعرفة بسحب الأآثارء ومن زال عنه الوهم والعناء» وكان في مقام الحو والفناء» 
وغلب عليه شهود الوجود الحق الحقية يقي» الذي به كل شيءٍ موجود يرى الله وحده؛ ولذا 
ينفي ما عداهء ولا يثبت شيئًا سواه» ويقول: مااركيت فيكا سو الله: 
ومن قول بعضهم: ما في الدار غيره ديارء وقول آخخر: سوى الله والله ما في الوجود 
ويقول عما سواه أنه ظل» وأنه خيال» وأنه سرابء. وأنه هالكء. وأنه مضمحل زائل أو لا 
وجود له أصلاً وهو صادق في ذلك كله؛ لأن وجود ما سوى الحق إنما هو بالفرض 
والتقنديزء أو الوهم والتخييل؛ والوجود الحق الحقيقي إنما هو وجوده تعالى» ووجود ما 
عداه بوجوده لا بوجود آخرء مما عداه ليس له من نفسه وجود أصلأء فهو بالنظر إلى 
نفسه عدم صرفء وبالنظر إلى إشراق شعاع الوجود المطلق عليه كالظل له تابع له 
والتحقق بهذا المعنى هو زبدة التوحيدء وعمدة أهل التفريدء وفي ذلك يقول قائلهم: 
الله قل وذر الوجود وما حوى ‏ إن كنت مرتادًا بلوغ الكمال 
فالكل دون الله إن حقققته عدم على التفصيل والإجمال 
واعلم بأنك والعوالم كلها لولاه في محو وني اضمحلال 


من لا وجود لذاته من ذاته ‏ فوج وده لولاهعيين محال 


المقدمة 23 
فالعارفون فنوا ولما يشهدوا ‏ شيًا سوى المتكبر المتعال 
ورأوا سوه على الحقيقة هالكا في الحال والماضي والاستقبال 

وقد حُكي عن الصديق 5 أنه كان يقول: ما رآيت شيكا إلا ورأيت الله قبله. 

وعن عمر #5 أنه كان يقول: ما رأيت شيًا إلا ورأيت الله يعده. 

وعن عثمان 5ه أنه كان يقول: ما رأيت شيمًا إلا ورأيت الله معه. 

وعن علي ذه أنه كان يقول: لا نعبد ربًا لم نره يعني لم نشهده. 

وني الحديث عن رسول الله وَلِدٌ قال: «كان الله ولا شيء معهء وكان الله وحده بلا 
شيع . 

وني «الإحياء» في كتاب الحبة والشوق في ترجمة بيان السبب في قصور أفهام الخلق 
عن معرفة الله تعالى ما نصه: 

وأما من قويت بصيرته ولم تضعف منته: أي قوتهء فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى 
إلا الله تعالى» ولا يعرف غيرهء ويعلم أنه ليس في الوجود إلا الله تعالى» وافعاله أثر من 
آثار قدرتهء فهي تابعة له فلا وجود لها بالحقيقة دونه وإما الوجود للواحد الحق الذي به 
وجود الأفعال كلباء ومن هذه حاله فلا ينظر ني شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل» 
ويذهل عن الفعل من حيث أنه سماء وأرض وحيوان وشجرء بل ينظر فيه من حيث أنه 
صنع الواحد الحق» فلا يكون نظره محاورًا له إلى غيره» كمن نظر في شعر إنسان أو خطه 
أو تصنيفه» ورأى فيها الشاعر والمصنفء ورأى آثاره من حيث أنه أثره لا من حيث أنه 
حبر وعفص وزاج مرقوم على بياض» فلا يكون قد نظر إلى غير المصنفء وكل العالم 
تصنيف الله تعالى» فمن نظر إليه من حيث أنه فعل الله» وعرفه من حيث أنه فعل الله 
وأحبه من حيث أنه فعل الله» لم يكن ناظرً إلا في الله ولا عارفًا إلا باللهء ولا ميا إلا لله 
وكان هو الموحد للحق الذي لا يرى إلا الله» بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه؛ بل 
من حيث أنه عبد الله» فهذا هو الذي يقال فيه أنه فني في التوحيدء وإنه فني عن نفسه 
أيضاء وإليه الإشارة بقول من قال: كنا بنا ففنينا عناء وبقينا بلا نحن. انتهى منه» وقد نقله 
السيوطي أيضًا في «تأييد الحقيقة العلية». 

وني كلام بعض العارفين: أى المحققون أن يشهدوا غير الله» لما حققهم به من شهود 
القيومية» وإحاطة الديمومية. 


(1) سيأتي تخريجه والكلام عليه. 


24 المقدمة 
وقال بعضهم: لو كلقت أن أرى غيره لم أستطع؛ فإنه لا غير معه حتى أشهده معه. 
ومن كلام مولانا عبد السلام بن مشيش لوارثه أبي الحسن الشاذلى: حدد بصر الإيمان 

نجد الله تعالى ني كل شيءء وعند كل شيء؛ ومع كل شيء؛ وقبل كل شيءء وبعد كل 

شيء؛ وفوق كل شيءء وتحت كل شيء» وقريبًا من كل شيء؛ ومحيطًا بكل شيء بقرب 

هو وصفه) وبحيطة هي نعته.. إلى آخر ما قال. 
وقال بعض العارفين: الحق تعالى منرِةٌ عن الأين والجهة والكيف والمادة والصورة» 

ومع ذلك لا يخلو منه أين ولا مكان ولا كم ولا كيف ولا جسم ولا جوهر ولا عرض؛ 

لأنه للطفه سار في كل شيءء ولنورانيته ظاهر في كل شيءء ولإطلاقه وإحاطته متكيف 

بكل كيفء غير متقيد بذلك» ومن لم ير هذا ولم يشهده فهو أعمى البصيرة» محروم من 

مشاهدة الحق انتهى. 
ومن كلام القطب سيدي علي وفا 4: 

والنور المبين بغير شك هو الرب المحجب في العبيد 
هوالمشبود ني الأشياء يبدو فيخفيه الشهود عن الشهيد 
هوالعين العيان لكل غيب هوالمقصودد من بيت القصيد 
جميع العالمين له ظلال سجود لهفي القريب وفي البعيد 
وهذا القدر في التحقيق كاف فكف النفس عن طلب المزيد 
واعلم أن الإيمان بالله هو التصديق الجازم بوجوده أولاً وبوحدانيته ثانيّاء وباتصافه 
بصفات الكمال اللائقة به ثالنّاه وبتقديسه عن سمات الحوادث رابعاء وهذا التصديق له 
مراتب ذكر في «القوت» و «الإحياء» أنها ثلاثة وهي في الحقيقة تسعة لأن كل مرتبة من 
المراتب الثلاث منقسمة إلى ثلاثة» وذكر الغزالي في آخر كتابه: «إلحام العوام» ستة منها 
وهي أقسام المرتبتين الأوليين» وأما المرتبة الثالئة فذكرها بأقسامها في كتابه «مشكاة 
الأنوار»» ونحن إن شاء الله تعالى نذكر خلاصة المرتبتين الأوليين مع التوسع في المرتبة 

الثالثة؛ لأنها المقصودة هنا. 

فنقول المرتبة الأولى: مرتبة إيمان العوام» وهو يمان التقليد الحض. 


المقدمة 25 

وفيها ثلاث مراتب لأنه: 

1- إما أن يكون مستندًا إلى السماع ممن حسن فيه الاعتقاد بسبب كثرة ثناء الخلق 
عليه كالعلماء والأولياء. 

2- أو إلى أمارة يظنها العامي دليلاً كالقرائن الشاهدة له. 

3- أو غير مستند إلى شيء أصلاً كآن يسمع القول فيناسب طبعه وأخلاقه فيبادر إلى 
التصديق به جرد موافقته لطبعه. 

وهذه أضعف التصديقات لأنه فيما قبله استند إلى دليل ما وإن كان ضعيفا. 

المرتبة الثانية: مرتبة إيمان المتكلمين وهو الإيمان الممزوج بنوع من الاستدلال وفيها 
أيضًا ثلاث مراتب لأنه: 

1- إما أن يكون حاصلاً بالبرهان امحرر المستقصي لشروطه بأصوله ومقدماته. 

2- أو بالأدلة الرسمية الكلامية المبنية على أمور مسلمة مصدق بها لاشتبارها بين 
أكابر العلماء وشناعة إنكارها. 

3- أو بالآدلة الخنطابية التي جرت العادة باستعمالها في المحاورات والمخخاطبات الحارية 
في العادات. 

المرتبة الثالثة: مرتبة إيمان العارفين» وهو المشاهد بنور اليقين وفيها أيضًا ثلاث 
مراتب. 

الأولى: مشاهدة أن الوجود كله لله وأنه لا شريك له فيه أصلاً لأن كل ما سواه إذا 
اعتبرت ذاته فهو من حيث ذاته لا وجود له بل وجوده مستعار من غيره» ولا قوام لوجود 
المستعار بنفسه بل بغيره ونسبة المستعار إلى المستعير محاز محض فإذا انكشفت هذه 
الحقيقة للعبد بنور اليقين علم أن الوجود كله له تعالى لا مزاحم له فيه أصلاً وأن نسبته 
لغيره بحاز لا حقيقة. 

الثانية: ترقى أصلها من حضيض المحاز إلى ارتفاع الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا 
بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله وأن كل شيء هالك إلا وجبه أزلا وأبدًا لا 
يتصور فيه إلا ذلك لا أنه يصير هالكا في وقت من الأوقات لأن كل ما سواه إذا اعتبرت 
ذاته من حيث ذاته فهو عدم صرفء وإذا اعتبرت من الوجه الذي يسري إليه الوجود من 
الأول فهو موجود لا من وجبه وذاته» بل من الوجه الذي يلى موجده فيكون الموجود 
هو وجه الله فقط وحينكذ فلكل شيء وجهان وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار 
وجه نفسه عدمء وباعتبار وجه ربه موجودء فَإذًا لا موجود إلا الله ووجبه كما قال: 


26 المقدمة 


طكُل شيء هَالك إلا وَجْبَهُ» [القصص: 88] يعني فليس مالك. 

وهؤلاء يفتقروا لقيام القيامة ليسمعوا نداء الباري: طلمَنْ الملك اليوم لله الوَاحد 
القبَارك [غافر: 16] بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدًاء ولم يفهموا من معنى قوله: الله 
أكبر أنه أكبر من غيره حاش الله إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه» بل ليس 
لغيره رتبة المعية» بل رتبة التبعية» بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليهء فالوجود 
وجبهه فقطء فمحال أن يكون أكبر من وجبه» بل معناه أكبر من أن يقال له أكبر بمعنى 
الإضافة والمقايسة, وأكبر أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيًا كان أو ملكا بل لا يعرف كنهه 
إلا هو تعالى. 

الثالثة: أهلها بعد ما عرجوا إلى سماء الحقيقة» ولم يروا في الوجود تحقيقا إلا الواحد 
الحق وأفعاله, لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علمياء ومنهم من صار له ذلك ذوفًا 
حاليّاء وانتفت عنهم الكثرة بالكلية استغرقوا في الفردانية المحضة واستلبت فيها عقوهم» 
فصاروا كالمبهوتين فيهاء ولم ببق فيهم متسع لذكر غير الله» ولا لذكر أنفسهم أيضاء فلم 
يكن عندهم إلا الله فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقوهم, فقال أحدهم: أنا الحق. 

وقال الآخر: سبحاني ما أعظم شأني("). 

وقال الآخر: ما في الحبة إلا الله. 

وكلام العشاق ني حال السكر يطوى ولا يحكى؛ فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى 
سلطان العقل الذي هو ميزان الله في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحادء بل 
يشبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه: أنا من أهوى, ومن أهوى أنا. 

وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء» بل فناء الفناء لأنه فني 
عن نفسه. وفني عن فنائه» فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال» ولا بعدم شعوره بتفسه» 
ولو شعر بعدم شعوره كان قد شعر بنفسه وتسمى هذه الحالة بالنسبة إلى المستغرق مما 
بلسان المحاز اتحادًا وبلسان الحقيقة توحيدًا وانظر: «مشكاة الأنوار» لأبي حامد الغزالي» 
و«شرح الإحياء» للشيخ مرتضى الزبيدي في أول نصفه الثاني وفي مبحث السماع. 

وني «لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام» للقاشاني بعد ما ذكر فيه الاتحاد وأنه 
يطلق ويراد به عدة معاني ما نصه: ومنها أن يراد بالاتحاد جميع الموجودات ني الوجود 
الواحد من غير أن يلزم من ذلك ما يظن من انقلاب الحقائق أو حلول شيء في شيءء بل 


(1) انظر: روضة الحبور ومعدن السرور لابن الأطعائي (ص 80) بتحقيقنا. 


المقدمة 27 
المراد من ذلك أن كل ما سوى الحق سبحانه لا حقيقة له إلا بالحق سبحانه بمعنى أن 
الوجود الذي صار به كل موجود موجودا إنما هو الوجود الواجب» وهذا منكر عند 
أرباب العقول الحجوبة بظلمة الأكوان؛ فإنهم لا يشاهدون وجهه تعالى في الأشياء لوقوفهم 
معهاء وإلى وحدة الوجود المشترك بين جميع الماهيات المتكثرة أشار الأكابر بقوهم 
الوحدة للوجود والكثرة للعلم أي للمعلومات فإنها هي التي كثرت الوجود الواحد المظهر 
ها مها انتهى منه بلفظه. 

وفيها أيضًا ما نصه: وحدة الوجودء يعني به عدم انقسامه إلى الواجب والممكن 
وذلك أن الوجود عند هذه الطائفة ليس ما يفهمه أرباب العلوم النظرية من المتكلمين 
والفلاسفة» فإن أكثرهم يعتقد أن الوجود عرضء بل الوجود الذي ظنوا عرضيته هو ما به 
تحقق حقيقة كل موجودء وذلك لا يصح أن يكون أمره غير الحق عز شأنه انتهى المراد 

وقال السعد في شرح المقاصد بعد أن أبطل الحلول والاتحاد ما نصه: وها هنا مذهيان 
آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء. 

الأول: السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله» وفي الله استغرق في بحر التوحيد والعرفان 
بحيث تضمحل ذاته ني ذاته وصفاته ني صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في 
الوجود إلا الله» وهنا الذي يسمونه الفناء في التوحيد» وإليه يشير الحديث الإلهى: 

«فإِذًا أَحَتهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به وَبَصَرَهُ الذي مُنْصر به(4». 

وحينئذ فربما صدرت منه عبارات تشعر بالحلول والاتحاد لقصور العبارة عن بيان 
تلك الحال» وتعذر الكشف عنه بالمقال» ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر 
التوحيد بقدر الإمكان» ونعترف بأن طريق غيرنا فيه العيان دون البرهان. 

الثاني: إن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلاً وإنما الكثرة في 
الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيالات والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر 
على الظاهر لا بطريق المخالطة والانضمام ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام ولا 
حلول هنا ولا اتحاد لعدم الاثنينية والغيرية اتتبى على نقل شارح الإحياء والله أعلم. 
انتهى. 

قلت: مسألة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود قد كثر فيها الكلام من العالم 


(1) سبق تخريجه. 


28 المقدمة 
والجاهل: فكثر الكلام» وتخبطت الآراء» وتنازعت» وبمجرد إطلاق لفظ وحدة الوجود 
يتوهم اللجاهل القول بالحلول والاتحاد» ونسبها ظلمًا وعدوانا الكثير من الجهلة قديمًا إلى 
سيدنا الشيخ الأكبر وأكابر الأولياء: كالشيخ سيدي عبد الكريم الحيلي» والشيخ القونوي» 
والشيخ ابن سبعين» والشيخ ابن الفارضء, وغيرهم رضي الله عن جميعمء وتبعهم على 
ذلك أتباعهم من المتأخرين. 
وإن شكت قلت: أعوانهم في تلك الجهالة» وكان مدخلهم إلى هذه النسبة وتلك 
الاعتراضات وتجرؤهم على ما يجهلونه من علوم الأولياء نظرهم إلى علوم القؤم باعتبار 
أنها علومٌ فلسفية» مصدرها الفكر والعقل؛ وكأنهم لم يسمعوا قول الله تعالى: 
«واتّقوأ 2 وبمك آلة) [البقرة: 282] ولا قوله تعالى: ظِفَوَجَدًَا عَبَدَا من 


ري 


عِبَادِنَآ مَاتَيْتَهُ رَحْمَةٌ ين عِندِنًا وَعَلْبَتَهُ مِن لَدْنًا عِلماِ [الكبف: 65]» ولا قوله 
تعالى: « قل هَدذْم سَيينَ أَدْعُوَا إلى آك عَلْ بَصِررةٍ أنأوَمنِ أتبَعى» [يوسف: 108]» 
ولا قوله تعالى: (ولكن كوثرا رتوم" [آل عمران: 79]» ولا قوله: « وَجَعَلنَا مِبْمم 
يمه يَدُو بِأَمْرءًا لما صَبَر َه [السجدة: 24]. 

ولا ما روي عن أي جحيفة قال: سألت عليًا 45: هل عندك عن النبي يله شيء 
سوى القرآن؟ فقال: «لا والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في 
القرآن وما في هذه الصحيفةم قلت: وما في هذه الصحيفة؟ الحديث. ولا ما روي في 
البخاري: حدثنا إساعيل قال: حدثني أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري» عن أبي 
هريرة قال: «حفظت من رسول الله يَِوٌ وعاءين» فأما أحدهما فبثثته» وأما الآخر فلو , بثثده 
قطع هذا البلعوم», ولم يبلغهم مما ورد ني كناب الله وسنة نبيه يد مما يقرر اختصاص 
الحق سبحانه لمن شاء من عباده بما شاء من عطاياه» سواء كان المعطّى محسوسًا أم معنوثًا 
كالعلم بالله والفهم في كتابه» فراحوا ينكرون كل ما يجهلونه؛ وكأنهم أحاطوا بما عند الله» 
أو تحكموا على الله في ألا يعطي أحدًا من خلقه إلا بعد أن يستأذتهم» ولا يفهم أحدًا في 
كتابه إلا بما فَيِمُوه هم بفهمهم السقيم لا غير» فسبّوا ولعنوا أولياء اللى «وَخَسَبُونَه, 
هَيكَا وهر عد آلَهٍ عَظِمْ» [النور: 2]15 وجعلوا يستشهدون بأقوال أهل الكفر 
المستشرقين الذين ما أرادوا بالإسلام والمسلمين خيرًا قط على أثمة الحدى المسلمين» 
فينسبون العلم اللدني الوارد ذكره في كتاب الله وني سنة رسول الله تارةً إلى المسيحية» 


المقدمة 29 
وتارةً إلى الفلسفة اليونانية» وأخرى إلى الاستنباطات العقلية تبعًا هؤلاء المستشرقين» الذين 
أدركوا حقيقة علوم التصوف, وما لها من العظمة بحيث يعجز غير المسلمين عن الإتيان 
بشيء منهاء وكيف لا وهي من السيد الأعظم يك متلقاة» وأن التصوف الإسلامي منذ 
عهد الصحابة إلى الآن السبب الأقوى والفعال في دخول جموع الناس في دين الله أفواجاء 
وهذا ما يشهد به التاريخ» فراحوا ينسبونها إلى أنفسهم أو إلى عقلٍ وفكر كما مر محاولين 
بذلك التقليل من شأن العلم في قلوب المسلمين» ولكن هيبات هيهات: «يريدون 
ِمُطَفِمُوا تُورَاللَهِ بأفْوَحِهمْ وَألَهُ مم ُوره- وَلَوْ كره الْكَفِرُونَ» [الصف: 8] ببعض من 
النظريات التي يكنحها التاريخ» وتأباها عظمة الدين الخاتم: 

الذِينَ صَل سيم فى آحَؤة آلدنَا وَهُمْ ححْسَبُونَ أنّهِمْمحسِنُونَ صُنْعَ4ِ [الكيف: 
4]. 

فترى دافع المتقدمين إلى الإنكار: الحقد. والحسد. وحب السمعة: والمتأخرين: الجهبل 
الذي ملا قلوهم (ِلُمَ قوب لا يَفقَهُوت با وَُمْ أَعَينُ لا يُبِصِرُونَ ينا وَهُمَ مَاذَانُ لا 
يسْمَعُونَ يآ أُولنيك كالْأنَعمٍ بَلَ هم أَصَلُ» [الأعراف: 179] فتراهم ينقلون أقوال 
[خوانهم الذين يمدونهم في الغي دون أدنى معرفة بالدليل الذي استند إليه العلماء بالله» ولا 
يستبري لدينه فيبحث عنه» بل أخذوا يكررون ويرددون الأقوال المنكرة في حقّ سادات 
الأمة المحمدية ورثة الأنبياء تلك الأقوال العارية بالطبع عن دليل القوم» وكان الأحق مهم 
قبل أن يؤذنهم الله بمحاربته بإيذائهم لأوليائه أن يأخذوا العلم من أهله؛ وخصوصا أن 
علوم العوم موضوعها العقائد المتعلقة بمعرفة الله ورسوله ولو وتلك أمورٌ محلها القلب» 
فلا اطلاع عليها إلا لصاحبها. 

ولا تظن يا أخي أن علوم القوم خالية عن تأبيد الشرعء أو عارية عن الدليل» كما 
صورها هؤلاء الجهلة» بل الحق الذي لا مرية فيه أنه لا توجد عقيدة قررها القوم في كتبهم 
إلا وهي محاطة بالدليل الشرعيء والمتتبع لأقوالهم نفعنا الله هم يجدها مصحوبة بالدليل. 

فتبرا لدينك يا أخيء وليّاك أن تعرش على جد طن الغلمام بالل يجهلك فى مر 
جباته من كلامهم؛ أو أن يكون لك أي نسبة تربطك مهذا الاعتراض فالأمر جد ين 
بالحزل. 

وانظر كيف تُسبوا إلى الله ني تسميتهمء بل وحقيقتهم ني قول: أولياء الله» أو العلماء 


30 المقدمة 
باللهء أو العارفين بالله» قال تعالى: «ألة ري أُوَلِياء أله لا خوك عََيهِرَ وَلَا هه 
َرَئُورت4 [يونس: 62]» فما عاديت في الحقيقة إلا ما نُسب لله؛ فانتبه من رقدتك. 

واعلم أني ما ذكرت لك تلك المقدمة في هذا الموضع إعلامًا مني بأن واحدًا من 
العلماء بالله يقول بالحلول أو الاتحاد معاذ الله» ولكن لأوضح لك حقيقة الخلاف. والله 
يتولى هداك وهو حسبنا ونعم الوكيل. 

وإليك نصوص ما ذكره ساداتنا العلماء بالله في نفيهم للحلول والاتحاد المتوهم في 
حقهم الشريف فأقول وبالله التوفيق: 

قال سيدنا في «الفتوحات» في باب الأسرار: من قال بالحلول فهو معلول؛ فإن القول 
بالحلول مرض لا يزول» ومن فصل بينك وبينه فقد أثبت عينك وعينه» آلا ترى قوله: 
كنت سعّه الذي يسمع بهيء أثبتك بإعادة الضمير إليك ليدلك عليك؛ وما قال 
بالاتحاد إلا أهل الإلحاد» كما أن القائل بالحلول من أهل الجحهل والفضول فإنه أثبتك حالاً 
ومحلاًء فَمَنْ فصّل نفسة عن الحق فنعْم ما قعل. 

وقال في باب الأسرار أيضًا: الحادث لا يخلو عن الحوادث؛ لو حل بالحادث القديم 
لصح قول أهل التجسيمء فالقديم لا يَحلَ ولا يكون محَلاء ومن ادعى الوصل فهو في 
عين الفصل اهمل. 

وقال في هذا الباب أيضًا: أنت أنت» وهو هوىء فإِيّاك أن تقول كما قال العاشق: «أنا 

من أهوى ومن أهوى أنامي فبل قدر هذا أن يرد العين واحدة؟ لا والله ما استطاع فإنه 
جهلء والحهل لا يتعقل حقاء ولا بد لكل أحد من غطاء يتكشف عند لقاء الله. 

وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة بعد كلام طويل: وهنا يدلك على أن 
العام ما هو عين الحق» ولا حل فيه الحق؛ إذ لو كان عين الحق أو حل فيه لما كان تعالى 
قديما ولا بديعا انتهى. 

وقال في الباب الثاني والتسعين ومائتين: من أعظم دليلٍ على نفي القول بالحلول 
والاتحاد أنك تدرك عقلاً أن الشمس هي التي أفاضت على القمر النورء وأن القمر ليس 
من نور الشمس شيئًا مشهودًا؛ لأنها لم تتتقل إليه بذاتهاء وإنما القمر بحلى لهاء فكذلك 
العبد ليس فيه شيء من خالقه ولا حل فيه اه. 

وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة: لو صح أن يرقى الإنسان عن إنسانيته والملك 
عن ملكيته ويتحد بخالقه تعالى لصح انقلاب الحقائق» وخترج الإله عن كونه إِشّاه وصار 


المقدمة 31 
الحق خلقّاء والخلق حقاء وما وثق أحدٌ بعلمه» وصار المحال واجيّاء فلا سبيل إلى قلب 
الحقائق أبدًا اهب. 

وقال في الباب الثامن والأربعين: لا يصمح أن يكون الخلق في رتبة الحق تعالى أبداء 
كما لا يصمح أن يكون المعلول في رتبة العلة اهى. 

وقال سيد الطائفة الجنيد ذه: التوحيد إفراد القدم عن الحدوث. 

وقال سيدي عبد القادر الأمير ذه في «مواقفه» في حديث مسلم: «إن الحق تعالى 
يتجلى لأهل المحشر..الخ»: وفرقة تقرّه في الدنيا والآخرة: أي التحول المذكور في 
الحديث من غير حلول ولا اتحاد ولا امتزاج ولا تولّد, مع اعتقاد: 

ليس كمِئلف مََتء» [الشورى: 11]ء وهم العارفون بالله تعالى أهل التجلي 
والشهود في الدنيا اهم (ص353). 

وقال أيضًا: الموقف الثلائون: قال لي الحق: «أتدري من أنت؟ فقلت: نعم أنا العدم 
الظاهر بظهوركء والظلمة المشرقة بنورك. فقال لي: عرفت؛ فالزمء وليّاك أن تدّعي ما 
ليس لكء فإن الأمانة مؤداة والعارية مردودة» واسم الممكن منسحب عليك أبدا» كما هو 
منسحب عليك أزلا» ام. 

ثم قال في شرح حديث (كنت سمعه): وإنما هي الأحكام العدمية التي ظهر الوجود 
الحق بها لا غيرء ولا اتحاد كما يفهمه العميانء ولا تأويل كما يقول صاحب الدليل 
والبرهان اهم. 

وقال في الكلام على حديث «ما وسعني..1لخ»: قلب العارف الكامل المحقق الواصل 
يصير عين معروفه» وعين ما حققه, مع بقاء التمييز: إله ومألوة. رب وعبدٌ اهم. 

وقال سيدي على بن وفا نفعنا الله به: إنما كانت القلوب السليمة تحن إلى التقزيه 
أكثر من التشبيه لأن التنزيه هو الأصلء والتشبيه إنما هو تترّل للعقول» ومن شأن 
الذات الإطلاق لذاتهاء وتساوي النسب لصفاتها؛ فاعلم ذلكء» ونرّه ريك عن صفات 
خلقه اه. 

وقال سيدي أيضا: المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام القوم: فناء مراد العبد في مراد 
الحق تعالى» كما يقال: بين فلان وفلان اتحادٌ إذا عمل كل منهما بمراد صاحبه. 

ثم أنشد: / ش 

وعلمُك أن كل الأمر أمري هو المعنى المسمى باتحاد 
وقال سيدي أيضًا: الاتحاد لفظ يطلق ويراد به أعلى درجات قرب العبد من الرب. 


32 المقدمة 


وانظر يا أي رحمك الله إلى ما قاله هؤلاء السادات في الحلول والاتحاد؛ كي تعلم 
حقيقة مرادهم بتلك اللفظة» على فرض وقوعها في كلامهم؛ هو استخدام اللفظ ليس إلا 
ودليلي فضلا عمًا ذكرته من نفي القوم لذلك: قال سيدي علي ذه: (إن الاتحاد لفظ) 
ولم يقل معئّى أو حقيقة» فاعلم تلك الأقوالء وعض عليها بالنواجذء واجعلها أساسًا 
تحمل عليه كلام القوم. 

وانظر قول الشيخ الشعرائي: وعندي أن هؤلاء القائلين بالاتحاد كلهم لم يصحٌ لهم 
اتحادٌ قل إلا بالوهم» وانظر كلامهم تجده من أوله إلى آخره لا يبرح من الثنوية» فإنه لا 
بد من مُخخاطب ومخاطب. 

وني كلامه 5ه ما يغني عن التعليق من نفي تلك الاعتقادات المتوهمة؛ وقولي المتوهمة 
إنما هو بالنظر للمنكرء فإننا إذا أمعنا النظر في كتابات المعترضين على أقوال الكمّل رضي 
الله عنهم نجدها منصبّة حول معنّى غير مقصود بالمرة للقائل» ولو ذكرت للقائل معنى 
تلك المقولة بتفسير المنكر لهها؛ لكان من أول المنكرين لما وأشد الناس اعتراضًا عليهاء 
فإذن تلك العقائد المعترض عليها ليس لا وجودٌ إلا في عقل المنكرء فإنه اعترض على ما 
فهمه هوء لا على حقيقة المراد باللفظ. 

فإذن الخلاف ليس في المعائي» وإنما هو خلاف نشأ عن استخدام تلك الألفاظ» 
ودليلي في ذلك ما ذكرته لك من أقوال هؤلاء الأئمة» فخحذ تلك القواعد واحكم عليهم 
بمقتضى قولهم تجدهم جميعًا أقرب الخلق إلى الله وإلى رسوله يِه وأعرفهم بالله ورسوله 
5 

فإن قلت: فكيف العمل في تلك الأقوال الكثيرة المشحونة باستخدام تلك الألفاظ 
الموهمة؟! 

أقول لك: بعد ما تقدم ذكره من القول إن لم تستطع قبول تلك الأقوال ولم تفهم 
المعنى الموافق للشرع الذي هو يقيئًا مراد القائل فتأوها بما يوافق الشرعء فإن الكتب 
الفقهية والشرعية مليئة بالتعارض والترجيحات وتأويل الأقوال والأدلة المتعارضة» فقس 
على ذلك والله هو الموفق. 

واعلم يا أخي أني لم أذكر لك جميع كلام القوم في نفي الحلول والاتحاد ووحدة 
الوجود المتوهمة وإنما ذكرت لك طرفًا منه» فإنهم نبهوا عليه كثيرًا فاختر يا أخي لنفسك» 
وما نَشَاءون إلا أن يَشَاءَ الله [الإنسان: 30]. 

ووالله لا ينسب القول بالحلول أو غيره من القبائح إلى القوم بعدما ذكرناه من كلام 


المقدمة 33 
إلا معان مكابرء فحمل كلامهم على مرادهم لا غيرء والله يقول الحق وهو يبدي 
السبيل» والسلام. 

بحث في رذ بعض شبه المنكرين على السادة المتحققين: 

قال ربنا سبحانه وتعالى: وَلاً كقفْ ما لَيِسَ لَك به علّم4 [الإسراء: 36]. 

قال الكلبي: لا تقل ما ليس لك به علم. 

وقال البيضاوي: ا ا ك تقليدًا أو رجمًا بالغيب؛ « إن المع 
وَالْبَصَرَ وَالْفوَادَ كَُُ و2 ليك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُو لا4 [الإسراء: 36]: أي كل هذه الأعضاء 
كان عنه مسؤولاً. 

قال الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين: يسأل الله العباد فيما استعملوهاء 
وني هذا زجرٌ عن النظر إلى ما لا يحل» والاستماع إلى ما يحرم» وإرادة ما لا يجوزء كذا 
ذكره الواحدي. 

وقال ربنا سبحانه وتعالى: 9 يا أَيْبَا الذينَ آمنُوا لا تَكُونُوا كَالْذِينَ آَذَوَا مُوسَى 
قَبرَةُ اللَّهُ مما قَالُوا» [الأحزاب: 69]. 

قال البيضاوي: فأظهر براءته من مقوهم يعني: مواده ومضمونه» وذلك أن قارون 
حرّض امرأةً على قذفه بنفسهاء فعصمه الله تعالى» أو اتهمه ناس بقتل هارون الي لما 
خرج معه إلى الطورء فمات هناك؛ فحملته الملائكة» ومرًوا بهم حتى رأوه غير مقتول» 
وقيل: : أحياه الله تعالى» فأخبرهم ببراءته» أو قذفوه بعيب في بدنه من مرض أو أدرة لفرط 
تستره حياء» فأطلعهم الله على أنه بريء» وكان عند الله وجيبًا ذا قرابة ووجاهة: ويا يا 
الْذِينَ آمَنُوا الّقَوا الله وَقُولُوا قَوْلا سّدِيدا 4 [الأحزاب: 70]» قاصدًا إلى الحق» ويُصلح 
لكْمْ أغمالكم» [الأحزاب: 71]؛ يونقكم للأعمال الصالحات؛ أو يُصلحها بالقبول 
والإثابة عليهاء, «ويغْفر لَّكُمْ ذْنُوبَكُمْ4: ويجعلها مُكفرة باستقامتكم في القول والعمل» 
طوَمَن يْطِع الله وَرَسُولَة4 في الأوامر والنواهي قَقَدَ قَارَ َوْرًا عَظيمًام2 يعيش في الدنيا 
حميداء وني الآخرة سعيدا. 

قال رسول الله ول: «مَنَ كان يؤمنْ بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت”"» 
رواه البخاري ومسلم. 


(1) رواه البخاري (2376/5)»: ومسلم (69/1)» وأبو داود (322/3)» والترمذي (110/4)» 
والنسائي في الكبرى (6394/4. 


324 المقدمة 


وقال ي: «من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار: أي رججع 
عليه( » رواه البخاريٍ ومسلم. 

وقال يل: من قفى مُسلمًا بشيء يريد به شينه: أي عيبةُ حبسه الله على جسر 
جبنم حتى يخرج هما قال'©». 

وقال يِل «مَن رمى مُسلمًا بشيء يريد شينه به حبسه الله على جسر جبنم حتى 
يحخرج مما قال00». 

وني تفسر البيضاوي قال يلخ: «مَنْ فى مؤمنًا بما ليس فيه حبسه الله لي رذغَة 
الْخبال حتى يأني بالمخرج”“». والرذغة بسكون الدال وفتحه والغين المعجمة: الوحل 
الشديدء والخبال: صديد أهل النار. 

وقال ي: «من أكل برجل مُسلمٍ أكلة: أي بأن يغتابه عند عدوهء أو يسبّه عنده, 
فيطعمه بسبب ذلك فإن الله ييطعمه مثلها من جهنم ومن كسا ثُوبًا برجل مسلم: أي بأن 
يغتابه أو يسبّه عند عدّوه فيكسوه بسبب ذلك فإن الله يكسوه يله من جوت ومن ام 
برجل مسلم مقام سمعه: أي يقول أنه مرائي» وأقواله وأفعاله رياء لأجل عدّوه فإن الله 
تعالى يقوم له مقام سعة ورياء يوم القيامة!” 2 رواه النسائي. 

قال يَك: «إياكم والظن» فإن الظنُ أكذبُ الحديث؛ ولا تجسسّسوا ولا تنافسوا(»م 
رواه البخاري ومسلم. 

وقال يَل: وحسن الظن من حسن العبادة “م رواه النسائي والترملي وابوداود: أي 
اعتقاد الخير والصلاح في حق المسلمين عبادة حسنة من جملة العبادات. 

قال الشيخ محد الدين رحمه الله تعالى: لا يجوز أن ينكر على القوم ببادي الرأي؛ لعلو 
مراقبتهم في الفهم والكشف» ولم يياغنا عن أحد منهم أنه مر بشيء يهدم الدين» ولا نمى 
أحدًا عن الوضوء ولا الصلاة» ولا غيرها من فروض الإسلام ومستحباته» إنما يتكلمون 


(1) رواه مسلم (69/1)» والباري في الأدب المفرد (155/1)» وأحمد (166/5). 

(2) رواه الطبرائي في الكبير (194/20)» وابن المبارك في الزهد (239/1). 

(3) رواه أبو داود (270/4) وأحمد (441/3). 

(4) رواه أبو داود (305/3): وأحمد (176/2)» والبيهقي في الكبرى (82/6). 

(5) رواه أبو داود (270/4)» وأحمد (229/4). 

(6) رواه البخاري (1009/3): ومسلم (1985/4)» وأبو داود (280/4)» وأحمد (245/2). 
(7) رواه أبو داود (298/4)» وأحمد (304/2). وابن حبان (99/2). 


المقدمة 35 
بكلام يدق عن الأفهام» وكان يقول: قد ب القوم في المقامات ودرجات العلوم إلى 
المقامات المحهولة والعلوم المحهولة التي لم يصرّح مها كتاب ولا سئّق ولكن أكابر العلماء 
العالمين قد يردون ذلك إلى الكتاب والسئة بطريق دقيق د استتباطهم وحسن ظنّهم 
بالصالحين» وكان يقول: كما أعطى الله تعالى الكرامات للأولياء التي هي فرع المعجزات» 
فلا بدع أن يعطيهم من العبادات ما يعجز عن فهمها فحول العلماء. 

وكان شيخ الإسلام المختزومي رحمه الله تعالى يقول: لا يجوز لأحد من العلماء 
الإنكار على الصوفية إلا إن سلك طريقهمء ورأى أفعاهم, وأقواهم عخالفة للكتاب 
والسئة» وإما بالإشاعة عنهمء فلا يجوز الإنكار عليهم» ولا سودي وأطال في ذلك, ثم 
قال: وبالجملة: فأقل ما يحق على المنكر حتى يسوغ له الإنكار على أقوالهم؛ أو على 
أفعالهم. أو على أحوالهم أن يعرف سبعين أمرء ثم بعد ذلك يسوغ له الإنكار منها غوصه 
في معرفة معجزات الرسل عليهم السلام على اختلاف طبقاتهم» وكرامات الأولياء على 
اختلاف طبقاتهم» ويؤمن بها ويعتقد أن الأولياء يرئون الأنبياء في جميع معجزاتهم إلا ما 
استثنى منها. 

ومنها: اطّلاعه على كتب تفسّر القرآن سلفًا وخلفا؛ ليعرف أسرار الكتاب والسئّةء 
ومنازع الأئمة المجتهدين» ويعرف التفسير والتأويل وشرائطه» ويتبحر في معرفة لغات 
العرب في مجحازاتها واستعاداتها حتى يبلغ الغاية. 

ومنها: كثرة الاطلاع على مقالات للسلف والخلف في معنى آيات الصفات 
وأخبارهاء ومن أخذ بالظاهرء ومّنْ أوّلء ومّنْ دليله أرجح من الآخر. 

ومنبا: تبحره في علم الأصوليين» ومعرفة منازع أئمة الكلام. 

ومنها: وهو أهمها معرفة اصطلاح القوم فيما عبّروا عنه من التجلّي الذاتي والصوري» 
وما هو الذنات وذات الذات» ومعرفة حضرات الأسماء والصفات» والفرق بين الحضرات» 
والفرق بين الأحدية والواحدية» ومعرفة الظهور والبطونء والأزل والأبدء وعالم الغيب 
والكونء والشهادة والشكونء وعالم الماهيّة والهوية» والسكر واغحيّة» ومَنْ هو الصّادق في 
السكر حتى يسامح» ومن هو الكاذب حتى يؤاخخذ وغير ذلك» فمن لم يعرف مرادهم 
كيف يحل كلامهم؛ أو ينكر عليهم بما ليس هو من مرادهم انتهى. 

وقد شرح الحافظ بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى بعض أبيات من تائية الشيخ 
عمر بن الفارض» وقدمها إلى الشيخ أبي مدين؛ ليكتب عليهم إجازةً» فكتب له على 
ظاهرها: ما أحسن ما قال بعضهم: 


36 المقدمة: 
سارت مشرقة وسرت مُغربًا ‏ شان بين مشرق ومغرب 

ثم أرسلها إلى الحافظ: فتنبّه الشيخ لأمر كان عنه غافلاًء ثم أذعن لأهل الطريق» 
وصحب لله الشيخ أبا مدين حتى مات رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. 

ونقل الإمام القزويني في كتابه «سراج العقول» عن إمام الحرمين: أنه سل عن كلام 
الصوفية» فقال: لو قيل لنا: فقولوا ما يقتضي التكفير من كلامهم مما لا يقتضيه لقلنا هذا 
طمعٌ في غير مطمع؛ لأن كلامهم بعيدٌ المدرك وعين المسلك» يغترف من تيار بحر 
التوحيدء ومن لم يحط علمًا بنبايات الحقائق لم يحصل من دلائل التكفير على وثائق» 
كما أنشد بعضهم في هذا المعنى: 

تركتا البحار الراخرات وراءنا فمن أين يدري النّاس أين توجهنا 

وسئل شيخ الإسلام تقي الدين السبكي عن حكم غلاة المبتدعة وأهل الأهواء 
والمتفوهة بالكلام على الذات المقدّسة؟ فقال: اعلم أيها السائل أن كل مَنْ خاف من الله 
ين استعظم القول بالتكفير لمن يقول لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله؛ إذ التكفير أمرٌ هائل 
عظيم الخطى؛ لأن مَنْ كر شخصًا فكأنه أخبر أن عاقبته في الآخرة الخلود في النار أبد 
الآبدين» وأنه في الدنيا مُباح الدم؛ والمال لا يملك مسلّْمة» ولا تجري عليه أحكام 
المسلمين في حياته ولا بعد مماته» والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سقك 
محجمة من دم امرئ مسلمء وفي الحديث: «لأن يخطي الإهامُ في العفو أحب إلى الله 
تعالى من أن يخطي ني العقوبة”'». 

نم أن تلك المسائل التي يُفتى فيها بتكفير هؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض؛ لكثرة 
سعتهاء واختلاف قرائئهاء وتفاوت دعاويهاء والاستقصاء في معرفة الخط! من سائر 
صنوف وجهبه. والاطّلاع على حقائق التأويل وشرائطه في أماكنه» ومعرفة دلائله في 
التوحيد وغوامضه إلى غير ذلك مما هو مُتعذْرٌ على أكابر علماء عصرناء فضلاً عن 
غيرهم» وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقد في عبارة فكيف يحررها اعتقاد غيره 
من عباراته! فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرح بالكفرء واختارة ديا وجحد 
الشهادتين» وخرج عن دين الإسلام» وهذا نادرٌ وقوعه؛ فالأدب الوقوف عن تكفير أهل 
الأهواء والبدع والتسليم للقوم في كل شيء قالوه مما لا يخالف صريح النصوص اتنتهى. 

وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في «مقدمة الطبقات» قال: أخبرني الشيخ أمين 


(1) رواه البيبقي في الكيرى (238/8). 


المقدمة ‏ 37 
الدين الإمام بجامع «الغمري» بمصر أن شخصا وقع في عبارة موهمة للتكفيرء فأفتى علماء 
مصر بتكفيره» فلما أرادوا قتله قال السلطان: هل بقي أحدٌ من العلماء لم يحضر؟ فقالوا: 
نعم» الشيخ جلال الدين المحبي أشاج المنهاج» فأرسل السلطان وراءه فحضرء فوجد 
الرجل في الحديد بين يدي السلطانء فقال الشيخ: ما لهذا؟ فقالوا: كفر. فقال: ما مستند 
من أفتى بكفره؟ فبادر الشيخ صالح وقال: قد أفتى والدي شيخ الإسلام الشيخ سراج 
الذين البلقيني في مثل ذلك بالتكفير. فقال الشيخ جلال الدين المحلي: يا ولدي أترى أن 
يقتل كل مسلم مُوحدٌ يحب الله ورسوله بفتوى أبيك؟! حلُوا عنه الحديد. فجردوه» 
فأخذه الشيخ جلال الدين بيده وخر والشايلاة نظر بغرا احد إنا جيم 

وكان الديخ محبي الدين العربي قد و يقول كثيرا: ما 7 على قلوب العارفين 
نفحات إلية» فإن نطقوا مها جَبّلهم مها كُمّل العارفين» وردّها عليهم أصحاب الأدلة من 
أهل الظاهرء وغاب عنهم أن الله سبحانه وتعالى كما أعطى أولياءه من الكرامات التي هي 
فرع المعجزات فلا بدع أن ينطق السنتهم بالعبارات التي تعجز العلماء عن فهمها. 

قال الشيخ عبد الوهاب الشعرائي رحمه الله تعالى: ومن شك في هذا القول فلينظر في 
كتاب «المشاهد» (') ْ 

أو كتاب وعنقاء مغرب» ”© للشيخ محبي الدين. 

أو كتاب «الشعائر» 20 لسيدي محمد وفا. 

أو كتاب وخلع التعلين» 7 لابن قسي. 

فإن أكبر العلماء لا ربكا يفوم مند معلى مقضوة لقائل أصلا؛ بل عاض يتن اخل يغ 
ذلك المتكلم حضرة القدسء» فإنه لسان قدسي لا يعرفه إلا الملائكة» أو من تجرد عن 
هيئة اليشرية» أو أصحاب الكشف الصحيح. 

وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول بعد اجتماعه على: الشيخ أني الحسن 
الشاذلي وتسليمه للقوم: من أعظم الدليل على أن طائفة الصوفية قعدوا على أعظم قواعد 
الشرع وأساسه ما يقع على أيديهم من الكرامات والخوارق» ولا يقع شيء قط من ذلك 


(1) هو المشاهد القدسية من أعظم كتب الشيخ: وقد حققناه لأول مرة مع شرحه الفخحم العظيم 
للست عجم بنت النفيس اليغدادية العامية الأمية» وهو تحت قيد الطيع بدار الكتب العلمية. 

(2) قد شرحها أكثر من واحدء كالشيخ الداموني» يسر الله لنا تحقيقه. 

(3) وهو شعائر أهل العرفان؛ تبت قيد الطبع بتحقيقنا. 

(4) وهو من الكتب المهمة في الحقيقة اتحمدية: أتم الله لنا تحقيقه» ورزقنا سر العلم وفضله. 


38 المقدمة 
لفقيه إلا إن سلك طريقهم كما هو مشاهدٌ. 

وكان الشيخ عز الدين قبل ذلك ينكر على القوم ويقول: وهل لنا طريق غير الكتاب 
والسنة؟ فلمًا ذاق مذاقهم وقطع سلسلة الجدل بكراسة الورع صار يمدحهم كل المدح» 
ولما اجتمع الأولياء والعلماء في وقعة الفرنج بالمنصورة قريًا من ثغر دمياط جلس الشيخ 
عز الدين بن عبد السلام والشيخ مكين الدين الأسمر والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد 
رأضراهم وقد قرأ بعضهم عليهم رسالة القشيري» وصار كل واحد يتكلم إذ جاء الشيخ 
أبو الحسن الشاذلي قدّس سرّه فقالوا له: ريد أن تُسمعنا من معاني هذا الكلام. فقال: قم 
مشايخ الإسلام» وكبراء الزمان» وقد تكلمتم فما بقي لكلام مثلي موضعٌ. فقالوا: لا بذ 
من ذلك. فحمد اللهء وآثنى عليه وشرع يتكلم فصاح الشيخ عز الدين من داخل 
الخيمة» وخرج ينادي بأعلى صوته: هلموا إلى هذا الكلام القريب العهد من الله تعالى» 
رحمة الله عليهم أجمعين. 

وذكر الإمام الغزالي في «الإحياء» عن بعض العارفين أنه كان يقول: من لم يكن له 
نصيب من علم القوم يخاف عليه من سوء الخاتمة وأدنى نصيب منه التصديق به والتسليم 
لأهله إذا علمت ذلك. فأقول وبالله التوفيق مما نسب المنكرون إلى الشيخ محبي الدين 
والشيخ عمر بن الفارض وغيرهما القول بالحلول والانّحاد. قال الشيخ عبد الغني الشامي 
رحمه الله تعالى: وحاشاهم من ذلك؛ بل حاشا أدنى مريد سالك في طريق الصوفية 
الصادقين إلى يوم القيامة من خطور ذلك في باللهمء أو من إمكانه عندهمء وكيف أمر 
مستحيل عند المتمسكين بالعقول من علماء الكلام وغيرهم فما يالك بالذين هم أعلى 
منهم من المتمسكين بالإيمان» والفتح» والكشفء والإلهام بعد القيام بحسن المعاملة 
الشرعية في الظاهر والباطن من غير بدعة مع الإخلاص؛ واليقين» والزهد» والورع؛ وان 
أشبهت كلماتهم على غير أهل طقن وفهم منها علماء الإنكار المدكيون على الدنيا 
قبائح المفهومات» فإن الأعمال بالنيّات» ولكل امرئ ما نوى» والمرء عدو ما جهله: 

وكم من عائب قولاً صحيحًا وآفتهمِنّالفهمالسقيم 

ولعمري: لو يفهم ذلك علماء الظاهر لعذرتهم في أمرهم؛ فإنهم يعتقدون كما تعتقد 
العوام من أن الله تعالى موجودٌء وكل مخلوق من مخلوقاته موجودٌ أيضًا سبحانه وتعالى» 
والوجود عندهم جنس عامٌ مشتركٌ بين القديم وبين الحوادث» وإنما يتميّز القديم عن 
الحوادث بالقدم في ذانه وصفاته. وتتميز الحوادث بالحدوث من العدم في ذواتها وصفاتها 
وني حال وجودها هي مشاركة للقديم» تعالى في الوجود العام المطلق وهم يعلمون ماذا 


المقدمة 39 


يترتب على اعتقادهم هذا؛ لأنهم أهل عقول وأفكار» فإذا قيل لهم يلزم على قولكم هذا 
تركت الحق سبحانه وتعالى من عام وحاص كبقية الماهيات الحادثة اتتحلوا بعقوهم جوابًا 
أسكتوا به خصمهمء وبقوا على اعتقادهم ذلك» والله يعلم المفسد من المصلح. فإن 
الحلول على الحقّ سبحانه وتعالى في الحوادث يتصور عندهم عقلاًء فيحتاجون إلى إقامة 
الدليل على استحالته وامتناعه: ويتكلفون في ذلك كما بسط الكلام عليه في كتب علم 
الكلام؛ وأما عند المحققين من أهل الله تعالى أصحاب الأذواق الوجدانية فلا يتصور الحلول 
عندهم أصلأء فلا يحتاجون إلى إبطاله؛ لعدم تصوره عندهم؛ وعدم خطورةٌ في بالحم؛ فإن 
وجود الحق تعالى وجودٌ حقيقي ليس بمفهوم لهم أصلاء وإما عندهم التصديق به على 
المغيب» ووجود الحوادث أثرٌ من آثار قدرته» وذلك بالنسبة إلى وجوده تعالى عدم 
صرف فكيف لوجود يحل في العدم حاشا وكلا! وإذا بطل الحلول بطل الاتحاد بالأولى» 
وكل الضلالات التي تفهمها علماء الظاهر من كلام المحققين من أهل الله تعالى» ويشئّعون 
بها عليهم بين العوامٌ والجبكال؛ لتنقص رتبتهم عندهمء ويحظون بالرفعة في الدنياء والله 
بوتي ملعه من يشام ولله:ذر الفضل النطليم النبى كلامه: 

وقال الشيخ محبي الدين قدُس سرّه في «وعقيدته الصغرى»: تعالى الله أن تحلّه الحوادث 
أو يحلّها. 

وقال في «عقيدته الوسطى»: اعلم أن الله تعالى واحدٌ بالإجماع: ومقام الواحد يتعالى 
أن بحل فيه شيء» أو يحل هو في شيء؛ أو يتحد بشيء. 

وقال في الباب الثالث من «الفتوحات»: اعلم أنه ليس في أحد من الله شيء» ولا 
يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه. 

وقال في «باب الأسرار»: لا يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ولو بلغ أقصى درجات 
القرئيةة وحاشا العارف عن هذا القول حاشاهء إشا يقول: أنا العبد الذليل في المسير 
والمقيل. و 4 

وقال في الباب التاسع وستين ومائة: القديم لا يكون محلا قط للحوادث» ولا يكون 
حالاً في المحدث. 

وقال في باب الأسرار: من قال بالحلول فهو معلول؛ فإن القول بالحلول مرضٌ لا 
يزول. 

وقال فيه أيضًا: الحادث لا يخلو عن الحوادث» ولو حل بالحادث القديم لصح قول 
أهل التجسيمء فالقديم لا يحل ولا يكون محلء ومَنْ اأُعى الوصل فهو في عين الفصل. 


40 المقدمة 

وقال فيه أيضا: اعلم أن العاشق إذا قال: أنا مَنْ أهوى ومن أهوى آنا فإن ذلك كلام 
بلسان العشق والمحبة لا بلسان العلم والتحقيق» ولذلك يرجع أحدهم عن هذا القول: إذا 
صحا من سكرته. 

وقال في الباب الثاني والتسعين ومائتين: من أعظم دليلٍ على نفي الحلول والاتحاد 
الذي يتوهمه يتضبع أن غلم عشلا أن القمر ليس فيه من تور النشيمن شيء؛ وأن الشمس 
ما انتقلت إليه بذاتهاء وإنما كان القمر بحلّى لهاء كذلك العبد ليس فيه من خالفه شيء ولا 
حل فيه. 

وقال في الباب التاسع والخمسين وحمسمائة بعد كلام م طويل: وهنا يدلك على أن 
العالم ما هو عين الحق» ولا حل فيه الحق؛ إذ لو كان عيِنٌ الحق أو حل فيه لما كان تعالى 
قديمًا ولا بديعا. 

وقال أيضا في الباب اثثاني والسبعين والثلاشائة بعد كلام طويل: وبالجملة» فالقلوب به 
هائمة, والعقول فيه حائرة. 

ثم قال: وبذلك ظهرت عظمته سبحانه وتعالى. 

وقال الشيخ عمر بن الفارض قُدّس سرّه في قصيدته نظم السلوك7©: 


وكيف وياسم الح ظل تخلقي 
وها دحية وانى الأمين نبينا 
أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا 
وفي علمه عن حاضريه مزية 
يرى ملكا يُوحي إليه وغيره 
ولي من أتم الرؤيتين إشارة 
وني الذكر ذكرٌ اللبس ليس بمنكرٍ 


تكون أرا اجيف الضَّلال مخيفتي 
بصورته في بدء وحي النبوة 
لمهدى الهدى فِي صورة بشرية 
بماهسية المرئي مسن غير مرية 
يرى رجلاً يدعي إليه بصحبة 
تمرّه عن رأي الحلول عقيدتي 
ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة 


قلت: فَكَدَب والله وافترى مَنْ نسب القول بالحلول والاتحاد إلى الشيخ محبي الدين 
والشيخ عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنهماء وهذه نصوصهما تُكذب هذا المفتري» 
والله أعلم. 

قال الفاضل المحقق ابن حجر في «شرح الحمزية»: واعلم أن من الكفر الصريح ما 
حُكي عن بعض الكراميّة: أن الولي غير النبي قد يبلغ درجة النبوة. 


(1) انظر: شرح تائية ابن الفارض الكبرى للشيخ القيصري (ص 72) بتحقيقناء طبع العلمية. 


المقدمة 41 
وعن بعض المتصوفة الجهلة: إن الولاية فوق رتبة النبوة» وأن الولي قد يبلغ حالة 
قال الغزالي: وقتل الواحد من هؤلاء خيرٌ من قتل مائة كافر؛ لأن ضرر أولىك أشد في 

الدين» وليس من أولئك العالمان العار فان المحققان الوليان الكبير ان المحيوي ابن العربي» 

والسراج ابن الفارض وأتباعهما بحقّ خلاقًا لمن زل فيهم قدمه؛ وطغى قلمه إلا أن يكون 

أراد بما قاله الذبْ عن اعتقاد ظواهر عباراتهم المتبادرة عند من لا يحيط باصطلاحهم 

انتهى. 
قال الشيخ عبد الغني الشامي رحمه الله تعالى: وأما قول الشيخ الأكبر أنه تعالى أوجد 

الأشياء وهو عينها فهو مبني عنده على اصطلاحه في معرفة الأشياء ومعرفة الحق سبحانه 

وتعالى؛ فإن الأضاء علي عد د تقديرات وتصويرات قائمة به تعالى الذي هو مقدرها 
ومُصوّرها لا مبنيّ ذلك على اصطلاح غيره من أن الأشياء كلها أعراضٌ وأجسامٌ مستقلة 
بنفسها في الوجود للا الاستناد العقلي إلى الحق تعالى بالإيجاد؛ فإن الوجود في اصطلاح 
الشيخ الأكبر واحدٌء وهو: الوجود الحقيقي لله تعالى حقيقة ولغيره بطريق المحاز الذي هو 
استعمال الشيء ني غير ماهو له فالأشياء كلها عنده يقال لها: موجودات بطريق الجحازء 
والوجود المنسوب إليها نسبة بحازية عدم محض» وإنما الوجود الحقيقي الذي هو مستعمل 
فيما هو له إنشا هو وجود الله تعالىء, واضطلاحه هو الذي جاءت به نصوص الكتاب 
والسئة» قال الله سبحانه وتعالى: «كل شيء هَالِكٌُ إلا وَجْبَهُ4 [القصص: 88]: أي 

ذاته. 
وقال سبحاته وتعالى: كل مَنْ عَلَيِيَا ان وَيبْقَى وَجْهُ رَبك ذُو الخَلالٍ والإكراو» 

[الرحمن: 26:27]: أي ذاته سبحانه وتعالى» وذاته سبحانه وتعالى هو الوجود الحقيقي 

الواحد الأحدء الحق المطلق المنزه ه عن مشابهة كل شيع والأشياء كلها هي المالكة 

الفانية في حدٌّ ذاتهاء وقال يَللهِ: «كان الله ولا شيء معه» وهو الآن على ما عليه كان”)». 
وقال يل وأصدق كلمة قالها الشاعر لُبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل0». 


والباطل خلاف الحق» والله سبحانه وتعالى هو الحق» والأشياء كلها هي الباطل» فكل 


(1) رواه البخاري (1166/3)» والحكيم الترمذي في النوادر (104/4)» وذكره العجلوني في كشف 
الخفا (171/2) بنحوه. 
(2) رواه البخاري (1395/3)) ومسلم (1768/4)» والترمذي (140/5)» وأحمد (248/2). 


42 المقدمة 


شيء عينه من حيث الوجود القائم به ذلك الشيء» وذلك الشيء غيره سبحانه وتعالى من 
حيث الصورة والشيثية الحالكة الفانية» فُصدَقَ حيندل عند العارف أنه تعالى أوجد الأشياء 
وهو عينها: أي عين وجودها التي هي موجودةٌ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل 
انتهى. 

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه «اليواقيت والجواهر»: ومما 
أنكره المتعقبون على الشيخ بحسب الإشاعة قوهم: أن الشيخ محبي الدين يقول بفساد 
قول لا إله إلا الله وذلك كفر. 

والجواب بتقدير صحة ذلك عنه: إن المراد أن الحق سبحانه وتعالى ثابت في الألوهية 
قبل إثبات المثبت. ومن كان ثابنًا لا يحتاج إلى إثباتك؛ إذ ما شة من تثبت ألوهيته من 
الخلق حتى ينفى» وإنما تعبّد الله المؤمن بذلك على سبيل التلاوة؛ ليأجره الله على ذلك» 
وحاشا الشيخ أن يصرّح بفساد قول لا إله إلا الله هذا لا يقوله عاقل؛ لأنها من القرآن 
العظيم؛ فافهم. 

ومن ذلك دعوى المنكرات الشيخ يقول في كتبه مرارًا: لا موجود إلا الله. 

والحواب: أن معنى ذلك بتقدير صحته عنه: أنه لا موجود قائم بنفسه إلا هو سبحانه 
وتعالى وما سواه قائم بغيره» كما أشار إليه: 

06 

ومن كان حقيقته كذلك فهو إلى العدم أقرب؛ إذ هو وجودٌ مسبوق بعدمء وني حال 
وجوده مترددٌ بين وجود وعدم لا 0 لأحد الطرفين» فإن صح م أن الشيخ قال: لا 
موجود إلا الله فإن ذلك عند من تلاشت عنده الكائتنات حين شهوده الحق سيحانه 
وتعالى بقلبه كما قال أبو القاسم الحنيد: من شَيِدَ الحق لم ير الخلق. 

ومن ذلك دعوى المنكراتء الشيخ محيي الدين جعل الحق تعالى الخلق واحدًا ني قوله 
في بعض نظمه؛ 

فيحمدئني وأخمدةٌ ويصدًتي وأعسيدة 

والحواب: بتقدير صحته عنه أن معنى يحمدني: يشكرني إذا أطعته كما ني قوله: 
طتَاذكُرُوني أَذْكْرْكُم» [البقرة: 152]. ٍ 

وأمًا قول الشيخ: ويعبدني: أي يطيعني بإجابة دعائي: كما قال تعالى: «إلا تَعبدُوا 
الشيّطان4 [يس: 60]: أي لا تطيعوه» وإلا فليس أحدٌ يعبد الشيطان كما يعبد الله تعالى؛ 
فافهم. 


المقدمة 43 


وقد ذكر في الباب السابع والخمسين وخمسمائة من «الفتوحات المكية» بعد كلام 
طويل ما نصّه: وهذا يدلّك صريحًا على أن العالم ما هو عين الحق؛ إذ لو كان عين الحق 
تعالى ما صحّ كون الحق بديعًا انتهى» والله أعلم. 

ومن ذلك دعوى المنكر بأن الشيخ يقول بقبول ليمان فرعون وذلك كدب وافتراء 

على الشيخ. فقد صرح الشيخ في الباب الثاني والستين من «الفتوحات»: بأن فرعون من 
أهل النار الذين لا يخرجون منها أبد الآبدين» والفتوحات من آخر مؤلفاته؛ فإنه فرغ 
منها قبل موته بنحو ثلاث سنين. 

قال شيخ الإسلام الخالدي: والشيخ محبي الدين بتقدير صدور ذلك عنه لم ينفرد به» 
بل ذهب جمعٌ كثير من السُلف إلى قبول إيمانه؛ لما حكى الله تعالى عنه أنه قال: آمنت أنه 
لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل» وأنا من المسلمين» وكان ذلك القول آخر عهده 
بالدنيا. 

وقال أبو بكر الباقلاتي: قبول إيمانه هو الأقوى من حيث الاستدلال؛ ولم يرد لنا نص 
صريح أنه مات على كفره انتهى. 

ودليل جمهور السلف والخلف على أنه آمن عند اليأس» وإيمان أهل اليأس لا يُقبل» 
والله أعلم انتهى. 

قال الفاضل بن حجر في «الرُواجر»: فإن قلت: قد قال الإمام العارف الحقق نحبي 
الدين بن العربي في «فتوحاته»: بصحة الإيمان عند الاضطرارء وأن فرعون مؤمن. 

قلت: هذا كلام مقررٌء وإن كنا نعتقد جلالة قائله فإن العصمة ليست إلا للأنبياء. 

ولقد قال الإمام مالك وغيره: ما من أحد إلا مأخوذ من قوله ومردودٌ عليه إلا 
صاحب هذا القبر: د يعني النبي يل على أنه قد نقل عن بعض كتب ذلك الإمام أنه قد 
صرح فيها بأن فرعون مع هامان وقارون في النارء وإذا اختلف. كلام العام فيؤخذ منه بما 
يوافق الأدلة الظاهرة ويعرض عمًا خالفها انتهى. 

قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه «اليواقيت»: ومن ذلك 
دعوى المنكر أن الشيخ يقول: يإباحة المكث للجنب في المسجدء فإن صحّ ذلك عن 
الشيخ فهو موافق فيه لابن عباس والإمام أحمد بن حنبل» وهو مذهب الإمام المزني 
وجماعة من التابعين والفقهاء فقول المنكر أن الشيخ خالف في ذلك الشريعة وأقوال الأئمة 
المحتهدين مردودٌ. 

ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ يقول: إن الولي أفضل من الرسول. 


44 المقدمة 

والجواب: أن الشيخ لم يقل ذلك» وإنما قال: اختلف الناس في نبوة النبي وولايته أيهما 
أفضل؟ والذي أقول به: إن ولايته أفضل لشرف المتعلق به» ودوامها في الدنيا والآخرة 
بخلاف الرسالة؛ فإنها تتعلق بالخلق» وتنقضي بانقضاء التكليف انتهى. 

ووافقه على ذلك عز الدين بن عبد السلام» فالكلام في رسالة النبي مع ولايته لا ني 
رسالته» ونبوته مع ولاية غيره؛ فافهم. 

وبقي مسائل كثيرة نُسبت للشيخ؛ وسيأتي بيان أنها افتراء وكذبُ على الشيخ» منبوذة 
في مباحثهاء وني المثل السائر» وَيَعيا المداري في طريق المخالف» والله أعلمء انتبى ما 
ذكره في كتاب «اليواقيت والجواهر». 

وقد ذكر رحمه الله تعالى بيان افتراء تلك المسائل على الشيخ في مباحثهاء فلا نطوّل 
الكلام بذكرها. 

وسّثل الإمام النووي عن الشيخ محبي الدين فقال: تلك أمةٌ قد خلت» ولكن الذي 
عندنا أنه يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من أولياء الله تعالى» ويجب عليه أن 
يؤوّل أقوالهم وأفعالهم ما دام لم يلحق بدرجتهم» ولا يعجز.عن ذلك إلا قليل التوفيق. 

وقال رحمه الله تعالى في «شرح المبذب»: وإذا أوّل كلامهم فيُؤول إلى سبعين وجبّاء 
فإن لم يقبل كلامهم تأويلاً منها فليرجع على نفسه باللوم؛ ويقول: يحتمل كلام أخيك 
المسلم سبعين وجباء ولا تقبل منه تأويلا * واحدًا ما ذاك إلا تَعنّدٌ وتعقب انتهى. 

قال اليافعي في كتابه «نشر المحاسن»: 

اعلم وفقنا لله تعالى وليّاك لفهم الحق واتباعه وَجَعَلنا جميعًا ممن انتفع به ونفع الغير 
بانتفاعه أن الع وردوا بحرا ليس له ساحل» وكل أحد من المنكرين عليهم من ذلك 
المورد ما حل وبما فيه من جواهر المعارف والأسرار وَالحكم جاهل» وسقوا بكؤوس 
الوصل راح انحبة التي لم يشم ريحها مّن لم يقض من قتل نفسه بحبّه فاخذ ينكر عليهم 
مَنْ لم يعرف تلك الجواهر التي لا يعرفها إلا من هو في ذلك البحر ماهرٌ؛ وذلك هله 
بالأسرار التي في تلك المعارف. والراح التي في تلك المغارف. 

فإن الشطح الصادر عنهم منه ما وقع منهم في حال السكر والغيبة بواردات الأحوال» 
والسكر سبب مباح يسقط التكليف بالشرع بالشرط المعروف في كتب الفقه؛ ومنه ما 
صدر منهم على سبيل الحكاية عن الله وَك. 

قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في «عوارف المعارف»: 

وما يحكى عن أي يزيد قوله: (سبحاني ما أعظم شاني) أن يعتقد في أبي يزيد أنه 


المقدمة 45 
يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن الله صَبن. 

قال: وهكذا ينبغي أن يعتقد ني الحلاج قوله: (أنا الحق)0 0ى 

وممن قال أن هذا القول صَّدَرَ عنه في حال السكر الشيخ عبد القادر الكيلاني» ومنه 
ما أمروا به» فصدر عنهم امتثالاً للأمرء ويكون ذلك الأمر تنويهًا بفضلهمء وبيائا لعلو 
شأنهم؛ وتعريقًا للجاهل بكبّر قدرهمء وإرشادًا إلى التعلّق مهمء والتوسل برفيع جاههمء 
وغير ذلك من الصالح» ومن ذلك قول الشيخ عبد القادر الكيلاني قدّس سرّه: 

«قدمي هذه على رقبة كل 9 لله». 

وشطحات المشايخ كثيرة جدّاء فكل ما بلغك عن أحد منهم مِنْ شطح فاحمله على 
أحد المحامل المذكورة على حسب ما يليق بحاله تسلم وتغنم إن شاء الله تعالى انتجى. 

والحاصل: فما أعظم ما ذكره الشيخ مصطفى البكري» شيخ الطريقة الخلوتية ومام 
السادة الصوفية» في كتابه السيوف الحدادء بقوله: 

هذا مع أن تلك الشطحات مؤولة» وعن مؤدى اللفظ الظاهري إلى ما يليق محولة» 
ولهم كتب في الألفاظ المصطلح عليها كثيرة» فكيف يفهم من لم يدر رموزهم العسيرة» 


(1) قلت: وقيل لأبي القاسم الحنيد قددّس الله روحه: إن أبا يزيد يسرف في الكلام. قال: وما بلغكم 
عن إسرافه في كلامه؟ قيل يقول: «سبحاني سبحاني ما أعظم شاني». 
فقال الحنيد: إن الرجل مستهلك في شهود الإجلال» فنطق بما استبلكه؛ لذهوله في الحق عن 
رؤيته إياهء فلم يشهد إلا الحق تعالى؛ فنعته» فنطق به ولم يكن من علم ما سواه ولا من التعبير 
عنه ضنًا من الحق به ألم تسمعوا بحنون بني عامر لما سكل عسن اسم نفسه فقال: ليلى» 
فنطق بنفسه» ولم يكن من شهوده إباه فيه» وقيل له: من أنست؟ قال: أنا من ليلى ومن 
ليلى أنا. وانظر: روضة الحبور ومعدن السرور في مناقب الحنيد وأبي يزيد طيفور (بتحقيقنا). 
وقال الشيخ أبو النصر السراج رحمه الله: وقد قصدت بسطام فسألت جماعة من أهل بيت أبي 
يزيد عن هذه الحكاية فأنكروا ذلك» وعلى تقدير صحة ذلكء فنقول: قوله سيحاني سيحاني على 
معنى الحكاية عن الله بق أنه يقول: سبحاني سبحاني لأنا لو سمعنا رجل يقول: لا إله إلا أنا 
فاعبدني. لا يختلج في قلوبنا شيء غير أنا نعلم أنه هو ذا يقرأ القرآن» أو هو يصف الله يما وصف 
به نفسه وكذلك لو سمعنا دائما أبا يزيد وغيره وهو يقول: سبحاني سيحاني» لم نشك أنه 
يسبح الله ويصفه بما وصف به نفسه. 
وكذا قال: الشيخ شهاب الدين السهروردي في العوارف: وما يحكى عن أني يزيد قوله: سبحاني 
حاشا لله أن يعتقد في أني يزيد أنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن الله تعالى. 
قال: وهكذا ينيغي أن يعتقد في الحلاج قوله أنا الحق. وانظر كتابنا في الإمام الجنيد قلس سره. 


568 المقدمة 


وضعوها غيرةً على الأسرار أن تُذاع لدى الأشرار. 

قال سيدي الشيخ عبد الغني النابلسي في رسالته المسحَاةٌ ب «إيضاح المقصود في 
معنى وحدة الوجود»7©: 

والحاصل أن جميع علماء الظاهر لا حق معهم ني الطعن على القائلين بوحدة الوجود 
من المحققين العارفين, القائلين بذلك على وجه الحق والصواب كما ذكرناء أما القائلين 
بوحدة الوجود من الجهلة الغافلين والزنادقة الملحدين, الزاعمين بأن وجودهم المفروض 
المقدر هو بعينه وجود الله تعالى» وذواتهم المفروضة المقدرة هي بعينها ذات الله تعالى» 
وصفاتهم المفروضة المقدرة هي بعينها صفات الله تعالى» الذين يحتالون بذلك على 
إسقاط الأحكام الشرعية عنهم؛ وإيطال الملّة المحمدية» وإزالة التكليف عن نفوسهم؛ 
فالطعن عليهم بسبب القول بوحدة الوجود على هذا المعنى الفاسد طعن صحيح؛ وعلماء 
الظاهر مثابون بذلك كمال الثواب من الملك الوهّاب, والعارفون المحققون في هذا الطعن 
من غير حلاف قد أشار إليهم الشيخ عبد الكريم الميلي» قدّس الله سره في كتابه المسمّى 
شرح الخلوة في أوائله من الوصايا!© حيث قال: 

ريا أتي.. قد سافرت إلى أقصى البلاد» وعاشرت أصناف العباد» فما رأت عيني ولا 

سعت أذني أشر ولا أقبح ولا أبعد عن جناب الحق تعالى من طائفة تدّعي أنها من كُمّل 

الصوفية» وتتسب نفسها إلى الكمل وتظهر بصورتهمء ومع هذا لا تؤمن بالله ورسله ولا 
باليوم الآخرء ولا تتقيد بالتكاليف الشرعية؛ وتقرر أحوال الرسل وما جاءوا به بوجه لا 
يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من الإيمانء فكيف من وصل إلى مراتب الكشف والعيان؟ 
ورأبنا منهم جماعة كثيرة من أكابرهم في بلاد أذربيجان0© وشروان7 وجيلان0© 


(1) انظر: إيضاح المقصود إ(ص 66) تحقيق الأستاذ سعيد عبد الفتاح (طبع الآفاق العربية) مصر. 

(2) شرح الخلوة للإمام الجيلي (مخنطوط)» وأما كتاب الخلوة للشيخ الأكبر فمطبوع. 

(3) هي ناحية واسعة بين قهستان» وإيران» بها مدن كثيرة» وقرى وجبالء» وانظر: آثار البلاد وأخبار 
العباد للقزويني (ص 284). 

(4) هي ناحية قرب باب الأبواب» قيل: قصة موسى والخضر عليهما السلام كانت بهاء وقيل غير 
ذلك. وانظر: آثار البلاد (ص 600). 

(5) غيضة بين قزوين وبحر الخخرزء صعبة المسالك لكثرة ما بها من الحبال والوهاد والأشجار والمياه» 
وانظر: آثار البلاد (ص 353). 


المقدمة 471 
وخراسان” 2 لعن الله جميعب0©. 

كدان جحي . لا تسكن في قرية فيها واحد من هذه الطائفة؛ لقوله تعالى: 
97 القُوا فنَةَ لا ُصيبَن الذينَ طَلّمُوا منكُمْ خَاصة صةَ) [الأنفال: 25]» وإن لم يتيسر لك 
فاجتهد ألا تراهم ولا تجاورهمء فكيف أن تعاشرهم وتخالطهمء وإن لم تفعل فما 
نصحت نفسكء والله الهادي». 

وقال الجنيد يك لرجل ذكر المعرفة وقال: وأهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك 
الحركات من باب البر والتقرّب إلى الله تعالى فقال الجنيد قدس الله سره: 

إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال» وهو عندي عظيمء والذي يسرق ويزني 
أحسن حالاً من الذي يقول هذاء وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا 
فيهاء ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بي دونها» 0©. 

وقال 45: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر رسول الله يله 0. 

وقال ذ4: «من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الأمر؛ لأن 
علمنا هذا مقيّدٌ بالكتاب والسكنة»0©. 

وقال 45: «ما أخذنا التصوف عن القيل والقال» لكن عن اللجوع وترك الدنيا وقطع 
المألوفات والمستحسنات»0©. 

وقال د#ه: «رأيت في المنام أني أتكلم على الناس» فوقف علي ملك فقال: ما أقرب 
ما تقرب به المتقربون إلى الله تعالى؟ فقلت: بعمل خفي بميزان» وني قولي وهو يقول: 


(1) هي بلاد مشهورة شرقيها ما وراء النهرء قصبتها: مروء وهراة؛ وبلخ» ونيسابورء.وهي من أحسن 
أرض الله وأعمرهاء وأكثرها خخيراك وانظر: آثار البلاد (ص 361). 

(2) هذه الدعوة من الشيخ الجيلي لا الأثر الشديد على الكاذبين منهم بلا شلك. 

(3) انظر: الحلية (278/10)» وطبقات الصوفية (ص 159)» والرسالة (605/2)» وروضة الحبور (ص 
0) بتحقيقناء وكتابنا الإمام الجنيد (ص 265) بتحقيقنا. 

(4) انظر: طبقات الصوفية (ص 159)» والرسالة (106/1)» وطبقات الشافعية للسبكي (263/2)» 
والاستقامة لابن تيمية (ص 97)) وكتابنا الإمام الجنيد (ص 146). 

(5) انظر: اللمع (ص 144).» والرسالة (107/1)» وتاريخ بغداد (243/7))؛ وسير أعلام النبلاء (14/ 
7) ومدارج السالكين لابن قيم (119/3)» وكتابنا الجنيد (ص 160). 

(6) انظر: الحلية (277/10)» والرسالة (106/1)» وطبقات الصوفية (ص 158)» وتاريخ بغداد (7/ 
6,» وطبقات الحنابلة (127/1): وطبقات الشافعية الكبرى (266/2)» وذم الحوى لابن 
الجوزي (ص 51)» وروضة الحبور (ص 119) بتحقيقناء وكتابنا في الجنيد (ص 238). 


48 المقدمة 
كلام موفق والله وقيل له: من أين استفدت هذا العلم؟ فقال: من جلوسي بين يدي الله 
تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة:؛ وأوماً إلى درجة في داره»7"). 

ورُئي في يده سبحة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة؟ فقال: طريق 
وصلت به إلى الله تعالى لا أفارقه أبدا 60 

وكان يدخل كل يوم حانوته ويسبل الستر» ويصلي أربعمائة ركعة ثم يعود إلى بيته 
كذا في الرسالة القشيرية0©. ش 

فانظر يا أخي بعين الإنصاف إلى حال هؤلاء الزنادقة» وما هم عليه من سوء الاعتقاد 
مع ادُعائهم المعرفة بالله تعالى التي هي أعز منالاً من بيض الأنوق ومن مناط العبوق» 
وحال السلف الصالح تجد بينهم من البون كما بين النور والظلام» والعلم والحهل التام. 

فإن القوم تخلقوا وهؤلاء تشذقواء وأولعك انّبعوا وهؤلاء ابتدعواء وأولئك على الحق 
ائتلفوا وهؤلاء اختلفواء والقوم ساروا وما وقفوا وهؤلاء وقفوا وتخلفواء أجمع أهل الحق 
على اتّباع الشريعة فخالفوهم» وعلى مخالفة الشيطان وجنوده فحالفوهم. 

وقد قلت سابقا محذرًا من هذه الطائفة التي عليها دّوائر السوء دائرة ومها طائفة. 


حمى أهل ذَاكَ الحي من حله رقا 
حمى من يه قد حل جل مناقيًا 
وعربد على الصّاحِي بسكرة إن تكن 
وكن يَاتْقَى ممن يشذة يَأسِه 
وعادي لمن قد لام في شرب حمرهم 
وكُنْ أحمدي التثرب ضاف من الرّدا 
وشم نسيم القرب من عرف بأنهم 
فهذا شراب لم يشيه مدنس 
لد في حِمّى ليلى لعلّكَ نحتمي 


وعند أَحَا العرقان يرتحلّ الشقًا 
فدونكه يا طالب الوصل واللقا 
برشف اللمى قَدْ فرت أَوْ جزت بالنقا 
لمقلة بعد الحب بالوصل قد فقا 
وصاني لمن كأس التّصَّابِي قد سَقَا 
ولاك أن تنلوي عَلَى مَنْ تَرَنْدَقَا 


- 


وكن من الحمًا ممن يحق 
تصفي عن الأمشاج قدمًا وعتقاا 
وتصبح مسن قيد الأجانب مطلقا 


(1) انظر: الرسالة للقشيري (726/2)» والإحياء للغزالي (508/4)) والحبور (ص 113) بتحقيقناء 


والإمام الجنيد (ص 287). 


سيد الطائفتين (ص 223). 


(2) انظر: الرسالة (108/1)» وتاريخ بغداد (245/7)» وطيقات الأولياء (ص 128).؛ والإمام الجنيد 


(3) انظر: الرسالة (108/1)» وكتابنا الجنيد (ص 90). 


المقدمة 49 
ولا تلتفت في الحب عَنْ ذا لغيره قفي غيره السم الزعاف تدفقًا 
وصل وسلْم كلّمَا هبّت الصبا على المصطفى من تابعيه الأساوقًا 
كَذَا الآل والأصحاب ثم وتابع مدى الدهر ماعود الأراكة أورقا 
واعلم يا أخي أني ذكرت في أول الألفية عقدة بحملة وفية» وقلت بعدها: 

وقد برثًا من فتى يخالف تو امد 0 
وان يكن زور إلينا اتقسبا وما انتحى جهلاً لنا قد 
فإن مَنْ واققه صديق ومن يَكْنْ خالفه زنديق 
وإن ممن يحفظون بعض مشكلات كلامه الواردة في نثره ونظامه قدوة العارفين 

سلطان المحققين: سيدي محبي الدين بن العريء النور الأزهرء والشيخ الأكبر ##. 
ومن المعلوم أن مشكل كلام العارفين يراد منه الإشارة لا العبارة؛ لأن علوم الأذواق 

من فوق طور العقل» وإن أشير إليها في بطون الأوراق. 
قال سيدي عمر قدس الله سرّه: وثم وراء النقل علم يدق عن مدارك غايات العقول 

لسليمة» فكيف يقبل العقل المعقول بعقال الشهوات كلام من خلصوا مذ أخلصوا منها 

ومن الشهوات؟ ومن أراد من العامة ذلك فهو كمن أورى زنادًا على غير حجرء أو ابتغى 

نفخ ضرم على ماء يتفجر. 
هذا وكلام العارفين كالعرائسء لا تُجلى معانيه إلا على كفئهاء ومخدرات مبانيه لا 

ُتلى إلى على من صفا من الأكدار واستقى من صفوهاء كيف يمككن الجعلان أو نبت 

الورد إن شم عرف الطيبء, أم كيف يبصر الشمس خفاشء أو ذو رمد أعيا الطبيب. 
ولنذكر لك قدرًا يسيرا من كلام هذا الحمام الإمام المقدام؛ لنجعله: أصلاً ترد إليه ما 

اشتبه عليك من كلامه؛ وما لا تفهم منه» فدعه لأهله الذين يفهمونه على مراده ومرامه. 
وقد ذكر الشيخ عقيدته في أول فتوحاته؛ ليرجع العارف إليها ما خخالفها من ظواهر 

كلماته فنقول: قال و#, في كتاب «العبادلة»: 
من أراد أن يعرف ما عنده من معرفة ربه فلينظر إلى ما عنده من الوقوف عند رسومه 

ورَئا بوزن» فإن استغرقت أنفاسه المعاملات ظاهرة وباطنة فقد شرب المعرفة بالله تعالى 

خربًاء ولقرض المقاريض والإحراق بالنار أهون على العارف من أن يمر عليه نفس في غير 
طاعة الله» ولو بُشّر بالغفران والتجاوز عن ذلك النفسء فإن أعمال العارفين ما قامت على 


١ ١ 50‏ المقدمة 
طلب الأعواضء وإنما قامت على ما يقتضيه الأمر في نفسهء فشتان بين العبادتين» يقول 
العارف: الله فيحرق بنفسه كل ما سوى الله: لكن في حاله لا في مقامه. 

وقال فيه: ما ثم إلا موافقة ومخالفة» فبالموافقة ينال القرب الإلهي وتُرفع الحجب»ء 
وبالمخخالفة يكون البَعْد الإلمي وإرسال الحجب؛ إذ هو القريب البعيد. 

وقال فيه: السعيد: من إذا صلى العشاء الأخيرة جعل صحيفة أعماله في ذلك اليوم 
بين يديه» ونظر فيها فإذا رأى ما يطلب الشكر شكرء وما يطلب الاستغفار استغفر» وما 
يطلب التوبة تابء إلى أن يفرغء ثم يطوي الصحيفة وينام على شكر واستغفار وتوبة» 
يفعل ذلك كل ليلة. فإنه لا يدري متى يفجأه الموت. 1 سيل 

هكذا كان ل شيخنا أبي عبد الله بن مجاهد بإشبيلية» إلى أن ماتء وولي مكانه 
وبحلس تدريسه شيخنا أيضًا أبو عبد الله بن قسومء ونعم ابن قسوم زاد على شيخه في 
الاجتهادء وأرى والتزم هذه الطريقة: أي محاسبة نفسه في كل ليلة» وكنت كثيرًا ما أغشاه. 
ويوصيني بما أفعله في ديني رحمه الله. 1 

وعلى هذه الطريقة رأيت أبا عمران موسى بن عمران المسيريلي» من أكابر أصحاب 
الشيخ أي عبد الله بن مجحاهد المذكور» وكان لديه أدب كثير وطلب, ومما أنشد به لنفسه 
من أبيات له خرجت عن خاطري في هذا الوقت؛ وهي لزومية كتبها لي بخطه ود منها: 

فأنت ابن عمران موسى المسيء ولست ابن عمران موسى الكليمًا 

وكان يؤم بمسجد الرّضا بإشبيلية» ويعرف ذلك المسجد أهل البلد بالكئيسة 
المرحومة, فالتزمت هذه الطريقة» ورأيت ها البركة أعني: محاسبة النفس. 

وقال في رسالة الكنه فيما لا بذ للمريد منه: «ومما لا بد منه محاسبة نفسك ومراعاة 
خواطرك مع الأناث» وأشعر بالحياء من الله تعالى في قلبكء, فإنك إذا استحييت من الله 
ا ا ل ا ولقد كان لنا 
شيخ يقيّد حركاته ته في نهاره في كتاب» فإذا أمسى جعل صحيفته بين د يديه» وحاسب نفسه 
على ما فيهاء وزدت أنا على شيخي بتقبيد خواطري». 

وهذه الرسالة ينبغي لكل مريد ناصح نفسه أن يلتزم بما فيهاء كما ينبغي لكل من 
يداعي المعرفة أن يطلع كتابه السسيى ات وروت القدس في مناصحة النفس»» فإنه نصح 
فيه وبالغ ني النصيحة, ل ل 
الآداب المحمدية وما فيها من الخبايا فليداب على مطالعة آخر أبواب فتوحاته» وهو باب 
الوصاية» ومن أراد شرب الرحيق المختوم فليتحقق بكتابه مواقع النجومء وكتبه #؛ كلها 


المقدمة 51 
نافعة» وللحجب رافعة» غير أن طعام الرجال يضر بالأطفال» فإذا طالع المريد كتبه التي 
تفزل فيها لأفهام القاصرين» ورزق نوع الفهم بحسن الانّباع والتسليم للكاملين» جاز 
له مطالعة غيرها من كتب الحقائق المفصحة عن عجائب الرقائق. 

ولقد ألفت رسالة في لزوم صون الأسرار عن القاصرين وأهل الإنكار» وسميتها: 
«تشييد المكانة لمن حفظ الأمانة». 

وقال الشيخ 5 في شرح اليوسفية عند قول المؤلف7©: فالزم الباب» ولا تخل بشيء 
من آداب الشرع أصلاًء فإن أخعللت بشيء من الآداب أنت أو غيرك كانت العقوبة إليك 
سريعة» فالزم حلقة الباب» وزن حركاتك بميزان الشرع. 

يقول لك في وصيته بلزوم الباب وحلقته ما قال الله تعالى: ظِقَمَن يَكْفْرْ بالطاغوت 

ويؤّمن من باللّه فقد اسْتَمْسَك بِالْعرْوَة ة الوؤلقى» [البقرة: 256]» وهو من حلقة الباب» 

و 59 هو الإيمان» والباب الإسلامء وبالباب وحلقته تكون السعادة للعبدء وإنما قيد 
الإيمان بالله والكفر بالطاغوت. 

فإنه يقول في حق قوم: وِوَالْذِينَ آمْنُوا بالْبَاطل» [العنكبوت: 52] فسمّاهم 
مؤمنين» كما قال: «يكفر بالطاغوت» [البقرة: 06] فسماهم كافرين» كما سمى 
الكافر بالله كافرّاء فلما وقع الاشتراك في الاسم لذلك قيد بيائًا لغاية الإطلاق. 

واعلم أن الآداب جماع الخير» والشرع ما شرع الله» ففي الشرع جماع الخير» فإن 
الطريق إليه لا يعرف إلا منهء فإنه ليس لمخخلوق أن يحكم فيما يقرب إلى الله إلا بروائح 
مكارم الأخلاق» فإن الصورة الإلية تعطي ذلك» وهذا يجني ثمرتها المؤمن صاحب الحنة 
والمخلد في النار لا بد من ذلكء ولما كان الأمر كما قلنا لذلك أمرك بالآداب الشرعية؛ 
لتكون بها في الدار المسماة جنة. 

وأما صورة الوزن بين الحكم المشروع وبين أفعال المكلفين» فالعلم بذلك موقوف 
على العلم بالشرع؛ والشرع على قسمين: 

ابت يناقضه شرع ثابتء» وهو ما وقع فيه الاختلاف بين اللحتهدين. 

وشرعٌ جامعٌ وهو ما أجمعوا عليه» فالإنسان يحتاط أبداء ولا يزال أبدًا يميل إلى ما 
وقع فيه الإجماع» كالقصر في الصلاة للمسافرء والفطر للمسافر في رمضان» ودخول مكة 
لمن لا هدي معه بعجزه دون حج؛ وترك نكاح الربيبة التي ليست في الحجرء وترك شرب 


(1) وهي تسمى: شرح روحانية الكردي أيضاء تحت قيد الطبع بتحقيقنا. 


52 المقدمة 


النتبيذ وأمثال ذلكء» وهذا هو طريق العزائم» فأمرك ألا تجنح إلى تأويلٍ مع قدرتك على 
مثل هذا: أي لا يكون في عمل مشروع ينقضه عليه شرع آخر والشارع واحدء وأكثر 
من هذه النصيحة من هذا الرجل في مثل هذا الأمر لا يكونء والله أعلم. 

قال #د في رسالة القربة: «فالله الله. لا تنبذوا حكمًا ولا تعدوا حدًا من الحدود 
المعلومة عند علماء الرسومء وإن اختلفوا في ذلك وحرّم الواحد عين ما حلله الآخر فلا 
تقلد هذا الرسمي في شيء من ذلك ولا تخالفه» واعمل بما توجه عليك في وقتك مما فيه 
سلامتك» واشتغل بنفسك شغلاً كثّاء واهرب إلى محل إجماعهم: فإن لم تجد إجماعًا فكن 

مع أكثرهم. فإن لم تجد كثرة فكن مع أصحاب الحديث في تلك المسألة المطلوبة» وقل 
أن يحتاج أهل الطريق إلى مثل هذا؛ لأنهم زهدوا في الذنيا فقل الحكم عليهم». 


أخبرني شيخنا الشيخ محمد الخليلي حفظه الله تعالى قال: كنت أعمل على مراعاة 
المذاهب, وأتبع محل الإجماع منها فأعمل به» فرأيت رسول الله يِه ني المنام فقلت: يا 
رسول الله هل العمل بالمتفق عليه من شريعتك أولى أو المختلف فيه؟ قال: فانتهرني 
وقال: «لا تسأل». 


نفهمت منه أنه لم يرضّ بهذا السؤالء ثم ألهمت فقلت له: قد فهمت مرادك يا رسول 
الله المتفق عليه من شريعتكء؛ والمختلف فيه من شريعتكء؛ والكل من عند الله» قال: 
هكذا قل... وما ضلوا به وأضلوا هؤلاء اللئام قولهم: إن الشريعة جعلها الله ستارة على 
الحقيقة لأجل العوام» وليس المراد من الصلاة إلا الوصلة» والصيام يراد به الإمساك عن 
رؤية السوى, والحج: القصد إلى الله» وعرفات يراد به جبل المعرفة» واستدلوا على ذلك 
بعبارات العارفين» وهم إنما أرادوا ذكر المعنى الباطني» فإن كل شيء له ظاهر وباطن» 
فالمتمسك بالظاهر من النصوص فرقة ضالة يُقال لها: والظاهريةي» والمتمسك بياطنها 
فرقة أخرى ضالة يقال لها: «الباطنية». 


والجامع بين الظاهر والباطن هم أهل السنة والجماعة, الذين فرقتهم لكل خير جامعة 
و كُمّل هذه الطائفة هم الصوفية الأبرار والسادة الأخيار. 


وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا 


36 3 


الرسالة الفقيرية 
بسم الله الرحمن الرحيم 
وصِلَى الله على سيّدنا محمد وآله وسلم كثيرًا 
وله كيك: 
ساألتني أنعم الله عليك به به عن الفقرء ولم يفصح لسانك بما تَصّوْره جنائك» 
وفهيمت منك أنك أردت الكلام عليه من كل الجبات» وقد أسعفتك في الإنباء عنه من 
حيث اللغة» والفقه» والعقل» والطريقء فاقتئع بذلك مني حتى يخرج للفعل صَّلاحَ نسبتك 
الصوفية وتمحيصهاء ويشيع عند الجميع إصلاح نسبتك الصَدّيقيُة وتصحيحهاء وتكون 
من أولاد الإفادة والاستفادةء ومن أهل الزيادة بخرق العادة وثبوت العبادة» وحينئذ أجعل 
فيه تأليفًا مختصرا وجيزًا جامعا مانعا قريب التحصيل وصحيح التفصيل» يتضمن غرضه 
الأقصى ومنفعته ومرتبته ونسبته ونحو التعليم المستعمل فيه» وما يدل عليه اسمه» ومن 
الواضع لَه وما غايته الفاعلة والمنفعلة» وما ماهيته في الكمال الأول والثاني» وكيف يطلق 
مع العلم المضنون به على أهله باشتراك. ومع الحكمة بنرادف. وفي أي وجه هو من أوجه 
التصواف» وأين مرتبته في حبل التحقيق» وأين هو من العوالم التي يتكلم عليها في السفرء 
التي لم نُسمع قط ولم ينطق بها إلا القرآن خاصةً؛ ولا سمعه وفهمه إلا خواص الخواص. 
فنبدأ بذكر ما وعدتك به فنقول: الفقر في اللغة يطلق على أنحاء: 
يقال: افتقر فلان فهو فقيرٌء وتمسكن فهو مسكين» وتسكن لغة. 
ويُقال: فقير وقير» توكيد للفقرء ورجل مُعْدَم ومبْقِع ومُمّْلق ومُفلسء قال الله وبك: 
«إمن إفلاق». [الأنعام: 1]. 
ومُذْقع ومُخْل ومُبلط ومُلقح ومُخيف ومقتر ومفُون ومُسَبّرت وسبروت» رجل ذر 
فاقة وحاجة وخصاصة وخلة ومُخختل» وني حبوة: وفي نكال من عيشه» وفي شدة وضر 
يرق في شَظف وويّد وجهد. 
تقول: بَدُ الرجل يبد بدادة» وبدت حاله فهو باده وحد فهو محدد؛ ومحارب ومحروم. 
ا وهو أخلق الكسب. وتربت يداه إذا لزقت للتراب من الحاجة. 
ورجل معصب وبحدع» جدعه الفقرء» ومؤتض. 
قال رؤبة بن العجاج: 
ومّل يرَى ذا حَاجةمُوئضا 


وساف مال الرجل إذا ذهبء ورجل مسيف. 


8 رسائل ابن سبعين 

قال الشاعر: 

أفي تابين كالهماإساف تآلت ضُتلتى ايست تنام 

وقد جزر الدهر ما له. ورجل محروز» وقد ضنك عيشة ضنكًا وضنوكًا إذا ضاق. 
ورجل وبد ولزق بالصلة والصلت: الأرضء والصلت: المطر القليل وجمعة صلال. 

ويقال: قد أصرم الرجل فهو مُصرِمء إذا أعدم. والفقر ضد الغنى. وهذا الفقر من 
حيث اللغة قد رسمت لك منه ما فيه الكفاية» فاحفظه وحافظ عليه. 
القول على الفقر على حسب رأي الفقهاء: 

اعلم أن الفقباء يتكلمون في الفقر من حيث الأحكام الشرعية» وينزلون لازمه 
ومدلوله على مفهومه من اللغة» ولا يتصرفون فيه بغير ذلك. 

والنبيه الفاضل منهم يُسلّم لأرباب الأحوال من الفقراء الفضلاء» ولمن يتكلم فيه من 
مقام آخصر أجل من الفقه. والجاهل الغبي منهم ينكر ذلك ويتخخطى رقاب الصديقين» 
ويتدلى طعم شيء لم يذقه. وكذا جميع من لم تحذقه العلوم ولا أدُبته المعارف. 

ومنهم من يرى أن المسكين أشد حاجة من الفقير» وهو مذهب مالك وأبي حنيفة 
وزفر والحسن البصري. 

ومنهم من يرى أن الفقير أشد حاجة من المسكين» وهو مذهب الشافعي والنخعي 
والزهري. 

وقد حكي ذلك عن سفيان الثوري وعن عمرو بن دينار. 

واختلف أهل اللغة ني ذلك. فحكي عن الأصمعي أنه قال مثل قول الشافعي وجميع 
من قال بقوله. 

وعن الفراء وثعلب مثل قول مالك وجميع من قال بقوله. 

وذكر ابن الأنباري في «الزاهر» عن أعرلي أنه سكل: أفقير أنت أم مسكين؟ فقال: لاء 
بل مسكين, فنبّه على حاجته بذكر المسكنة. 

وحُكي عن الأصمعي أنه شك في الفقير والمسكين هل هما بمعنى واحد؛ أو هذا غير 
هذاء وفي تغايرهما بحسب الأشد والأضعف والأقل والأكثر. فاستفهم عن ذلك كله بعض 
العرب وزوجه حاضرة: فقال له الأعرابي: قال الله ك: «وَيُطْعمُونَ الَطُعَامَ عَلَى حُبّه 
مسمكيئًا وَبَّتيمًا وَأسيرًا» [الأنسان: 8]. 

فقدم المسكين على اليتيم والأسير ولم يذكر الفقير. فقالت زوجه: بل الكل فقراءء 
والمسكين فقير الفقراء. وهذا الفقر من حيث الفقه قد تلخص مختصرًا فاحفظه وحافظ 


الرسالة الفقيرية 55 
عليه» ولولا خوف التطويل والاحتياط على فهمك وانحفازك للسفر كنت أكتب لك في 
معاملة الفقير والفقراء ما لا بد منه شرعًاء وما يجب على الفقير وما يحرم عليه» وكيف 
يتصرف في طريقه بالأحكام الشرعية على أتم ما ينبغي. وقد يمكن ذلك في وقت آخخر 
بحول الله تعالى. 

القول على الفقر من حيث المجرى الصناعي والنظر في ماهيته مجردة بحذدف امتحان 
الألفاظ الدالة ومطابقتها وتخليصها وتلخيصها وتحريرها بالجملة: 

ونطلق فيه ألفاظًا مجملة غير مفسرة» ومهملة غير مخصصة لأجل ضيق الوقت من 
جهتك وجبته وجهه أهله» فنقول: الفقر ققد ما إليه يحتاج. 

رسم آخر: الفقر والعدم من الأسماء المترادفة. 

رسم آخر: الفقر ليس محضاء والغنى ليس بإضافة» وبالعكس من حيث شرتهما. 

رسم آخر: الفقر سلبء والغنى إيجاب» وبالعكس من حيث لواحقهما. 

رسم آخر: الفقر ضد الملكة وبالعكس من حيث الشرط والتضمن إذا نظر في 
أسباب الكمالات الأول والثواني. 

رسم آخر: الفقر ماهية الحادث. 

رسم آخر: الفقر آنية الإنصاف عند الغلط بين الممكن الوجود والواجب الوجود. 

رسم آخر: الفقر في الوجود المقيد نفي شيء عن شيء هو لَه وإثبات شيء لشيء 
ليس هو له. 

رسم آخر: الفقر من الأشياء التي لا يوصف الحق بالقدرة عليها؛ لأن الحق عز وجل 
هو الغني بالذات وحده. وغيره فقيرٌ بالذنات. ومن المحال أن يفعل المحال أو ينفعل أو تنفعل 
الحقائقء ويدخل ما لا يمكن في حقيقة ما يمكن ويمائله» وإنما القدرة تنصرف في الفقر 
الإضاني الذي جرت به العادة فافهم. 

رسم آخر؛ الفقر نسبة سنيّة ونسبة سنّية. 

رسم آخير: الفقر حذف الإضافة المساوية وغير المساوية. 

رسم آخر: الفقر صرم المحاز وصرم الانصرام» واقتران تعلق الأول والآخر والظاهر 
والباطن بالأول من الفقير والآخر والظاهر والباطن وما يلزم عنه ومنه وبه» وجملة الكون 
ني المفارق التالي؛ وغير المفارق التالي؛ والرئيس والمرءوس من المسكنات» فافهم. 

واعلم أن الفقر به تتعلق الإرادة» وني ماهيته العامة والخاصة تنصرّف القدرة» وهو 
الممكن بوجه ماء إذ الإرادة متعلقة ببعض المعلومات» وكذلك القدرة. 


56 | رسائل ابن سبعين 

فإن الغني المطلق الغنى لا يفعل في ذاته ولا ينفعل لأحدء ولا يمكن ذلك فيه َك بل 
هو الفاعل على الإطلاق في غيره على الإطلاق. 2 0 

ومن حقق هذا علم أن الفقر معقول الملك والملكوت المضاف والحضرة المنفعلة» 
كما أن الغسني القائم بنفسه الواجب الوجود هو الملك الثابت» الواحد بالذات من كل 
الجبات» وحضرته هي الحضرة الفاعلة من كل الجبات متنزه العارفين والعالم كله فقير 
بما فيه من الجسمائي والروحائي» فمن كان بالفقر المذكور فقيرًا أو بالغنى المذكور غيِّاء 
كان في الفقر المذكور غنيًا. 

ولعلك يا هذا تقول: العدم لا يفعل ولا ينفعل ولا يشإر إليه؛ وهو بالجملة غير ثابت 
لا يدركه الحسء ولا يتطرّق إليه الوهمء ولا يدل عليه الدليل» وأنت قد أطلقته على الفقر 
وعلى العالم بأسرهء ونحن نشاهده وجميعنا منه وفيه» وهو هذا المشار إليه والمخبر عنه 
وبه ومنه وإن أردت بالفقر فقر الإضافة والاحتياج إلى الغنى الحق فهذا ظاهر ومعلوم عند 
الجميع: والبيا عن المعلوم ضرب من الحهل وإن أردت بقولك العدم المحض ما لا يمكن 
وقوعه. فأنت جاحد الضرورة» أو مُموه أو مُباهت أو ممخرق. 

فإن قلت ذلك وقدر أنك تقوله في نفسك أو في محشرك بين معشركء فاسمع جوابك 
بالقوة ومخاطبتك بالفعل من حيث المضمار والتقدير في جملة هذا التقييد وأضح الآن 
بسمع قلبك إلى ما أشير إليك به ولعلك أن تجد منه هديًا يلقيك على جادة الطريق. 
وشرطي عليك أن لا يقف عليه إلا من هو من خواص خواص الخواص» وأن تكف عن 
السؤال فيه بالمشافهة» لا تطلب منى مزيد بيان لأن المحال ضيق والتكلم بالألفاظ على أمر 
هو من الأمور التي ليست من جنس ما يكتسبء» وهو من الغرابة بحيث لا يفهمه إلا 
السعداء الأخيارء والكلام بما ليس من شأنه أن يلفظ به خبر وكأني بمن يقف عليه من 
الجهلة الخفافيش الذين تظلم الشمس والكواكب والأنوار الطبيعية وغير الطبيعية في أعينهم 
داخل الذهن وخارج الذهن يتحرك في ميدان سَختفه ويظهر محاربة من يحيط ويقهره 
بالجملة ويتحرك في سلسلة جنونه. ويقول لقد أفرطت في تحقيقك وتدقيقك, وعَلْلت 
وحَللت وركبت» وقبضت وأرسلتء ودفعت وجذبت: وخصصت وأهملت» وفسرت 
وأجملت حتى انخلعت عن غريزة العقلاء ورفضت حكم المعقولء فإن من أحكام العقل. 
أن الشيء إما واحد وإما كثيرء والمعلوم إما معدوم وإما موجود. 

فلينئد في غلوائه» وليكف من غرب لسانه. وليتهم نفسه وليتعتبر في العادة الخسيسة 
والشأن الخلف والعالم المحسوس الذي هو بين أطباقه بنحو ما اعتبره المتكلم المذكور 


الرسالة الفقيرية 57 
حيث كان يتوجه إلى قصده بمقصوده.ء ثم إلى مقصوده خاصة» ثم إلى بده بحذف الوسائط 
كلها بوجه ما فيراه على بعدء ثم يتوجه إليه بقصد آخر وتوجه أكمل فيراه على قرب 
بالإضافة إلى الأول ولا لشيء في نفسه. ثم وصل ثم اتصل ثم كان حيث لا مكان ولا 
زمان ثم خرج عن الكون وعن ذله؛ ثم انفصل وعلل انفصاله» ثم اتصل وحقق اتصاله» ثم 
شاهدى ثم فنيء ثم ثبتء ثم وقفء ثم سلب لاسين ثم حصل بلواحقه على قبيل قاب 
قوسين, ثم عرج به إلى آنيته الجامعة للآنيات» ثم صرف على هويته الداخلة في سائر 
الحويات7», ثم استخلف, ثم ورثء ثم حكم, ثم زود إلى أكثر» ثم بلغ إلى أكبر وأكبر من 
أن يقال له أكبرء ثم لم يكن شيئًا مذكورًاء ثم عرف البعضء ثم أنشد في حاله بلسان حاله 
عقيب ترحاله: 
ألا ككل ششيء ماخ لاله باطلل 


ثم التزم الأدب ووكل الكل على الكل؛ ثم قطع المسبب وأحال البعض على البعض» 
ثم جرد السبب وجمع الفرع على الأصلء ثم فرق امجتمع؛ ثم أخلص بعد ألف إخلاص 
جاز عليه وقصد به إليه» وأسلم وآمن بأحكام لم يسمعها قط ولا خطرت على قلبه ولا 
أبصرها بيصره ولا ببصيرته ودفع للحق ما يجب له ويجوز عليه ويستحيل في حقه. 
وفقبض من سلعة الخلاص وحكمة القصاص وأسباب السلامة وسير السلام وسلمء وسلم 
عليه. وعلم وعلم به وإليه» وقطع عوالم الذات المجردة ومقامات النفوس المركبة المحمددة» 
وشرع في الرحلة إلى الحضرة المشار إليها عند الخاصة» ودخل في عباد الله الصالحين» 
وجعل نهاية نهاية نهاية لأقطاب بداية بداية بداية بدايته - فافهم.! 


(1) الهوية بضم الحاء يراد مها عند الحكماء: الحقيقة الحزئية؛ لأن ما به الشيء هو هوء إن كان جزئيًا 
تسمى بذلك. 
وإن كان كليًا يُسمَى بالماهية» وإن لم يعتبر فيه كلية ولا جزئية كان حقيقة» فهي أعم منها. 
وهذا المعنى وزن كان صحيحًا في نفسه عند السادة حيث أن الوجود الحق عندهم جزئي لا كلي: 
أي هو شىء واحد ظهر بكثرة إلا إنهم: أي السادة اصطلحوا على الهوية بأنها الوجود الحق الذي 
لم يوخذ بشرط شيءء ولا بشرط لا شىء» فإن الوجود كما قدمنا إما أن يؤخذ لا بشرط شيء» 
وهو الذات البحت. 
وإما إن يوخذ بشرط شيء ولو كثرة» وهو مقام الجمع المعبر عنه بالواحدية» وإما أن يوخذ لا 
بشرط شيء ولا. بشرط لا شيءء وهو هله الحوية السارية بكل شي أي شيء كان: وهي 
الوجود الحق المذكور. 


58 رساثل ابن سبعين 

واعلم أن جميع ما دون في التصوف والحكمة وغير ذلك مما يجر إلى هذا الشان 
وجمسيع ما سمعت من العلوم المضنون بها والحكمة الإشراقية وسر الخلافة ونتيجة النتائج» 
كل ذلك في الوجه الأول من وجوه التصوف. 

والتصوف تسعة أوجهء وبعدها حبل التحقيقء وبعد الحبل نبدأً بعالم السفرء وبعد 
السفر تقرع باب التحقيق والنور المبين» والهرامسة خاصة عَلموه؛ والكتب المنزلة 
أفادتهم وأما الفلاسفة بأجمعهم ورؤسائهم من المشائين ورئيس المشائين أرسطو وأتباعه 
من غير ملة الإسلام: امسطيوس والإسكندر الأفرودسي وفرفريوس القبرسي وأرسطاليس 
الصقلي وأتباعه من ملة الإسلام مثل الفارابي وابن سينا وابن باجه المذكور في آخر 
«القلائد» والقاضي ابن رشد في بعض أمرهء والسهروردي مؤلف «رحكمة الإشراق» 
والتلقيحات والنبذ في أكثره» والغزالي بوجه ماء وابن خطيب الرّي في بعض صنائعه» 
وجميع النبهاء فإنهم لم يصلوا إليه لقصورهم عنه. ولأن علومهم وصنائعهم دون ذلك كله 
والله على ما نقول وكيل. والصوفية كذلك إلا السلف الصالح أعني صحابة سيد السادات 
محمد يه فإنهم علموه. ومعلمهم هو العظيم الذي إذا نظر العارف في شأنه وتتبعه 
وتصفحه وتأمله على ما ينبغي ويجمل به ويصح في حقه علم أن أهل الحق كلهم نقطة من 
ذكره وذرة من قفره. 

وها أنا أذكر لك في العدم والمعدومات والإعدام ما في الكفاية وبعض الحواب الذي 
وعدتك به فتصفحه. والله يخلصك ويخصصك ويجعلك تفعل بإكسير سرك الإنسائي 
الذي إذا جعلته في بوط التوجه والفكر على قلب الشرير داخل الذهن وخارجه؛» وسبكته 
بنار العلم والذكر اتقلب في الحين إلى ضده واتصف المحل به وظفر بجده وجهده بمنه 
وكرمه. 

فتقول وبالله التوفيق: العدم يطلق على أنواع كثيرة» أحدها: أن يعدم النوع ما ليس في 
طبعه أن يوجد له. مثل عدم النبات الحس. 

والثاني: أن يعدم الشيء ما شأنه أن يوجد له في طبعه أو شأن جنسه مثل الإنسان 
الأعمى» فإنه عدم من البصر ما في طبعه أن يوجد له وني طبع نوعه أو جنسهء أو يعدم ما 
شأنه أن يوجد له في طبع جنسه لا في طبعه مثل الخفاش» فإنه عدم من البصر ما ني طبع 
جنسه الذي هو الحيوان أن يوجد له في الوقت. 

والذي يعدم ما في طبعه أن يوجد له نوعان: أحدهما أن يعدم الذي شأنه أن يوجد له 
مثل أن يعدم الطفل البصر خارج الرحم أو جرو الكلب في الوقت الذي يفتح فيه عينيه. 


الرسالة الفقيرية 59 
والنوع الثاني أن يعدم ما في طبعه أن يوجد له لكن لا في الوقت الذي شأنه أن يوجد له 
مثل عدم الطفل البصر في الرحمء والأسنان في الشهر الأول من مولده. 

والعدم بالجملة إما أن ينسب إلى شيء ما في ذاته إذا كان في طبعه ذلك الشيء الذي 
عدمء وإما أن ينسب الشيء بالإضافة إلى شيء آخخر: إما إلى زمان» وإما إلى جنسه: وإما 
إلى موجود آخر أي موجود اتفق مما يوجد له ذلك الشيء» وكل ما انتزع من الشيء 
على جبة القهر فقد عدم ما في طبعه أن يوجد له. 

وليست المعاني التي تدل عليها حرف السلب على عدد المعاني التي تدل عليها أسماء 
الإعدام ولا المعدومات, فإنه يقال: « لا مساوياج لما ليس من شأنه أن يقبل الأصغر 
والأكبرء وكذلك يقال: «لا لون فيما ليس من شأنه أن يقبل لوئا ألبتة مثل قولنا في 
النقطة إنها لا لون لها. وهذه الإعدام ليس ها أسماء لا معدومه ولا عدمية» فافهم. 

والمعدوم هو المتتفيء وهذا صحيح؛ لأنه يتميز على الموجود. 

وقد يقال: المعدوم ما ليس بشيء» وهذا يطرد وينعكسء لأن ما ليس بشيء فهو 
معدوم, وما هو شيء فليس بمعدوم. فقد صح رسم المعدوم. 

ويقال: إن المعدوم ما ليس بموجود؛ وهذا أيضًا صحيح, لأن كل ما ليس بموجود 
فهو معدومء وما هو موجود ليس بمعدوم. وهذه الرسوم التي ذكرتها لك لا تصح على 
رأي المعتزلة؛ لأن عندهم أن العدم شيءء فوصفوا المعدوم بأنه شيء» وهذا خروج عن 
الملة وقول يقدم العالم. 

والمعدومات كلها على خمسة أضرب: معدوم لم يوجد ويستحيل وجوده مثئل شريك 
لله تعالى وخلق كلامه وسائر صفاته. هذا معدوم لا يصح وجوده؛ وهكذا اجتماع 
الضدين في.محل واحد وكون الشيء في مكانين في وقت واحد. 

والثاني: معدوم» وقد يصح وجوده وانقضى» وهو كل ما كان في العالم من يوم ابتدي 
إلى يومنا هذا وقد انقضى من تصرفات الخلق. 

والثالث: معدوم لم يوجد ويصح وجودهء ولا يدرى هل يوجد أم لاء مثل مقدورات 
الله تعالى التي يصح تعلق القدرة مها مثئل خلق عالم ثان وثالث وغير ذلك مما يصح تعلق 
القدرة به. 

والرابع: معدوم يصح وجوده ولا يوجدء مثل رد أهل النار وأهل المعاد إلى دار الدنيا. 
وهذا قال سبحاته: «طوَلَوْ رُدُوأ لَعَادُوأْ لمَا نبوأ عَنْهُ» [الأنعام: 28] ولكنهم لا يردون» 
فأخبر سبحانه أنه جائز ردهم. 


3 رسائل ابن سبعين 

والخامس: معدوم لم يوجد ويصح وجوده ويوجد قطعًاء مثل الحشر والنشر والقيامة 
والحساب والثواب والعقاب وما جرى مجرى ذلك. 

وهذ التقسيم الذي رسمته لك في أنواع المعدومات لا يصح أكثره عند الفلاسفة إلا 
بوجه ما ونظر آخر مفارق هذا واسألني عنه مشافهة نخبرك عنه إن شاء الله تعالى. 
والإعدام ليس بمعنى؛ ولذلك لا يصح أن يتعلق بالفاعل» ولا يصح أن يقال القديم سبحانه 
خالق فيما يزال قبل خلق العالم» ولا تارك له. 

وقالت المعتزلة: الإعدام معنى يخلقه الله لا ني مكان فيفنى به العالم. وهذا غلطء لآن 
الإعدام هو ألا يفعل الفاعل شيئًا وذلك نفي لا يتضمن وجود معنى» ولأن الإعدام لو كان 
معنى لكان يجب ثبوته مع الله في الأزل» وذلك محال. وإذا استحال وجوده فيما لم يزل, 
استحال وجوده فيما يزال. ولا يصح قول من قال إن الإعدام يتعلق بالفاعل» لأن ما ليس 
بمعنى محدث لا يتعلق بالفاعل. 

وهذ العدم - أعزك الله - وأنواع المعدومات والإعدام قد رسمته لك. وإن كان في 
بعض ذلك تجاوز ماء ما حملني عليه إلا ضرورة الوقت فقس الكلام الأول بالثاني وفك 
مُعَمّى المتقدم بالمتأخر وصَرفه تصريف المثاني وقل: المعلول الذي يعرض له شيقان مثل 
قولنا إن الزامر بالمزمار هو بعينه الذي بخيط إذا عرض أن كان الزامر بالمزمار خياطًا 
يلحق بكلمة الحو هو العرضية» وكذلك يقال في الشيكين اللذين يعرض أحدهما للآخر مثل 
الطبيب والإنسانء, فإن الإنسان عرض له الطبيبء أعني أن الإنسان المطلق عرض له أن 
كان الإنسان الطبيب؛ والإنسان الطبيب عرض أن كان الإنسان المطلق» ولذلك ما نقول 
إن الإنسان المطلق هو بعينه الإنسان الطبييب» وإن الإنسان الطبيب هو بعينه الإنسان 
المطلقء وإن كان ذلك كذلك لأن الإنسانية والطبيبية وجدتا لشيء واحد بعينه وهو 
المشار إليه. فلما صدق على جاليتوس أنه هو بعينه إنسان وإنسان طبيب» صدق على 
الشبيه بذلك أن الإنسان المطلق هو الإنسان الطبيب» وأن الإنسان الطبيب هو بعينه 
الإنسان المطلقء ولذلك إذا دخل على هذا القول السور الكلي لم يصدق عليه أعني أن 
كل إنسان هو بعينه كل إنسان طبيب» وكل إنسان طبيب هو بعينه إنسان, لأن الهو هو 
بالعرض إنما يوجد أولاً بالتحقيق للأمور الحزئيات؛ ثم يصدق على الأمور الكلية من 
حيث تشبهها باللحزئيات» أعني إذا أخذ المعنى الكلي كأنه مشار إليه. 

وأما الحو هو الذي هو بالذات فيقال على جميع ما يقال عليه الواحد» فإن الأشياء التي 
عنصرها واحد إما بالعدد وإما بالصورة يقال فيها إنما هي» وكذلك الأشياء التي هي 


الرسائة الفقيرية 61 
واحدة بالصورة فاو هو بِيْنْ من أمره أنه إما يقال على الأشياء التي هي واحدة من جهة 
واثنان من جهة, فاعلم ذلك واختبر به ما تقدم واعتبر شأنك كله وجميع ما رسمته لك 
وانظر في الأمور المقومة وفي الأمور المتممة للأشياء ثم انسبه للهو هو وجرد المفارق 
منك للمادة وخلص هويته من حيث هو مفارق» ثم جرده من علامته وحقق ماهيته في 
الواجب الوجود, واحمل عليه الهو هوء ثم فكر في امحرك الذي يحرك ولا يتحرك؛ وني 
المحرك الذي يحرّك بجبة ويحرّك بأخرىء وني الشيء الذي بحرّك ولا يحرّك غيره بوجه 
ولا يمكن ذلك فيه وني الذي يلزم عند كل شيء ويظهر فيه» وني الذي يلزم مع كل 
شيء ويظهر فيه فافهم. 

وفكر في الذاتيات العامة والخاصة وفكر في الشيء الذي هويته غير آنيته وفي الشيء 
الذي آنيته وهويته واحدة» وفكر في الذي يفعل في معلوله بذاته وهو أقرب للمعلول من 
علته القريبة له» وفكر في الذي يلزم في كل شيء ويظهر فيه وفي الذي يلزم عند كل شيء 
ويظهر فيه» وني الذي يلزم بعد كل شيء ويظهر فيه» وفي الذي يلزم مع كل شيء ويظهر 
فيه» وني الذي يلزم قبل كل شيء ويظهر فيه من كل الجهات» وفي الذي هو بد كل شيء 
ويظهر ني ماهيته» وني الذي هو ماهيته كل شيء ويظهر ني كل ماهية» وني الذي هو ولا 
شيء إلا هو ولا ماهية إلا ماهيته ولا آنية إلا آنيته تجده وحده» وتجد الوحدة غير زائدة 
على ذاته ووجوده مع الموجودات الممكنة مثل الكلام مع المتكلم ومن المتكلم إذا قطعه 
انقطع مع أنه لا حقيقة له في نفسه إلا بالموضوع الذي هو فيه وعليه» وتجده إذا نظر إلى 
ذاته وجد كل شيء عنده بالقوة والفعل وقسم الوجود إلى مطلق ومقيد ومقدرء والتزم في 
ذلك كله الأدب تسعد وتصعد وتنل الكمالات» وتكن بحيث لا يمكن أن يزاد فيها ولا 
ينقص منكء ولا يحتاج إلى غيرك الممكن منكء ولا يبقى لك توجه إلا إلى بدك الحق 
الواحد الحق وحده. ولا يستطيع أحد أن يجعل فيك نقصا ولا تتركه أنت إن شئت في 
غيرك» واخدم هويتك الثابتة اللاحقة المسكنة بالهو هو بالوجه الذي ذكرته لكء» وبالفقر 
المذكور بحسب الاصطلاح المذكور تظفر بالعزة والحلال وتكون على عرش كمالك 
وربك عنك راضء ؤيحصل في كسبك خمس خواص: 

أوها: يظهر لك في اليقظة ما كان يظهر لك في النوم قبل ذلك. 

وثانيها: تعلم بجوهرك الذي خرج قبل ذلك الفعل ما كنت تعلمه بالنظر والبحث 
والروية والفكر. 

وثالئها: تقدر على بعض الممكنات بوجه ما وتتصرف فيها بالشيء الذي تسميه عامة 


62 رسائل ابن سبعين 


الصوفية همة. 

ورابعها: ترد عليك مواهب لا من جنس ما أنت عليه. 

وخامسها: تخبر بأمور سنية ثابتة في النظام القديم تكشفها وتسميها حضرة بالضرورة 
فافهم! 

وهنا الفقر من حيث العقل والمحرى الصناعي وغيره قد تخلص الكلام عليه وتبين لك 
كيف يتعكس الهو هو رأسًا برأسء فافهم. 

وإن كنت قد رمزته لك وخلطت لك في مدلوله وحذفت منه ما هو منه والحقت به 
ما ليس منه» فلم نخله من خخير محض ونعمة وافية. ومن أراد المقصود منكم فعليه يكتاب 
«بد العارف » فهو الكتاب الذي بثثت فيه مالم ييث في كتاب قطء وفيه هو هذا الشأن 
وغيره وجميع ما يخلص السعيد المسترشد في أقرب وقت بالصنائع العلمية والعملية وبث 
الأمور السنية. فاطليه من إخوانك واحفظه وحافظ عليه. 

القول على الفقر من حيث الطريق7©: 


(1) فائدة: قال سيدي أبو المواهب الشاذلي قدس الله سره في قوانين الحكم: قال الله تعالى: «إيا أَهًا 
الئاس نشم الْفعراء إلى اللده [فاطر: 15]. 
تحقيق: حقيقة الفقر في ظاهر الطريقة غير ما هو باطن الحقيقة» فالظاهر فقر الزهاد من الأعراض 
الدنيوية» والباطن فقر الأفراد من الأغراض الأخروية شغلاً بالله عما سواه لمن شهد ذلك ورآه. 
تدقيق: تفاختر الغني مع الفقير. 
فقال الغني: آنا وصف الرب الكبين فنا أنت أيها الفقيره 
فقال الفقير: لولا وصفى لما تمر وصفكء» ولولا تواضعيٍ ما رفع قدركء فأنا وصفى وسمم م بذل 
المودية وأنت وصفك نازع الربوبية» ومن نازع قصم. ومن سَلّم سَلم. 

تحقيق: التبس حال الفقير على غير النبيه» فمّال: الفقير غير الفقيه» وما علم أن الراء هي الحاء. 


إن الفقيرَ هو الفقية وإما راء الفقيرٍ تجمعت أطرافها 
تدقيق: الفقير الفقيه من حَطْ حمل الرحال على أعتاب الرجال» حتى أرضعته طري لبن الصدورء 
وأغنته عن قديد ميت السطور. 


فاتتصح يا فقيه القال» واممع يا فقير الحال» وافن بالله عن الرسوم؛ واخرج عن كل معلوم. 
يا فقيه الجدال» هذا الحدٌ آل أدخل حَان أخيارناء نصيّرك من أحبارنا» ونسقيك صافي الشراب 


بعد نقيع السراب. 
يا فقيه النقل» يا عقول العقل» سر عنك نور الكشف حجاب أنيّتك العقلية» والذوق غير طعمه 
عندك مرارة العلوم النقلية. 


يا فقيه الاسم دون المسمى الغلط أوجبه تشابه الأسماء لو عرفت معنى الفقير والفقيه كنت الحاذق 


الرسائة الفقيرية 63 


التنبيه. 
الفقيه من فقه عن الله وفنى به عمن سواه» فلو كنت بهذا الوصف كنت الفقير صدقاء والفقيه 
عند الله حقا. 
تحقيق: فضّل قوم الغنى على الفقرء وعكس آخرون الأمرء والحق أن غنى النفس بالأعراض 
البشرية لا يخرجها عن افتقار صفاتها الذاتية. 
تدقيق: من ادُعى الغنى وقع في العناء بخلاف من أظهر الفقر؛ فإنه خلص من الأمر. 
تحقيق: الفقير من انُصف بحقيقة الافتقار عن إرادة منه واختيار» لا عن ضرورة ردته لمركز 
الاضطرار. 
تدقيق: من استكبر بوصف الغني على الفقير استوجب حكم العكس من القدير. 
ألم تسر أن الفقر يرجّى له الغنىى وان الغنى يخحشى عليه من الفقرٍ 
تحقيق: سمة الفقر سمة الأحباب» وحليته حلية العبد الأواب» من لبس اسمًا له كان ذلك وسمًا له في 


وجود أهل القبول» ولهم من الله نيل المسفول. ' 
وجوه علسيها للقبولٍ علامة ولبس على كل الوجوه قبول 


تدقيق: من افتخخر على الفقراء بماله» أو تباهى عليهم بجماله؛ افتقر وعاد وقد انكسر. 


فأنت في الأرض بالفخار مشتبه 2 ماأسرغ الكسر في الدنيا لفخارٍ 


تحقيق: جواهر معائي الزمان أنفس من أن تضيعها ني الهذيان» فيالله العجب ممن عمره انقضى 
وذهب في جمع الفضة والذهبء وهو بما جمع فقير ليس له نصير. : 
ومّن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر فالذي فعًل الفققر 


تدقيق: من افتقر إلى الله استغنى به عن كل شيءء ومن استغنى عنه افتقر إلى كل شيء» ومن افتقر 
إلى كل شي فقد أوحشه كل شيء» ولم يتعوض عن الله بشيء من كل شيء. 

لكل شي ء إذا فارقته عوضن) ولسس لله إن فارقت من عوضي 
تحقيق: خاصية مغناطيس فقر الذات هي الحاذبة للعطايا والهبات» فمن كان وصف انتقاره أكثر 
كان نصيبه أجزل وأكبر. 
تدقيق: اختصاص الفقراء بالسؤال خصوصية هم في الحال والمآل» يعرفها من وجد شر المطالب» 
وقضيت له الحاجات والمآرب. 
تحقيق: انُصاف الرب سبحانه بوجود الغنى المطلق» هو الذي أوجب لنا الفقر المحقق» وبهذا 
الاتصاف حصلت الألطاف؛ لأن من رحمة الغني أن يجود على الفقير» ويجبر المسكين الكسير. 


5 رسائل ابن سبعين 

وهو آخر الأقسام وهو مرادك: وهو الفقر الذي يشرحه عرف الفقراء في زمانتا هذاء 
ومقصودنا شرحه وبئه على أكمل ما يمكن بحول الله تعالى. 

فنبداً فنقول: الفقر هو الصبر على المكروه. وشكر المنعم الحكيم» والفتوة المحضة» 
ورفع الأذى كله؛ وفعل ما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجبء وتنفق 
دعوته التي داخخل الذهن مع التي ختارج الذهن» ويطلع بالتركيب إلى بده» ويهبط بالتحليل 
إليهء ويدور بجملته عليه» ويجعل الفقر الذي اتصف به نفسه وقصده ومقصوده دائرة 
وهمية» ويجمع الوجود المقيد كله في نقطتها والمطلق في محيطها وينظر إلى النطوط 
الخارجة من النقطة المذكورة إلى المحيط المذكور في خخلده ويراها متساوية وينسبها. وينظر 
إليها ثانية من المحيط ويحذف الوسائط ويبصر الواسع في الضيق وينظر الأشياء في نفسه ثم 
يقطع حبل النظر والمنظور فيه من حيث الحاز والشفع» ويصل حبل النظر والمنظور فيه 
من حيث الحقيقة والوتر» ويصل مع ذلك النقطة المتقدمة بالمحيط ويجعلها جزء ماهيتهاء 
ثم يحقق الأمر ثانية ويجعلها ماهية واحدة ويقول: «ليس إلا الأيس فقط»م ووهو هو» 
ويتصفح قوله ويتأول ما يلزم عنه» ويقطع الإشارة كما قطع العبارة» ويسكن في شأنه 
ويبمل مبمله ومخصصه من كل الجهات ويقف في ثلاثة مواطن ويموت ويحيا في حمس 
مواطن» ويبعث من شأنه ويقذف في موضوع سره المشهور بالبرهان أن آنية الله هي أول 
الآنيات وآخر الحويات» وظاهر الكائنات وباطن الأبديات. 

ويحدث في نفسه بالإسلام فيخبر عنه على غير ما كان يخبرء ويحدث قبل ذلك 
ويشهد والمشهود والشهادة بشهادة الإنصاف», ويعكس الضمير الأول على المخاطب 
اثثانيء ويتوب من اللواحق ومن الحروف التي نجر إلى الإضافة ويشعر مها ويقول: «كل من 
ني العالم بأسره لا يفعل شيئًا والله هو الفاعل خاصة» ثم يمحص مدلول كلامه ويخلص 
جميع ما ارتمن فيه وينطق بالحق ويحذف المحاز وجميع ما يجر إليه ويلزم منه وعنه» ويقول: 
العالم ميت بجميع ما فيه من مفارق للمادة وغير مفارق هاء فلا حي على الحقيقة إلا الله. 

ثم يتفقه ني الإطلاقات باقترانها مع المضافات وارتباط بعضها ببعض ويقول: ما خالف 


تدقيق: ما أتى باب الغني الكريم فقير فخخاب» ولا قصد حماه فغلق دونه الأيواب. 
على بابك الأعلى مددت يد الرجا ١‏ ومن جاء هذا البابُ لا يختشى الردى 


الرسالة الفقيرية 65 
الوحدة المطلقة والوجود الواجب هو عدم من جهة ووجود من أخرىء فلا موجود على 
الإطلاق ولا واحد على الحقيقة إلا الله» إلا الحق» إلا الكل إلا الحو هوء إلا المنسوب 
إليهء إلا الجامع» إلا الأيسء إلا الأصلء إلا الواحد, إلا الأصح أصح. لا صح ص ح ح 
حم صمد حقء لا نتهمه ولا نتوهمه. وكذلك يفعل في كل نسبه متجانسة ثم يعلل جميع ما 
أطلقه؛ ويثبت ما ثبت بالبرهان وينتفي ما انتفى بالبرهان ويعلم كيف انصرام التوجه؛ وإلى 
أين يصل المتوجه وبأي وجه يعدم» وينسب مهمل الشريعة إلى مخصص الحقيقة ومبمل 
الحقيقة إلى مخصص الشريعة ويقول: من صحا وصحح أسراره محا الله إصراره. 

حكمة ثانية: ويقال الفقر هو الذي لا يظهر به على الفقير إلا لسان مخرون» وقلب 
محزون» وفعل موزون. وفكرة تجول فيما هو كائن ومكون. 

حكمة ثالثة: ويقال الفقر هو الخلافة الباطنة» كما أن الملك المشار إليه هو الخلافة 
الظاهرة. 

حكمة رابعة: ويقال هو نوع من أنواع التصوف, وهو خيرهاء ورب نوع أفضل من 
جنسه كالإنسان مع الحيوان. 

حكمة خامسة: ويقال الفقر هو الذي ترسم بدايته بالإرادة والعبادة والإسلام وعالم 
الشهادة والخروج من الشر المحض إلى انير المشترك والمجاهدة والطريق المقيد والتوكل؛ 
والتسليم والنفويض والتوبة الأولى والخلوة المشوقة والدهليز الجامع والأربعينيات المحركة 
المهيئة. ويرسم سلوكه بالرضا والإيمان والعبودية وعالم الملكوت والخروج من الخير 
المقيد إلى الخير المطلق والمكابدة والسفر في الطريق المذكور قبل في رسم البداية» والتوبة 
الثانية» والفكر التابع للسكينة» والذّكر المحرك للتخلي والتحلي والتجليء وبُعد الأهل 
والوطن» وحذف العلائق بالجملة» والتزام السوابغ الكاشفة للمقصودء ويرسم وصوله 
بالعبودية والمشاهدة وعالم الجبروت ومقام الإحسان والخروج من الخير اللحض المقيد 
للكل بالمقصود والاشتراك» وصرف لمحو إلى الصحو والتوبة الثالئة المصروفة في السبعين 
مقامًا الفاصلة بالتخلق بالأسماء الحسنى وتدبير العالم الأول بالصنائع العلمية والعملية 
وبالاسم المشترك فافهم! 

حكمة سادسة: ويقال: الفقر هو الذي يجعل الفقير يجعل الشرع في يمينه والعقل في 
شاله وبينهما العلمء ويحرك الكل بالأدب والهمة والحقيقة» ثم يدفعها بالحقيقة مفردة» ثم 
يجذهها بالشريعة مركبة» ثم يستغفر الله ويقطع الموصول ويصل المقطوع حتى يثبت ما لا 
يمكن قطعه ولا اتصاله. ولا هو من هذا القبيل» فافهم. 


55 رسائل ابن سبعين 

حكمة سابعة: ويقال: الفقر هو التجرد عن المواد والاتصال بالذوات المجردة المرسوم 
عليها ني موضوعات الشرائع والمعبر عنها في اصطلاحهم: بالملائكة وعالم الأمرء ثم 
التجرد عنها والاتصال بالحكيم العليم الذي أمرء. الحكيم العليم المبدع الأول الذي أمر 
الحكيم العليم الثاني ثم التجرد عن الحملة والاتصال بالحكمة والكلمة: ثم التجرد عنها 
والاتصال بالحضرة السْنية التي يظبر فيها الحكيم العليم الأول المذكور أنه من عباد الله 
والله أعز من ذلك وهو عزيز؛ لأنه اعتز على العلماء به قبل هذه التي ليست من جنس ما 
يعلمه الفيلسوف ولا يفهمه بعض الصوفية. وهو علم التحقيق الغريب الذي لم يخبر قط 
جميع من دون الدواوين كلها عنه» ولا هو من قبيل السهو والعويص ولا في قوة البطيء 
مع المحريص. فاسمع ما أقوله لك ولا تلتفت إلى ما تخبط فيه شيعة أرسطوء وكونهم 
يقولون: الحق عز وجل هو امحرك للجرم الأقصى بذاته. 

والمتأخر منهم يقول: بل هو الذي فطر الأمر وهو الذي أمر بتحريكباء وهو الث 
رتبة فوق محرك الأطلس. 

ومنهم من قال: هو ثاني رتبة» فانظر ذلك في آخخر كتاب «المشكاة » للغزالي وني 
كلام ابن سينا والفارابي. وتَحَيْرَ ابن رشد في ذلك ثم اختار قول الحكيم» وقال به وزال 
عن الغير. وتخبط في ذلك ابن طفيل وانفصل عنه بهذيّان لا فائدة فيه للحكيم النبيه. 
وكذلك مذهب أهل الرواق وشيعة فيثاغورس ومن قال بالمئل المعلقة والحياة السارية ني 
الموجودات, والذي قال بالانتقال وبالأشياء المؤلفة من الفائي والباقي. 

وكذلك جميع ما تسمع من بعض الصوفية الذين يقولون: مقام الإسلام والإيمان 
والإحسان والحق والمطلع والأفعال والصفات والذات. 

والذي يقول: الأسماء والتخخلق والأسماء التي تتصف ويتصف ما والاسم الفعال 
والأساء المتحابة والاسم الذي يتصفء فذلك كله منه ما يصح بوجه ماء ومنه ما لا 
يصح. 

وكذلك قائل: «والحق وراء ذلك كله» فإنه أراد المعلوم المضاف. 

وبالجملة: ما عرفوا الله حق معرفته ولا علموه على ما ينبغي له فعليك بالرجال. 

واعلم أن العلم الإلهي منه ما يتعلم؛ ومنه ما يورث» ومنه ما يُتلقى من صدور الرجال؛ 
ومنه ما يوجد حالاً وذوقَاء ومنه ما يظفر به في الجميع. فقل: أعوذ بالمقصود المعلوم عند 
معلمي حيث معلمي: من توقف أرسطو وتشتيت مساله الإلحية خاصة, فإن غيرها من 
سائر العلوم أحكمها ولم يغلط فيها إلا ني القليل» ومن شكوك المشائين» وحيرة أبي 


الرسالة الفقيرية 67 
نصرهء وتمويه ابن سينا في بعض الأمورء واضطراب الغزالي وضعفهء وتردد ابن الصائغ» 
وتنويع ابن رشدء وتلويحات السهروردي مؤلف «حكمة الإشراق» والتلقيحات بمذهب 
أفلاطون. وتشويش ابن خطيب الرّي» وتخليط الأقدمين» ورموز جعفر المحتملة معرج 
التصوف مع الحكمة من حيث أتباعه» ومن شطحات بعض الرجال ني «الرسالة » الذين 
نطقوا من أحواحم الأول ولم تحذقهم العلوم ولا الصنائع العلمية ولا حققوا المبادئ 
وجاوزوا المقدار بأقوالهم وأحوالهم بوجه ما يسلمه بعض الناس وينكره الأكثرء ومن 
تصريف ابن مسرة الجبلي في الحروف والإطلاقات في النطق اللاحق للأشياء وإضافته 
الآيات وفهم أقسام بعض السور والإقدام على الأحكام واقتران بعض القرآن يبعض» ومن 
تهذيب بعض الأسماء والصفات والكون والوجود والموجود والشفع والوتر والتوحيد على 
مذهب ابن قسي صاحب «وخلع النعلين»: ومن الأجناس الجامعة المتقدمة والتآليف 
والمنذاهب والذهاب والاعتبار المقدر المصرف في جملة الأسماء ومدلوهها وفي الصفات 
الدائرة التي تدور من مدلوها على صيغها وبالعكس على مذهب ابن برجان» ومن 
الوصول المنسوب والوقوف عنده بحسب متعلق الأسماء والصفات والمقامات والأرواح 
والتلوين والتمكين وانحبة والوجود والواحد والوحدة والإضافة المحذوفة والمحردة والشائعة 
وغير الشائعة بحسب «المواقف» المنسوبة إلى النفري المعلم الناقل عن المولد على زعمه 
وغيره. 

فجميع ذلك كله لا خلاص فيه متمم ولا إخلاص مكملء وهو مما يدخله الغلط من 
الصنائع عند طائفة» ومن الأحوال عند آخرين» ومن الاصطلاح عند قوم» ومن الفهم عند 
آخرين» ومن الرياسة ومن اللذة ومن سوء الفهم عند الأكثر. 

وهؤلاء منهم من تلذذ بالأنوار والأحوال» وغفل عن الأصل» وفرح بنفسه ولم يكمل» 
ومنهم من علم المقصود ولم يتحرك إليه بالسلوك وغلبته الطبيعة والأمور الطبيعية والرياسة 
وحفظ الصيت عليه ومنهم من مبره حال الاتصال فغلط. 

ومنهم: من شك في الأصل ودفع تارة وجذب أخرى. 

ومنهم: من كان أوله ضد آخره وبالعكس. 

ومنبم: من وصف المقصود ولم يتصف به. 

ومنهم: من ضر بكلامه ونفع وتنوع أمره وانتقل. 

وهنهم: من ينفع من جهة ما ويضر من جهات. ولولا ما قصدت في هذا التقييد من 
الاخقتصار كنت أرسم لك مقاصدهم من حيث مواضعها والمسألة والجواب ونبين لك 


5 رسائل ابن سبعين 
شأنهم كله وكيف الأمر فيهم على الإطلاق بالبرهان. ٠‏ 

وبالجملة: عليك بالحق وفريقه وأهله وطريقهء فإن الرجال إذا تنوعوا دار الأمر بينهم 
وفيهم وعليهم. لا زوال للحق ولا شك فيه» ولا يأخذه النقص ولا يختلف ولا يتغير» 
وهو الذي به هو الشيء وما هوء وهو الشاهد المتفق من جميع جهاته» وهو هو كما 
تقدمء وكل حائر فمن أجله كانت حيرته وفيه ويه فافهم. فإنه هو المطلوب وبه يطلب» 
ومنه الطالب وله ومنه وعنه الكل. وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه فترجع له 
بحول الله تعالى. 

حكمة ثامنة: ويقال الفقر هو السلب المنسوب للسالب والمسلوب الذي دار على 
نقطة وقاره بشأنه وتقديره وقراره» وخرج عن قدره بمقداره؛ ثم أجبر وجبر وطمع في 
الإيجاب بعد فهم الجواب وكلم مقصوده بلسان ماهيته ومعه بإذن آنيته المكتسبة» وأبصره 
بجميع هويته» فافهم! 

حكمة تاسعة: ويقال الفقر هو السكون عند عدم كل شيء يتعلق بمدلول العماء 
ويكون من لواحق الغيرية والحركة عند التقدير» ثم السلب المحض بالإلزام» فافهم! 

حكمة عاشرة: ويقال الفقر هو الذي يحصل للفقير به العلم الذي يدبره ويدبر به ما 
بعده ومن قبله» والورع الذي يعصمه وينفعه ويحجزه. واليقين الذي يحمله والذكر الذي 
يتأنس به. 

حكمة حادية عشرة: ويقال الفقر هو الذي يكسب الفقير دوام الافتقار للجبان في 
كل الأحوال وملازمة السنة العربية والقديمة اللازمة عند العادة المشتركة. 
حكمة ثانية عشر: ويقال الفقر هو الذي تجحد فيه قضية الزمان والمكان. 
حكمة ثالغة عشر: ويقال الفقر هو المترادف مع الخيرات المطلوية. 
حكمة رابعة عشر: ويقال الفقر هو الذي يسبح به في بحر الشرف» ويتسخ العادة 
بأحكام خرق العادة» وينسخ مقام الوحشة بالوحدة» وينسخ مقام الوحدة بالحرية وينسخ 
الحرية بالعيادة في حال الاتصال بالأدب المستولى؛ وينسخ التوكل بالتسليم والتسليم 
بالتفويض ويترك معقوله ني معقوله متحيّراء وينسخ التفويض بالرضاء وينسخ الرضا 
بالتوحيدء ويقوي التوحيد بالمحبة ويحفظ المحبة بالمعرفة» ويخلص المعرفة بالمشاهدة 
والمشاهدة بالمقامات الفارطة كلهاء والجميع بالتحقيق» ويركبها ويسلسلها بالتوجه 
والبحث والإنابة والأوبة» ويصرفها بالكلام المقيد بالعبارة والإشارة وبالبعضء ثم بالدقيقة 
وبالكلء ثم باللطيفة وبالمذكورء ثم بالحقيقة وبالمذكور في المذكورء فافهم. 


الرسالة الفقيرية 69 
ويعللها بالأحوال ويقيدها بالتصريفء ثم يجمع المتقدم والمتأخر في كسبه وفي كل شأنه» 
ويتصف باللجميع» ويخصها في محله ولا يهمله؛ ويثبت الناسخ والمنسوخ في ماهية شأنه 
كله ثم يحذف مراتبها التي تعددت ويدير عليها دائرة نتيجة شأنه الآخر بمحرك شأنه 
الأول» ويسكنها بظاهر كنهه» ويجمعها بباطن كونه؛ ويجعل على الكل وفي الكل ومن 
الكل الأول الآخر الظاهر الباطن» وينظر إلى الأمر كله بعين التوحيد وكلمة السلب 
ويبجدها قد اتحدت فيه وتوحدت من أجله فينسبها إليه ويديرها ثانية وثالئة ورابعة 
وخامسة وسادسة وسابعة عليه» ويعتبر جملة داخل الذهن كما اعتبرها خارج الذهن» 
وينسب بالاستعارة بعض الأشياء إلى بعض» ويجعل قلبه التوبة وكبده المجاهدة» ويده 
الصبرء ورجله الأدب. وعيته العلم» وسمعه الخلق» وشمه اللطايفء ولسانه الأحوال» ولذته 
المعرفة والرضى وامحبة» وحياته الوتر» وموته الشفع» وبالعكسء ونطقه الإسلام» وعقله 
الإيمان, وروحه الإحسان, ثم يسمى الجميع فقرًا وفقيرا وقيّرا - ووقير » تأكيد للفقير 
كما تقدم وبالعكس كما لزم فافهم! 

حكمة خامسة عشر: ويقال الفقر هو الحكمة التي ترسم أنها الفهم عن الله وَبنْ» وهو 
الحكمة التي سماها الشرع سنة» وهو الحكمة التي تفيد معرفة الأشياء حسبما تعطيه 
وتقتضيه طبيعة البرهان, وهو الحكمة التي يعرف بها ترغيب القرآن وترهيبه» وجدله. 
وقصصه ومثله. ووعده ووعيده؛ وأمره ونبيه وأحكامها كلها وكونها تنحل إلى الأسماء 
والسصفات وفهم الحروف المتحابة» وحروف أوائل السور مثل: كبيعص؛ وسائرها 
ومقايسة بعض المتحايّة بيبعض وتناسبها على وجه أكمل وأحكم وأنفع وألطف من 
الظاهر ومن جميع ما هم عليه بعض الناس ممن ينكر هذا الشأن العظيمء فافهم! 

وهذ الفقر الذي اختاره خير البشر. والمتصف به هو الغني الشاكر حقيقة فإنه غني 
بجوهره؛ والغنى فيه ماهية ذاته إذ هو فعال بجوهره وعليه يجب الشكر الكثير الممتد إلى 
غير هاية؛ لأنه باق فيه» فافهم! وأعط المعنى المعقول مع شرف ذاته في الدارين وسلامته 
ومناجاته وغيره من الأغنياء بضد ذلك» وإن كان يشبهه هذا في بعض شأنه فعنده من هذا 
الفقير بما يشبهه وإلا فلا سبيل إلى شيء من ذلك» فافهم. 

والفقير الصابر المعروف عند العامة: هذا الفقير الغني خير منه على الوجه الذي 
ذكرناه؛ وهو خير من الغني من حيث العرف والعادة والجمهورية. 

وبالجملة: الفقر من جميع الوجوه هو المطلوب الشريف وحده؛ وكل مطلوب شريف 
وحده لا شيء أفضل منه. فالفقر من جميع الحبات لا شيء أفضل منه. 


19 رسائل ابن سبعين 

حكمة سادسة عشر: يقال: الفقر الضعيف هو حمل الأذى وترك الأذى ووجود 
الراحة» والقوي هو التصرف في الأشياء بالكتاب والسنة والإجماع والقياس والعقل وفعل 
اما ينبغي كما ينبغي على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي وفهم الأسرار والأحوال الإلية 
قبل وفروعها وأصوها وأسباها. والفقر الشريف هو الذي إذا نظر الفقير به إلى نفسه. لا 
غير» نظر فيها جميع الأشياء المهملة والممعخصصة:. والمجملة والمفسرة» والمطلقة والمقيدة» 
والشريفة والخسيسة, والمرعوسة والرئيسة» ويجعل منها في ماهيته النورانية ما يجب 
وينسبها بحده وفي ماهيته المادية وينسبها لضده. ثم يحقق الشيء الثابت وحده وينظر إليه 
به ويغمض عين سريرته المكتسبة ويفتح عين بصيرته اللازمة» ويقول عند تصوره لذلك: 
كيف يظهر من به ويظهر وكيف لا يشهد حقه وهو لا يرى إلا بنوره ولا يشهد إلا 
بحضوره. 

حكمة سابعة عشر: ويقال: الفقر هو الجامع المانع. 

حكمة امنة عشر: ويقال: الفقر هو المعنى الشامل للملك والنبي والصديق والأمثل 
فالأمئل من حيث التخصيص والمخصوص ولكل ممكن على العموم من حيث العموم 
والعرف. 

حكمة تاسعة عشر: ويقال: الفقر ترك الرغبة إلا في السعادة وأسبامهاء والعبادة 
وأحكامهاء وتدبير العادة وأحواها. 

حكمة عشرون: يقال: الفقر عدم خوف الفقر من المحل مع الامتحان الكلي؛ ولا 
يكون للفقير ما يقترب به إلى ربه ويظهر الغنى به مع الحاجة» والشبع مع الجوعء والفرح 
مع الحزن: والحبة لعدوه مع وجود الحورء ويصوم النهارء ويقوم الليل» ولا يظهر ضعقا 
وكل ذلك بجد وصحة أصلية وخير محض. 

حكمة حادية وعشرون: يقال: الفقر هو الذي تعرف حقيقته اللفظية بما ذكر قبل» 
والفقهية بما ذكر قبل» والعقلية بما ذكر قبل» والصوفية بورودها على المحل إذ كانت جزء 
ماهيته ويتصف بأعراض لاحقة .هاء ويغلبه بذوقه. ويخبر عنه بعد ذلك بغير الذي كان 
يخبر عنه قبل -, فافهم! 

حكمة ثانية وعشروك: ويقال: الفقر حفظ السر المكنونء والعلم المضئنون به 
والمصون, وأداء ما افترضء» وصيانة الدين والمقام. 

حكمة ثالئة وعشرون: ويقال: الفقر هو الكمال الأول مع العلمء وهو الكمال الآخر 
مع المعرفة» وهو الجميع مع خخالص الإنسانية. 


الرسالة الفقيرية 71 

حكمة رابعة وعشرون: ويقال: الفقر هو الذي لا يطلب به إلا الله وإنطلب لذاته 
أعني الفقر ن مطلقًا لا خير فيه. 

حكمة خامسة وعشروك: ويقال: الفقر إذا تُصُح وتؤمل وتتبع على أكمل ما يمكن 
قيل للفقير المتصف به فقير كما سمي اللديغ سليمّاء ويعتبر شأنه ولفظه بالعكس. 

وهذا الفقر أعزك الله وأعانك على تحصيله بحبيبك الأول الذي لا يكون متحركًا ولا 
ساكثا وهو ليس بجسم ولا ني جسم وهو واحد من كل الجهبات ووحدته بالذات» 
وبحبيبك الثاني الذي لا يكون متحركًا ولا ساكنًا وليس بجسم ولا ني جسم ولكنه يقال 
فيه: إنه مع غيره المفارق لا مرتكرًا ولا مربوطًا ولا مستندًا ولا ملتحمًا ولا حالاً. 

وهو بالجملة لا متصلاً معه ولا منفصلاً عنه غير أنه يلازمه ملازمة التوع للعنصر 
والفاعل للمفعول ويشار إليه معه صحبة المجموع الإنسائي مع أنه مفارق ومن قبيل 
المفارق. 

وخلصك الله من حبيب ضدك وموضوعك وروحك وأوحله وأكرمك الله بتحصيل 
أسباب السعادة بصلاح المادة والعبادة وحفظك في شأنك كله. حتى لا «ترفل في أثواب 
اللاهي ولا تغفل عن ثواب اللهم» فطالعه واحفظه وحافظ عليه وحصل مدلوله بالقول 
والعقل والحال والمقدمة والنتيجة والمسألة والحواب», ولا تبخل به ولا تمنعه عن أهله ولا 
تسمح في ذم فرعه وأصله وخاصة فصله. ولولا أنك محسؤب علي ومنسوب بمعناه إلى ما 
أسعفتك به ولا قيدت لك فيه إلا ما يجمل بك وبأمثالك وأهل وقتك وشرطي عليك ألا 
يقف عليه أحد إلا الطلبة النبهاء والفقراء الفضلاء المحبون الأولياءء ولا يقرأه من 
المذكورين إلا من يتصفحه إلى آخره. 

وإن علم منه أنه ينكره يؤخذ من يدهء وإن توقع الضرر من لسانه وقلبه ويده ومن 
صعب عليه منه شيء يرحل به إلي. وإن عسرت حركته أو تعذرت يرجع به إلي» ونجيبه 
في الوقت بحول الله تعالى. والاستقامة هي رأس العمل مع العلم» وزوال الكسل والملل. 
واعلم أن الشقي هو الذي ذهب شبابه بلذتهء وارتهنه بتبعته» وخلف له التأسف عليه 
والسعيد هو الذي علم أن أيام الحياة حلم والموت يقظة» وني الحساب تفسير أضغائه. 
فجد واجتهد وكره دار الفواسق حيث الظل والذل والأبعاد الثلاث واللهو واللعب 
ولواحق اللهسب» وتوجه إلى الحضرة السنية التي تبت بجحودها يدا أبى لهب. 

ولياك والغفلة والتغاقل فإنهما يستلان الخير ويخصصان السر. والغافل والمتغافل 
وفحد, لأن الغافل تؤديه غفلته إلى الفساد» والمغفل يؤديه تغفيله إلى الفسادء فقد اتفقا في 


14 رسائل ابن سبعين 
المحصول الذي هو الفساد. وليس ينفع المتغافل معرفته بما تغاقل عنه إذا لم يستعمل فيه ما 
يجبء ولا يضر العاقل جبله بما لم يعلم إذا لم يعمل فيه ما يجبء لأنهما قد اتفقا في 
الإضاعة, وتباينا في العلم والجهل. وعليك بالهمة الحليلة التي هي سوق لا يتبدل إما العمر 
كله وإما في أكثر الزمان إلى الشيء الذي هو وكل الإنسان أن يفعله في .حياته والخسيسة 
بضد ذلك. وبالجملة: إن كان الشيء الذي تطلبه الهمة جليلاً قيل في الهمة إنها جليلة» وإن 
كان خسيسًا قيل في الهمة إنها خسيسة. وعليك بالسيرة الجميلة التي هي .الأفعال المحمودة 
التي يدور الإنسان عليها في حياته ويجعل وكده أن يفعلها ويتخلق ما ويعامل مها ذاته 
وغيره» ويجعلها مقدمته لمقاصده الكريمة. وعليك بالصناعة الرئيسة التي هي رئيسة على 
الإطلاقء وهي التي تعرف أي الصناعات والعلوم يتبغي أن تكون في المدن» وأي 
الصناعات والعلوم ينبغي أن يبلغ المتعلم [اكتساها] باكتساب الشيء الذي يسمى خير. 

واعلم أنه لا بد لكل متوجه ولكل سعيد أو شقي أو غافل أو متغافل أو عالم أو 
جاهل من خير ما يتشوق إليه في شأنه الذي هو فيه ويطلبه» ولكنه لا يطلق الخير حقيقة» 
ولا يعقل إلا في الخير الذي هو سبب السعادة توجد عنده أو به أو معه أو فيه أو منه» أو 
إليه» أو عليه» أو عنهء أو له ويطلع على لزوم الشرط والمشروطء مثال ذلك: الحياة 
شرط في العقل» والعقل شرط في العلم والعلم شرط في العمل الصالحء والعمل الصالح 
شرط في الفضل» والفضل شرط في السعادة» والسعادة شرط في الكمال» والكمال شرط 
في الخيرء والخير شرطه وأصله التخصيصء ولواحقه كثيرة هيثية وطبيعية بل العناية الإلهية 
خاصة. 

وأنواع الخير ثلاثة: أحدها: الشيء الذي يراد لأجل ذاته ولا يراد في وقت من 
الأوقات لأجل غيره. 1 

الثاني: الذي يراد ويؤثر أبدَا لأجل غيره ولا يؤثر أصلاً ولا يُراد ني وقت من الأوقات 
لأجل ذاته مثل الأشياء المؤذية المؤلمة كشرب الدواء المر الشنيع الطعم الكريه الرائحة» 
فإن هذه شرور بذواتهاء وخخير بالإضافة إلى الانتفاع بها. 

والثالث: من هذه الأشياء هو الخير بالاطلاق» فعليك به وبما بعده. 

والذي حملني على إفشاء هذا السر الذي لا يظفر به ني كتاب ولا سمع في معتاد 
خطاب ما ظبر في زماننا هذا من آراء فاسدة وأحوال سيئة» وقلة استقامة في بعض 
الفقراء وعدم الإنصاف في بعض الطلبة وسوء ظن العامة في الجميع مع غيره من المشار 
إليه ويشاور ويشار إليه» ويعول على الله لا عليه. 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 4 

وأنا أسأل الله العظيم أن يعينني على الخير ويوفقني إلى قبوله. وأسأل الواقفين على هذا 
الكلام أن يقبلوا عذري فيما تساهلت في تبيينه» وتسامحت في تعليمه وتثبيتهء لأنني أمليته 
في بعض يوم على بعض الأصحاب والخاطر منقسم بالداخل إلى الخارج عني» ولم يتسع 
الوقت لتصفحه وتبديله. 

ومن زعم أن يصل إلي ويباحثني ويطالبني فيه فأهلاً وسهلاً به» ومن غليت دعوته 
علي استطاعته يمهل عليه وتدفع الفائدة برفق إليه» ولسان حالي يسلم للمنصف ويسلم 
عليه» ولسان مقالتي يحمد الجميع ويعظم الكل. 

ولقد أطلقت على الرجال في الكلام الأول ما نعلم ونتحققه أنه غير جار ولا جائز 
عند الأكثر. 

ولكنى غلبت النصيحة على السياسة والحق أحق أن يتبع» والسلام على المنكر 
والمسلم» والعالم والمتعلم» والغالط والمتغالط ورحمة الله وتعالى وبركاته. 

وسميتها لأحد أولادي بالعرض ولكافة الفقراء وبخميع من انتسب إلي بالذات 
و[الحقيقة] فيها بالقصد الأول ولجميع من ذكر بالقصد الثاني. 

ومَعادٌ التحية عليكم معشر الفقراء حيث كنتم من البسيطة» ومن العوالم الثلاثة بحسب 
مراتبكم من عبد الله عبد الحق» الكثير بالقول» الواحد بالموضوعء الواجب بآنيته» 
الممكن بهويته» ورحمة الله تعالى وبركاته. 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله الله الله الله الله الله الله الله صح. 

كملت الرسالة الفقيرية للسيد الشيخ المحقق المقرب سيدي أبى محمد عبد الحق بن 
محمد بن عبد الحق بن سبعين نفعنا الله به وأعاد عليه من بركاته. 

وكان الفراغ من نسخها يوم الجمعة الخنامس عشر من محرم سنة إثنين وتسعمائة. 
عرفنا الله خيره) وكفانا ضيره) بمنه وكرمه, وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحيبه 
وسلم تسليما. 

د د 6د 


بسم ائله الرحمن الرحيم 
وله ضيه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله كثيّرا: 
: استمع إلى ما يوحي ويستقرأً وحَصل وحينئذ تكتب أو تقراً: من أبصر مقصوده 
كف عن سواه لأنه سواه وشرط من سوى واستوى» قطع وهم السوى من قربه الله» 


74 رسائل ابن سبعين 
يقول: الله فقط. ويتبع هذه الكلمة باههمة قبل النية» ويحرر قضيته البسيطة بإطلاق الحوية 
على الآنية» ويمد خط تأمله ويقبضه أيضاء وخفف عن نفسه حمل وهم هذاء وهو 
وذلكء وقال ما قال الله, ثم استقام لا على مدلول الأمر بل على فيض الآمر وَْكَ. 

وجملة الأمر: من قال الله ولم يستحق الجميع قال الباطل. والله ما تجلى قط 
فاحتجب!؛ لأنه يظهر بماهية العرفان وبما يلزم من الوجود الثاني المصاحبء ولا أقام قط 
في قلب فرحل عنهء ولا تعلقت به همة رجل معتبر فخابت» ولا نظر إلى أحد فأهمله 
بعدهاء ولا استجاب في ماهية عارف فعرفت غيره قبل ذلك بما هو ذلك» وصح له أنه ما 
كان ذلك بعد ذلكء, ولا مع ذلك؛ ولا قبل ذلك. 

من قام به خوف الله لا يلتفت للأفعال فإنها ضعيفة الإعانة» قوية الضجر والضرر. 
وإن عزم على الخوف فناته أولاً فإنها تحيل إليها كل التعلقات وفي نفس العذاب عين 
العافية. وسبب الألم هو بعينه سبب اللذة. لأنها بالنظر إليها تحيل الأحوال كلها إلى الخخير 
والسعادة, وهذه في نفس الولي نفس اللذة» فإن كان الحس يتألم» وقد يستغرق في جلاها 
ويفوته الألم وقد يتصرف في نفسه فيرفع» وقد لا يطلق على الولي أنه يتألم مع التحصيل 
المحض» وقد يطلق بوجه ما. 

وباجملة: انعقد إجماع الضمائر الصادقة على أن التعلق بجلال الله على أي نوع كان 
يمشى نحو الصواب: وذلك إما من جبهة الاستحقاق. أو من قبيل المظاهر أو مفهوم 
قولك كأنه هو أو معي هو أو أنا. 

وهذه كلها إلى الله وبالله» بل هي الله. ومن يعلم كيف يصرف الأشياء إليه» ثم يعلم 
كيف يصرف هو الأشياء بوجه ماء ثم يعلم ما هي الأشياء في التحليل وما هي في 
التركيب. ثم يعلم ارتفاع الجميع» ثم يعلم ثبوت الجميع؛ ثم يعلم الله ولا شيء معه 
والأشياء الظاهرة للحس والعقلء أعني الأمور المعقولة والمدركات المحسوسة ثابتة ولا هي 
على جبة الافتقار وبالطريق التي يدل عليها علماء الأوهام فإنهم يقولون: الأشياء بالنظر 
إليها لا شيء لاء وبالوجه الذي هي به ناظرة إلى ربها هي ثابنة» وكأنهم يقولون: الوجود 
العارض للماهية بنوع من القول آخر هو هو في المفهوم» وأعوذ بالله من الجميع وعند 
العلم مهذه العلوم والعلم مهذه السيرة يفتح له باب التحقيق الشريف. 

متى سمع قط عن قريش الإخلاص قطع الطريق على دخيل الاضطرار؟ متى حصل أحد 
على كنز محجوب عن غيره في غاية الظهور والوضوح له مع كونه تحت ملكته وهو 
ومادته الأول» ومع هذا يمد الأنواع ولا تسع كمية الأشخاص ويقوم بشخصه هو فيخاف 


رسالة «من أيصر مقصوده كف عن سواه» 15 
الفقر ويحتاج إلى مصانعة وسواس الحاجة؟ وبعد هذا كله النبيه هو الذي لا يقنع من الله 
بجميع أفعاله» ولا يطلب منه إلا الذي يحمل منها إلى الذات ويعين اللذات الصادرة عنه. 
آه آه آه آه يا فاقدء بل يا حائد عن الفائدء لا يخدعك وهم عادة نفسك الآخذة عن 
نفوس الأغبياء الأشقياء» أو المقيمة معهم على ما هم بسبيله أو المتشبهة مهم إذا فقدت 
الهمم الشريفة الحق المطلوبء يقول لسان حاها: يا حزناه بما حزناه! 

ومما يظهر لبعض الضعفاء الصلحاء أنهم استقاموا على الطريقة وزوج القصد لهم بين 
الشريعة والحقيقة. والدليل على غلطهم في الحق أنهم إذا فتح عليهم بوجه ما يظنون أنه 
الطريق على الإطلاق» وأن الأمر ما بقى منه إلا نصيب الأحوال فقط. 

ومن غلطهم إذا فتح لأحدهم في شيء يشبه بالمضمار لا شيء يظنون باب الله. 

أعوذ بالله من همة تقفء بل أعوذ بالله من عقل يقنع» بل أعوذ بالله من زمان فرد لا 
يحصل فيه مالا يأخذه الحصر في مدة الأبد المفروضة على معقول الكلي منه حتى 
يستشهد في ذلك بالحديث ويقول: «من رَزِقَ من باب فَليَرَمه0©» ومراد الحديث غير 
فهم هذا. 

وذلك أن الباب الذي يتوحد هو باب الافتقار الذي يصرف العبد إلى ساحته» وهو 
ابت ومنه يدل على جميع الأبواب. 

وهو بالجملة واحد في مقامه عند العلماء والعباد» وعند المحقق من أنواع نهاية صراطه 
الأول الجنسي. 

وأما أبواب الله المفتوحة فلا نهاية لهاء لأن مواطنها لواحق القدرة الإلهية والفيض 
الإلي والإمكان المطلق» ومفاتحها تخصيصه أو طريق تخصيصه. فباب من أجل مفتاح» 
ومفتاح من أجل باب. 

وبالجملة: أبواب مواهبه لا نهاية لهاء وباب الرجوع إليه واحد. وعلى هذا تفهم توبة 
النبي ايل بحسب رأي ماء فإنه كان يبدا بتأمل جلال الملكوت العام ثم الخاص» ثم 
الجبروت, ثم الحد» ثم المطلع؛ ثم يتبحرء ثم يقف, ثم يكون ما شاء الله. 

فإذا فرغعت تلك المادة الخبرية أو العلمية أو الحالية أو الوقفية أو الوجودية أو ما شاء 
الله لمن رضي الله عنه» يعود إلى المنعم حال نعمته يطلب منه نعمة أخرى بحالة أخرى في 
معنى آخر من ذات واحدة. 


(1) رواه البيبقي في الشعب (89/2)» وذكره العجلوني في كشف الخفاء (296/2). 


18 رسائل ابن سبعين 

فباب المنعم الذي هو هو فقط واحدء وبابه الذي هو به كالحنس العالي» وأبوابه 
المولدة أجناس عالية. 

وبالجملة: القناعة من الله حرمان والنبي يتكلم» والحكمة تشرح. 

وكذلك قوله: «التدبير نصف العيش)”2©؛ ومراده للخواص: ترك التدبير هو العيش 
كله وللعلوم ولمن يطلب الأسباب الحديث على ظاهره؛ وبالجملة جميع ما تعطيه الحكمة 
الشريفة العلمية التي لا تطلق بحسب مذهب خاص ورأي خاص بمحهول المكانة يحمل 
على الشارع» وينسب بالمضمار إليه. وإن كان بالقصد الثاني ليت شعري بأي لسان 
يقول القائل: «لا حول ولا قوة إلا بالله »؟ أبلسان العي والغي والسفاهة» أم بلسان 
الصدق والحد والنباهة؟ 

فإن كان بالأول فذلك النفاق» وإن كان بالثائي فلا يجعل مع الله في ملكه ثاني. متى 
ثبتت سفسطة مبطل مع برهان المحق؟ أي حاجة للمظلوم إلى شهادة من لا يحكم؟ الحاكم 
الحكيم يعلم ذلك» ويحكم به كذلك قدر أن السفيه الذابح الذي يطلق القول على ماهيته 
بتواطئع مع السفيه النابح يخرجك من أرضه الظالمة وأنت من المظلومين. 

فهذه جملة نعم: منها الأسوة بالمهاجر الأعلى» والخروج من محل الأثقال إلى الذي 
انقلبت إليه هذا من ذلك أو لا ألاءوالقول يدفع في الآخرة والأولى» والسياحة المزدوجة 
مع القريحة المستندة المفتقرة الحاضرة» ونعمة التأئيس بقوله تعالى: وَعَْسَى أن تَكْرَهُوا 
شَينًا4 [البقرة: 216] الآية» والتبدل مع النزهة في البسيطة ومشاهدة الأحوال البسيطة» 
وأن سجنك يكون في عادة الصديق» وتكمل النعمة عليك إذا لم تذكر حين تذكر غير 
المذكور وقول «إسَبّحٍ اسْمَ رَبك الأغلّى4 [الأعلى: 1] خير من: طاذْكرنِي عند 
ريك» [يوسف: 42] من أي شخص كانت» لأن تعظيم الله هو المعتبر وما نقص من 
حقه عز وجل لا يسمح فيه لأحد, فافهم. 

وتتخذ الخلوة والعزلة الحسية الظاهرة وعند ذلك يذكر بالباطنة وتجتمع. وإن كان 
تفرق الاتصال فقد أنعم عليك بالاتصال وأتحفك في هيئة حتفك بالانفصال» وحملك إلى 
حضرة الوصالء وامتن عليك بالشهادة التي بمثلها يظفر بالحضرة التي تتنزهت عن الذل 
حيث الظل واللهو واللعب وتبت بجحودها يدا أبى لهب. 

هذا إذا لم يكين مقام الرضا قد حكم, والتوحيد قد جزم. فكيف إذا كان الأمر 


(1) رواه القضاعي في الشهاب (54/1)» والديلمي (75/2). 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 7 
بالعكس وقوته أضعف من شلة في رملة» ومن ذرة في كرة» ومواكب بمحده غير قافلة) 
وكواكب سعده في غرب غيه عنه آفلة؟ 

وإذا أنشد الهوى في نازلة سفيهة من أجل عرض عاجلء ومن ركب الثور بعد اللبواد 
أنكر إطلاقه ذو الغيب ينبغي لراكبه ينشد في حق الذي يهواه: 

فليستك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب 

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب 

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب 

ويقراً: قل كل سُ عند الهم [النساء: 78] ويتحدث بنعمة الله في التحدث 
بالحديث: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة»7"©: ويذكر المثل الموزون وكل ما يفعل 
الحبوب محبوبء ويحمد الله العظيم الذي جعله من جنس من ذكره في سورة التقرير ني 
جواب القسم, ثم قبل ثم حرر القول فيه بالاستثناء. هيهات! هيهات! هيهات! النظر إلى 
الحق يصرف النظر عن القسمء عجبت لمن آمن بالله ثم يخدعه وهم الانفعال لكنه كل 
شيء بقضاء وقدر. استقام القائل» وأقامه الله على الحق بقوله: «وعند الله تجتمع 
الخصوم»م, وحسنت خخطبة المخاطب نفسه: يا نفس اعلمي أن الإضراب عن غير الله 
ملاحظة بعين الله. لله در من قال: «لا تخالط الأشرار فإمهم يمنون عليك» بالسلامة منهم 
عذرته» ومن قال: الله فقط! غبطته, ليعلم أن القاتل لأرواح الفضلاء في عالم الطبيعة 
والسعداء فيما بعد الطبيعة لا بد أن تقتله الطبيعة وتعذبه الشريعة. 

ما الذي حمل من استند إلى جدار وهم يريد أن ينقض! ما أظنهء والله أعلمء إلا كان 
الأمر عنده على معنى الحكاية» ولذلك انقلب إلى النكاية وشرع مجاز صحته في ابتداء 
الشكاية» هل على خليع مستصحب للخلاعة التي لا يصح معها صحو ولا عقل حد؟ أو 
هل لمن سكر من الله عهدء أو غبطة بوعدء أو هيبة ملك أو رعد أو تعب أو جهدء أو 
رب وعبدء أو كفر وحمدء أو رسم وجد؟ أو كيف لمن وحد الكيف» وملك الكم 
والكيف. وأكرم داخل الذهن الضيف, وقطع الام بالوهم لا بالسيف» ويحج إلى بجحده 
لمحيد لا إلى محل الرحلتين رحلة الشتاء والصيفء ويقطع العوالم العلوية والسفلية عنده 
أسرع من الطيف». ويصلى في مسجد السلامة قبل مسجد كذا أو مسجد الخيف» 


(1) رواه البخاري (1080/3)) ومسلم (1431/3). 


15 وساثل ابن سبعين 
ملاحظة غير معناه المستولى على همه؟ أم كيف لمن لا يطلق على ماهية بماهية عن ماهية 
ماهيته» ثم بما همي ماهية من المطالب الأصلية إلا هل ومن لعل العادة جادت براحة صد 
الولي كما أن حرفها جاءه على سبيل الإكرام من العلي الولي؟! سررت بمن حذقته العلوم 
وهذبته هداية المعارف. ودبرته نجاية العارف», وآمنت بمن وجد الحق فلم يجد بعده, ولا 
وجد قبله مع كونه قبله مع كونه قبل أن يجد وجد وذلك ذلك ذلك أسرار الله خرزانتها 
فؤاد الثابت المستقيم. 

لباك أن تنوهم ني أضعف رجال الله أنه يكترث بهذيان المتان» أو تتوقع جتان اللسان 
أو تهابه سطوة محان» أو إرسال السهم ومقاتلة السنان» أو همة ترفع عليه في الحتان. 

أو تقول: فاتتني ساعة في الدنيا ففوتتني جنة في الحنان» ومنة من الرحمن المتان. بلغ 
خلدي على لسان حالي ماهية الحمة الواصلة إلى ما رضيه الله» وبذلك الرضا لا يصح 
السخحط والرضاء ولا امحرك القريب والبعيد والأسباب إنها تقول يا جليل أنعم علي بجلالة 
بحجد من بعضها الأمل وبغاية قصد في ضمنه الأزل» وبعادة عون في عرفها المددء وبراحة 
قلب في قوته الوجل. 

ثم تقول: أنعم علي بخير يقطع الأمل لكونه هو الجامع المانع» فإما يعطي بغير مسألة» 
وإما يفعل بغير وساطة إلا الضروري الذي يستند إليه من جبة الافتقار المعقول لا من 
جهة الوجود الخاص أعني القائم بالولي» أو بكذا أو بأكثر من كذاء ووجدت أن الإنسانية 
التامة بعئت إلى العالم العلوي رسوها بأنها حرة عنه وذلك الرسول قصدهاء ثم بعثت إلى 
الممكن العام أنها خارجة عن حكمه ثم وجهت إلى الواجب في الممكن أنها منه في وقت 
ماء ثم توجبت هي إلى الواجب العري الذي يأخذ الوجود النائب عن المعتبر الأعلى 
ويربطه إلى الماهية القابلة المعقولة في المئل المعلقة وهي واحدة في الأمل الكلي والمظهرة 
في الأشخاص المنتصبة والظاهرة بمعنى الأمر الطبيعي وفي الأجسام سارية بالمشار إليها 
فيها. 

وبالجملة: هي كثيرة بالنظر إلى واحد واحدء وواحدة بماهية ماهية» وموجودة 
بمضافهاء ومعدومة بوجه ما إذا طلبت ذاتها المشار إليها وممكنة في الحكم المفروض 
وبالنظر إلى شخص شخصء وعرفته أنها خارجة عنه؛ ثم توجهت بعدما وجدت وغرضها 
الله بحيث لا يكون واسطتها هوء فإن استجاب عندها وجدته» وإن آنسها دون ذلك 
الوجود عبدته؛ وبلغني عن رسول حكمة الأحكام خليل رسول الأحكام أنها تقول: 
الميولى تنحل إلى أوهاميء» والصور المحردة تصدر عن تطوراتي» والنفوس المحردة المحركة 


رسائة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 79 
المعقولة في المياكل لأنها قوة شائعة فيها من بعض محمولاتي» والعقل القريب منها من 
بعض ملاحظاتي» وهكذا. 

والعقل الأول أو الفصل أو القلم أو القريب أو المعلول الشريف أو القضية أو النكتة 
الخاصة أو المظهر أرباب العوالم الكريمة أو صفة القديم مثل ذاتي المنسوبة. وهذا هو أيضًا 
كذلك؛ لأنه كلامنا والظاهر على ما هو بسبيله لا أنه أعنى هذا المعنى يفقد هذا أو يفوته 
وجبه الأعز. فإذا كان حال القوم هذا الحال» وأمرهم من قبيل هذا الأمل» وشأنهم هذا 
الشأن كي يطلب زعيمهم بسياسة أخس أضداد مع كون العوالم كلها عنده على كمالها؟ 
وزياك أن يخط لك اعتراض الدعوى وميله إلى تعظيم نفسه فإنه يصدق جميع ما قاله على 
الله» والذي يجد نفسه على معنى هو مؤلف من الذلة والصغارء ومن عزة الطاعة والناموس 
ووضع الشيء في محله وجعل ما ينبغي على ما ينبغي وني الوقت الذي ينبغي له أن يزهد 
ويتواضع بحسب المواطن المعروفة» ويفزع إلى حفظ العادة وإلى أهلها. وهذا الرجل قد 
برأه الله من ذلك كله. 

وقد كان في ذلك قبل هذا عجبت ممن يبحث عن سعادته الثالئة التي يصعب عليه أن 
تجد لهء وأنها هي التي يجد بها الإنسان جميع ما يوافقه ويلائمه في حياته ومماته» والتي 
يمشي بها نحو الصواب في المدلول الشرعيء وهي مدلول رضوان الله الكريم ثم يبمل 
طريقها بكونه يركن إلى غير ركن الأين الجوهري الذي هو التفويض المطلق أو السكون 
إلى أخباره الطيبة أو مدافعة ما بالمعنى الذي لا يختل معه الحال» ولا يصعب معه القيل 
والقال» ولا يفوت فيه للمحقق أن يكون مع الله على أي حال كان بالنظر إلى الأوّليات 
والسوابق وبالوجه الذي يصح فيه وبه رضوانه المعروف بعامل الشريعة المنكر عند قائل 
الحقيقة. 

ثم أضاف إلى هذا الذي هو مادة الهذيان المضححكك هذيائًا إذا أخبر عنه استعاذ منه 
الرجل الذي أهمل المصالح العامة والخاصة على الإطلاق. وذلك الشيء المضاف هو 
نصيحة شخحص لا يستحسنه العقل ولا تحض عليها الشرائع ولا يسلهما المعروف ولا 
يمشي معها مصلحة مبطلة فتعقل أو مصلحة فتثبت أو تنقل. 

وقد قام البرهان على أن الأعلى الرئيس لا يدبره الأددنى الخسيسء فإما وهم وقت 
الغفلة عن خبره الكريم بوهم أوقع عنده خوفّاء وإما كان في فترة من الجميع» وإما أخذ 
القبقرى وإما اجتهدء وذلك الاجتهاد ظنه به أنه يحفظ الوقت به وأنه بذلك على طريقة 
شرعية بل صوفية وتحقيقية. وهذا من انجرار الأوهام وبقية جهل وهي أحسن مما تقدم 


50 رسائل ابن سبعين 
وأصعب للزوال لأنما غالطت الواصل. والقوي هو الذي يغلب القوي بالله عليك يجمل 
بعارف أو بمحب في المعرفة أو بقريب منها أو بقريب من القريب وهكذا إلى غاية الإعياء 
أو ينحط. 

وكلامنا لمن علم النازلة والنفس الشريفة والأخرى النازلة» أو لمن يفهم الفائدة العامة 
بحسب الخطاب العام إلى رتبة تحطه في مقام السؤدد والمعنى المسود الذي به يقال 
للفاضل: أنت الأوحد ويقعده في هيولى جهتم السيئة هو ذلك الكلب الأسود. 

أني اللاهي قدرة على الله؟ هل ني معاملة الله بحاز أو بالباطل على الحق يجاز؟ من كان 
الله ضالته يطلب الأنعام» ويتوهم أنه تعرض للإنعام. هيهات! لا شك في الله ولا شيء أعز 
من الله» ولا موجود على الإطلاق لا يفتقر إلى الله ولا إله إلا الله. 

اعلم أن لا حول ولا قوة إلا بالله. يجب عليها الأدب والاستغفار عند الخواص إذا 
تمت على سدادهاء فيكف قول أنت أنت لمن إذا أطلق القول عليه مع العدم بترادف 
يسأل عنه المتكلم لأنه أضاف بعض المعلومات على رأي بعض الناس إلى شيء لا ينسب 
لشيء من هذا كله عند كل الناس! فإن كلمة: «لا حول ولا قوة إلا بالله» إن كان قالها 
وهو لم يعلمها إلا وقت همه وامتحانه فهذا فيه ما فيه» وإن كانت الحنة هي التي ذكرته 
فأنحس وأخس. وإن كان استعان بالله على بعض أفعاله فهو من الأمور المضحكة» وإن 
كان قاها عبادة» فأمره يتحمل وينحط عن رتبه الخواص. وإن كان قالها دون شيء ولا لما 
معتبر إلا مفهوم الذكرء فذاته أولاً. 

وبالجملة هي كنز من كتوز الحنة» وكنوز الحنة هي من بعض أسباب بعض منّه. 
واعلم أن الذي يطلب الحنة ولا يعتقد أنها سبب القرب إلى رؤية الله: فأهل النار أحسن 
منه بالنظر إلى همته ومن جهة تعظيم المطلوب لا بالنظر إلى سخخط الله. 

والجنة من جملة اخيرات التي تراد لغيرهاء هذا عند الضعفاء وني سلوك الأرواح وهمم 
بعض الحردين. 

وبوجه آخر لا يهمل الوجود على أي وجه كان وني أي مظهر تصورء ولا يتنوع في 
ذاته الموجودةء والتقديم والتأخير لا يغتبط به السعداء. من نصح وأجاب فهم من 
الضعفاءء وإلا أن تكون النصيحة من بعض أخباره المهملة والناصح ضد ذلك التاصح. 

إيه! بالله من أقدم: المجاز أم الحقيقة؟ وكلامنا من حيث أصوطا. فان المجاز مع الحقيقة 
في مفهوم العرضء غير أن الحقيقة ترجع إلى الحق» والحق يرجع إلى الله من حيث هو أهم 
ذات له. والمجاز ينصرف إلى آفعاله» وصفة ذاته قديمة وصفة فعله حادثة» والأمر فيهما 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 5 
ظاهر جدًا. يا هذااتعلقك بالقديم وإن كان على وجه ما بعيدًا وفيه معقول المثلية هو 
الأكمل وهو الموصل وهو هو فاعلم ذلك! سقطت مكالمة من كلم غير الله عند أهله. 
وإذا أردت البرهان على ذلك خذ نفسك بإنكاره فإن لم تستطيع فاعلم أن الأمر صحيح. 

وجميع من قال: وجدت الاستغناء عن الله أو رأيت في الوجود غير الله قل له: هذا من 
جبة العادة فقطء أو من كونك لا تعلم إلا المحمسوسات, أو من كونك توهمت أحوال 
المؤمن والكافرء وكونك تقول الضرورة لا يختلف فيها أحد. وأي منفعة للعلم إذا كان 
الله في غاية الوضوح! وهذا كله محض الأوهام والحرمان. وبعقد هذا كله بصناعة التحليل 
والتركيب في الشيء الواحد يظهر لك مدلول قولي. لاشيء أغرب عندي من رجل يقول 
الله بلسانه ثم يحرره بقلبه» ثم يطبقه على توجهه, ثم يجده في جملته ثم في خارج ذهنه ثم 
في الجميع من حيث ذلك الإجماع؛ ثم من حيث ينزع إليه» ويفتقر ثم يشعر ويشتغل؛ 
ومع هذا تبدده مع ذلك خطرات نفسانية ووساوس شيطانية» ومع هذا لا يعلم عنها 
وبغفلته عن تفقد محاربتها يكون منها أهلاً وسهلاً بثبوب الهمة على مضافها. وسلام الله 
ورحمته على ذواتها! بأي دليل أو بأي حجة أو بأي عذر يصح الخروج عن قصد الله 
الصحيحا وما أحسن روحًا يقرأ عقب التفكير في النومن إذا نرّع الوهم بينه وبين 
قصده بلسان حاله: لإنكَ لا تبْدي مَنْ أحَبَبْتَ ولكن الله يبْدي من يَشَاء» [القصص: 
١ ]66‏ أي هن رقت عنه! كاراق الورهات ليطا قبل ليون لاخر رالا ولي بل كانت 
الحكمة العلوية تعطى قبل الإغهية» بل كانت السعادة تستعظم قبل معرفة التوحيد المعتبر 
الذي لا تلتفت السعادة معه والموحد في حالهء فإن ذلك يجر إليه الشرك لكونه يقسم 
بساطته وإن لم يركبهاء فإذا زال عن ذلك لا أنه زال بمعنى مفهوم كانء وإنما ذلك مما 
يشعر به في مدلول حد ورسم ووصف أو في قوة ذلك بل لا شيء إلا محض الوجود. 

إلى الله أشكو أنسي وسروري! خذ نفسك يا صاحبنا بالتشبه بالجليل» وعظم سنة 
الحبيب والخليل» ولا تنصف بصفة معلل التعليل. سبحان الله سبحان اللهء سبحان الله! ما 
شاء الله كان حسبي الله! 

إبه! بالله عليك يا أيها الباحث السالك: ما الذي زادك في عادتك حتى تهت في فلاة 
هفوتك تيه التالف الهالك؟ هل ضاقت عليك المسالك؟'أم جهلت حج حجتك لا حج 
المناسك؟ أو خدعك باطل المموه بسيره المنقطع الناسك؟ بحياتك» بأي وجه تصرف 
وجه وصول نعمة النهاية من مقابلة مرآة الهداية» وتوجهه إلى غير أصول البداية؟ وبعيشسك 
أخبرني عن بصيرتك: هل جازت على سيرتكء أم كادت على حاكم سريرتك؟ 


52 1 رسائل ابن سبعين 

أعوذ بالله من عدو الله الذي يصد العديم عن طريق الرحيم» ويحمله إلى حيز اللعين 
الرجيم! خطر لي أن أنتصحك» فاقبل نصيحتي. 

وحاصلها: يا هذا إن استطعت تكمل إنسانيتك وتحررها من رق طلب كمالاء 
وتجردها بتخصيص مبهمل جمافاء وتحسنها بتفسير بحمل فصوطاء فانقطع في مغارة الفوز 
حيث انقطع المحققون, تجد شرة الحد التي تثمر الحد وهي واحدة تولد واحدة مثل شجرة 
الموزء وهي الإنسان النبيه أنفع من أبيه؛ واكشف للعلوم من أبيه» ومها يحصل المعنى الذي 
هو المتقدم منه يتلف بوجود المتأخر مثل النبات المسمى قاتل أبيه واصبر على مكابدتهاء 
ولا تستوحش من وحش حشوهاء ولا تمرح في ميدان البطالة حيث تختبر مطايا الباطل. 

وفرٌ عن فحشها فإن مركوب الحوى يعثر في التلف براكبه ويهوى في الهاوية بصاحبه. 
واستجلب في تلك الغربة للغريب» وكلم بالمقرب المقرب القريب» واعتمد على ما ني 
حاصل جنانك لا على غرب لسانك ومهتان برهانك» فإن همام. الدنيا مهمومء وذمام العليا 
فيها عند الله مذموم ثم دم على إحسانك وليمانك» فكم بين خوفك وأمانك! وإن أردت 
تعجيل مدلول هذه الوصية الصاحة التي تجارتها رابحة وسعادتها ناجحة» وموازين رشدها 
راجحة تأمل شخوص عين روح حبيب الحليل وانتقال وجه توجه قلب الخليل» وكيف 
بت ملاحظة هذا حتى وقعت العين على العين» ولم تُحُوج إلى الكم والكيف والأين وما 
اشتغل بمدرك مقدر في البسيط» أو محمول في المركب. 

واطلع على الملكوت قبل تصفح أحوال الكوكب والفلك الأطلس والمكوكب». 
وكيف استقام تصفح هذا ومتابعة الأشياء العسيرة شيثًا شيئاء وسبر مساحة افتقارها 
بطول التأمل الخالص المخصص في الطول والعرض حتى حصل الحاصل الأول المعلوم 
الأول عند الأخير الأول» فاطر السموات والأرضء فأظهر الله عبرة الأول لأهل البصائر 
والسرائر وعبرة الآخر لذوى الأبصار والإبصار بالصنائع لا بالضمائرء هذا مع الحال 
والخبر والآخر مع الفكر والأثرء أدرك آخر أمره أول أمر ذلك» ولأجل ذلك ما هو 
كذلك, ولا يسع لسان الإنصاف إلا أن يقول: يا والداه! لست من رجاله. ولا رجالك 
كرجاله» هو غريب في بحاله» وني أفراحه وأوجالهء وحقق النظر فيها واحفظ الآثر 
المسموع من فيهاء وإن هممت بالاستقلال قبل الاعتدال فاعزم على قطع وهم الاختلال» 
ولا تضر نفسك بمضرتينء والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. 

وبالجملة: عليك بالشريعة» فالسعيد من تعلق بأذيالهاء وزلزل نفسه زلزالهاء وأخرج 
بالخشية من عينه أثقالهاء ورفع بقوة التبعية عن النسمة أوحالهاء وكان بحيث تكاد فراسته 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 53 
تحدث أن الله أوحى لما: حبيبنا صاحبنا مديرنا!. يا نحن» يا هذاء بل يا أنا! عصمك الله 


(1) قال السيد مصطفى البكري: اعلم أن الشريعة هي الباب واللياب» التي تهدي إلى صواب الصواب» 
وأول واجباتها معرفة رب الأرباب على طبق السنة والكتاب» وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: معرقة 
عوام؛ وخخواص» وخواص الخواص. 
فالأولى: معرفة ما يجب وما يجوز وما يستحيل في حقه تعالى» وكذلك في حق رسله. وهذه 
واجبة على كل مكلف؛ للا يشتبه عليه الحال فيقع في الخيال» وليسلم من ورطة التقليد في 
التوحيد. ١‏ 
قال صاحب الجوهرة: إذ كل من قلّد في التوحيد إيمانه لم يخل عن ترديدء وكل من طلب الثانية 
ولم يحكم الأولى كان جاهلاً بالله؛ فإنها أولى وأولى» ويجب على صاحب هذه المعرفة أن يطلب 
العلم الواجب في حقه؛ ليكون ممن يعبد الله على بصيرة» وإلا كان ما يهدم أكثر مما يبني. 
ففي الحديث: «ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من غير عالم». 
والعالم العامل هو الورع المشار إليه بحديث: «ركعتان من رجلٍ ورع أفضل من ألف ركعة من 
مخلط». رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس. وإلا فمع الحهل أين الورع. 
والثانية: معرفة آثار الأسماء والصفات» وظهور أنوار تلك الآثار في القلب ليخلص صاحيه من 
الآفات» وطريقها تسيير الأوقات بالعبادات» وتزكية النفس وترك المخخالفات» والجلوس على 
بساط الفقر والانكسار» وشغل القلب بمراقبة العزيز الغفارء والاقتداء بأستاذ شبدت بصحة 
عقيدته وكماله العارفون» وأقرّت بحسن منازلاته ومواجيده الواصلون» ليسلك ليسلك به مقام التعلق» 
ويرقيه إلى التحقق» ويوصله إلى التخلق» وهناك يدرك الأسرار بطريق المنازلة والذوق» ويأكل لا 
من تحت الأرجل بل من فوق» وطريق التصوف عند السادة الصوفية» كله تخلق بالأخلاق 
المصطفوية» فمن زاد تخلقه زاد تصوفه. والتخلق يحتاج إلى السلوكء وهو يفتقر إلى المرشد 
العارف. 
قال الشعراني و في الميزان: أما سلوكك بغير شيخ فلا يسلم غاليًا من الرياء والحدال والمزاحمة 
على الدنياء ولو بالقلب من غير لفظء فلا يوصلك إلى ذلك» ولو شهد لك جميع أقرانك بالقطبية 
فلا عبرة بها. وقد أشار إلى ذلك الشيخ محبي الدين في الياب الثالث والسبعين من الفتوحات 
فقال: ومن سلك الطريق بغير شيخ ولا ورع عما حرم الله فلا وصول له إلى معرفة الله تعالى 
المعرفة المطلوبة عند القوم ولو عبد الله تعالى عُمر نوح اللقة». 
ثم إذا وصل العيد إلى معرفة الله تعالى فليس وراء الله مرمى ولا مرقى بعد ذلك» وهناك يطلع 
كشفًا ويقيئًا على حضرات الأسماء الإهية» ويرى اتصال جميع أقوال العلماء بحضرة الأسماء» 
ويرتفع الخلاف عنده في جميع مذاهب المحتهدين لشهود اتصال جميع أقوالهم بحضرة الأسماء 
والصفات. لا يخرج عن حضرتها قول واحد من أقواههم. 
وهذه المعرفة نتيجة التخلي عن الأخلاق الذميمة» ' والتحلي بالأوصاف الكريمة» فأمرت التجلي 
بالأسرار العظيمة» وفي الحديث: «الأخلاقٌ مخزونة عند الله تعالى» فإذا راد الله تعالى بعيد خيرًا 
منحه منها ُلقَام. وقال يَقُ: «إنا بُعنْتْ لأهمم مكارم الأخلاق». 


84 


رسائل ابن سبعين 


قال صاحب عوارف المعارف: «فالصوفية راضوا نفوسهم بالمكابدات والمجماهدات حتى أجابت 
إلى تحسين الأخلاق» فنفوس العياد أجابت إلى الأعمال وجمحت عن الأخلاق» ونفوس الزهاد 
أجابت إلى بعض الأخلاق دون البعض» ونفوس الصوفية أجابت إلى الأخلاق الكريمة كلها». 

والثالثة: معرفة كنوز أسرار الذات العَلَيّ وهذه المعرفة خاصة بأكابر المحققين من الأولياء 


الرّاسخين. 
وطريق هذه المعرفة لا يكون إلا عن محض المئة» وكرامة صاحيها استقامته على نمج الكتاب 
والسنة. 


قال أبو يزيد البسطامي قدّس الله سره: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى تريع في 
الهواء» فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنبي وحفظ الحدود وأداء الشريعة» 
ولما قصد زيارة ذلك الرجل المشهور بالزهد ودخل المسجدء, رمى ببصاقه تجاه القبلة» فانتصرف 
ولم يسلّم عليه وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله يع فكيف يكون مأموئًا 
على ما يدعيه؛ فائًباع القدم المحمدي نعمة وأي نعمة» والزيغ عنه نقمة لا يماثلها نقمة» فإن شوم 
هلاك الدين لا يعادله شؤم, نعوذ من ذلك بالله الحي القيوم. 

وإذا نظرت بعين التحقيق في هؤلاء الرنادقة المنابذين لأهل الطريق لم تر عندهم غير شقشقة 
اللسان الخالية عن الدليل والبرهان» وإذا بحثشت مع أحدهم أسفر وجبه عن أخلاق اليغال بكلام 
أبرد من برد العجوز؛ لتمثله في وصف النعال. 

ثم قال أيضًا: وقد رأيت في بعض الرسائل حديئًا مرفوعًا وهو: «الشريعة مقالي» والطريقة أفعالي» 
والحقيقة حالي». 

وعلى تقدير صحته فالشريعة: البيان» وهو بالمقال وما ينطق عن الحوى وبالأفعال» وهو أبلغ 
فاتبعون يحبيكم الله والحال ما ينتجه البيان فعاد الأمر إليه. 

قال سيدي محبي الدين قدّس الله سره ني كتاب «التراجم» ني باب ترجمة الشريعة والحقيقة: 
لطيفة: يخيل لمن لا يعرف أن الشريعة تخالف الحقيقة» هيهات بل الشريعة عين الحقيقة» وأن 
الشزيعة جسم وروح» فجسمها الأحكام وروحبها الحقيقة» فما ثم إلا شرع. لطيفة: الشريعة 
وضع توضوع وضبعد اللق في عيادةء اقمنة مسموع وكير مستموع افلهذامن الآتياه بويع وخير 
متبوع, لإوَلاً تكُوُوا كَالْذينَ فَالُوا سَمِعْنَا [الأنفال: 21]» كمثل الذي ينعق بما لا يسمع. 
وقال في فتوحاته في باب الشريعة: الشريعة من جملة اللنقاء ثق» فهي حقيقة لكن تُسمى شريعة» 
وهي حقّ كلباء والحاكم بها حاكم بحقّ مئاب عند الله؛ لأنه حكم بما كلف أن يحكم به» وإن 
كان المحكوم له على باطلء وامحكوم عليه على حق فهل هو عند الله كما هو في الحكمء أو كما 
هو في نفس الأمر؟ فمنا من يرى أنه عند الله كما هو في نفس الأمرء ومنا من يرى أنه عند الله 
كما هو في الحكم. 

ثم قال بعد كلام طويل: فعين الشريعة عين الحقيقة» والشريعة حق كلهاء ولكل حق حقيقة؛ فحق 
الشريعة وجود عينهاء وحقيقتها ما ينزل في الشهود منزلة شهود عينها في باطن الأمرء 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 539 


فيكون في ذلك الباطن كما هي في الظاهر من غير مزيدء حتى إذا كشف الغطاء لم يختل الأمر 

على الباطن. 

ثم قال: فما ثم حقيقة تخالف الشريعة؛ لأن الشريعة من جملة الحقائق, والحقائق أمثال وأشبا 

والشرع ينفي ويثبتء فتقول: 9إلَيْسَ كَمَئله شيء وَهُوَ السميعٌ الببصير» [الشورى: 11]؛ وهذا 

قول اللحقيقة بعينه» فالشريعة هي الحقيقة. 

وأطال في ذلك. وقال فيها أيضًا: ومن جملة آداب الحق ما نزلت به الشرائع. 

وقال: لما كان الأمر العظيم يجهبل قدره ولا يعلم» ويعز الوصول, إليه تتزلت الشرائع بآداب 

التوصل؟ ليقبلها أولوا الألياب؛ لأن الشريعة كَِ العقل والحقيقة كك الشريغة. فهي كالدهن في 

اللب الذي يحفظ القشرء تلات يقال لخن ولقاضر يلظ اليه كذلك العقل يحفظ الشريعة 

والشريعة تحفظ الحقيقة» فمن ادُعى شرعًا بغير عقليٍ لم تصح دعواه» فإن الله تعالى ما كلف إلا 
من استحكم علقه: ما كلف بحنوئًا ولا صييًا ولا من خحرف» ومن ادُعى حقيقة من غير شريعة 

فدعواه لا تصح. 

وهذا قال الحنيد: (علمنا هذا يعي علم الحقائق الذي نجا به أهل الله مقيّدٌ بالكتاب والسننة: أي 

أنه لا يحصل إلا لمن عمل بكتاب الله وسنة رسوله وَل وذلك هو الشريعة» وقال: إن الله أدبني 

فأحسن أدي. وما هو إلا شرع له فمن تشرع تأذّب» ومن تأدب وصل). 

وفال سيدي عبد الله بن أسعد اليافعي رحمه الله تعالى في نشر المحاسن: 

اعلم أن الشريعة الشريفة المنيفة مشتملة على قسمين: علم وعملء؛ ثم العلم من حيث الجملة على 

قسمين: ظاهر وباطن. 

والظاهر على قسمين: شرعي وغير شرعي. 

والشرعي على قسمين: فرض ومندوب. 

والفرض على قسمين: فرض عين وفرض كفاية. 

وفرض العين على ثلاثة أقسام: علم صفات القلب وعلم أصل» وعلم فرع. 

وقد مثلت لهذه الأقسام وغيرها من أقسام العلوم» وبيّنت المحمود منها والمذموم» وأوضحت ذلك 

في خحاشمة كتاب شرح التوحيد. 

والقسم الثاني من التقسيم الأول وهو العمل على قسمين: عزائم ورخص. إذا علم هذا فاعلم أن 

الحقيقة ذات المعاني الرقيقة والعلوم الدقيقة مشتملة أيضًا على قسمين: علم وعمل. 

والأول منها على قسمين: وهبي وكسبي. 

فالوهبي: علم المكاشفة» والكسبي على قسمين: فرض وغيره. 

والفرض على قسمين: فرض عين وفرض كفاية. 

وفرض العين على ثلاثة أقسام: علم قلب وعلم أصل وعلم فرع؛ كما تقدم ني العلم الشرعي. 

فهذا العلم الكسبي الذي هو أحد قسمي علم الحقيقة هو علم الشريعة» والقسم الثاني من 

القسمين الأولين وهو العمل هو القسم الأول من قسمي علم الشريعة الذي هو للعزائم» وهو 


56 رسائل ابن سبعين 


وإيانا من الزلل» ومن علة الملل والخلل» ومن القبيح في كل الملل والكسل إن أخبرك 
الوسواس حال هفوة ما بضد هذه النكتة» ويخطر ببالك أنها جاءت على جهة التوبيخ 
والحدلء وإنها من قبيل الحكايات والمئل» فاخرج عن خيال هذا الخاطرء فإنه لا يجمل 
بالقاطن ولا بالخاطرء وادفعه بقوله صَبَكْ: (وَكَانَ الإنسَان أكثْرٌ شَيّْ مَىء جَدَل» [الكبف: 
4 بل بقوله تعالى: طبنْس للظالمينَ بَدَلا [الكبف: 50] 9 سلام الله على 
أهله وأهلها من كل الجبات وعلى المنيب كذلكء, وعلى القريب من ذلك» وعلى من هو 
دون ذلك ومن كان بضد أولكك أو ذلك فعليه سلام الله عادة وشريعة فقطء وإن كان 

هذا كتاب أكثر فوائد من الأربعين» نعم ومن المائة المتوجهة» ومن الثاني ثم الثالث. 

ومن فهم مرادي فيه كان في زمانه بل في قرنه لا ثاني له ولا ثالث» وفيه معان تدهش 
الشايب والناشئ ؛ يعلمها العليم» والضد يعترضها بالصنائع وبالقيل والقال صحبة العرف 
الفاشي . 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. 

الله فقط: خذ نفسك اليوم بتحسين أخبارهاء واجتمع في ذاتك بالكلية» ويصلك فتح 


مشتملٌ على سلوك طريق الحقيقة» والطريقة المشتملة على منازل السالكين تُسمّى مقامات 
اليقين» فالحقيقة موافقة للشريعة في جميع علمها وعملها وأصوها وفروعها فرضها ومندوبهاء ليس 
بينهما مخالفة أصلا. 

نعم هنا شيئان من العلم والعمل أحدهما: علم صفات القلب» فأهل الحقيقة هم به اعتناء واهتمام 
جداء وسلوك طريقتهم موقوف على معرفته وتبديل صفاته الذميمة» وأكثر أهل الشريعة مهملون 
ومتهاونون فيه مع كونه فرض عين في الشريعة والحقيقة بلا خلاف. 

وأما القسم الثاني من قسمي علم الشريعة وهو الرخص» فأهل الحقيقة من حيث العلم والاعتقاد 
لا يشكون بأن ذلك حق والعمل به جائزء لطفا من الله تعالى بعباده» ورحمة مهم في التحفيف» 
ورفع الحرج عنهم. 

وأما من حيث عملهم فلهم ني العمل طريق في شواهق الحق على شوامخ جبال عزائم الشريعة 
الغراء؛ يسلكون فيها إلى الله تعالى بتوفيقه وعنايته: وجميل لطفه وصياتته وعرة العقاب صعية 
الذهاب» منهم من يقيم فيها سبعين سنةء ومنهم من يقطعها بتوفيق الله في سنة» وبعضهم ني 
شهرء وبعضهم في جمعة» وبعضهم في يوم» وبعضهم في ساعة» على حسب معونة الله الكريم 
وتقدير حكمة العزيز العليم. انظر: السيوف الحداد (ص 60) بتحقيقنا. 


وسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 5 
الله المشخحص. ثم اقطع ذلك الخبر بعينه وفرق المجتمع تصل بذلك إلى الله ويفتح به ما 
تشاء. وهذه أدوات الخواص لصنائعهم المحصلة في جملة من فطرته وواسطته إلى ما فيها 
بالقوة. الله يعلم أن كلام الرجال نوره المرشد» وهو يعلم أنهم نوره المستعارء وهو محيط 
أنهم نعمته الكاملة. من توجه إلى حبك به اصطفه. فإنه بذلك أنت المحرك, ولا تهمل حقه. 
ومن كان بالعكس عامله بحسب ذلك. إن أنت قلت آه من غير أجل الحق» وفي ذات 
عادتك فآه آه آه على ضميرك الراجع إلى وهم نسبتك الواقفة» وإن قلت ذلك من أجله 
بالجملة فنعم الحال ونعم الوصف ونعم ما قلتء غير أنك غير الذي تختاره في وهم 
كمالك وإن كنت ذلك في ذات شكل مألوفك طاب عيش من جمع واحد على شائله. 
الحمد لله على كنهه المكتسبء وأعوذ بالله من أضداد التوفيق. «أفي الله سكم 
[إبراهيم: 10] لقد طال عذاب من بحث عن الله! وما أطيب عيش من أشار إليه أو 
وجده! سلام عليك! ما أشوقني لصالح حالك! والحمد لله وحده. 

الله فقط: يا همام! اهتمامك بماهية هبتك هو سك الأهمء فعجل باهتيال عين 
كمالك؛ ويكون شوقك إليه لا يتبدل إما العمر كله وإما في أكثر الزمان» فإنه وَكْدُك الذي 
يجب أن تحصله ماهية قرة العين. 

سلام الله عليك ذلك الصاحب أهلاً وسهلاً بك يا بد الغبطة» كيف حالك الثابت؟ 
لقد همت النفس النفيسة بالكمالء وهم ما لولا أن رأت برهان ربها. فلو أبصرت برهان 
ذاتها لم يعرض هو ولم تستغفر هيء يا أسفا على الحهل بجميل جمال يوسف! لمن توجه 
إبراهيم إلى آخخر من نظر فيه أو إلى أوله أو إلى وسطه أو إلى ما بعد ذلك ولا هو باللجملة 
غير ذلكء أو إلى أمر لا يوصف بالوجود ولا بالعدم أو انصراف إلى المتوجه وعن من 
أعرض في ذلك وانتقل. 

إنا لله وبه ولليه راجعونء بالرجوع الذي لا يعقل القبل والبعد والقرب والبعد ولا ني 
بحموعه حجة مكانه الخلة جعلته يحج الكنعاني بالقول وماهية مشارها وغايتها صرفته في 
مدلول طلب المذكور بالفعل بعد ذلك؛ لأنه ظفر بالكيفية أدرك التصرف فيه. 

فنعم ما فعل في تطورهء ثم ني كشف المذكور الخاص» ثم في توقفه ني المقدرء قم ني 
تصريفه في بعض آثار المألوف! لا بد لكل رجل من يوم وكوكب وضاعة في ذلك اليوم 
وحكم لذلك الكوكب. وأنت يومك يوم الأحد» وساعتك أوله» وكوكبك الشمس» وهو 
صاحب اليوم» وهو أول الأيام. ولا بد لكل عارف من مقام ولو كان فوق المقامات 
لكان مقامه إلا مقام» ومقامك التوحيدء وأنت في وقتك فيه واحد الحال فأنت أَحَديّ من 


58 رسائل ابن سبعين 
يومك ومقامك وحالك. فانس نفسكء ولا تكترث بما كان في تلك الساعة» أعني ساعة 
الاختبار في يوم الجمعة الفارطة» فهي الساعة المشار إليها فيه» بل هذه تزيد عليها ولأنها 
كانت داخل الذهن وخارجه وصحبة الاستعمال والتشبيه بالخواص والظفر بخواصهم. 
ولولا أن الخير لا يتوقف لقلت هي هي وأمرك كان الكاشف لما حتى أنك لو أرحتها 
لعلم وقت الساعة المبحوث عنها. فاحمد الله على نعمة التخصيص.. 

واستعذ من أهل السبت» أهل الذل والتخسيسء فهو اليوم الذي ذل به أهله قبل. 
والمنتسب إليه في وقتنا هذا وكثير ما بين من ينتسب إلى الأحد ويقال له الْأَحَدي» وآخر 
ينسب إلى أهل السبتء ويقال له لذلك لا بغيره السبتي. ْ 

استقام الموحد على صراط وحدته وتوحيده؛ لأن الوحدة المحضة لا يمكن فيها الحيرة 
فإنها لا تصح في أكثر من واحد. وهذا الصراط لا امتداد له» وهو أقرب إلى النقطة من 
الخط. 

بحياتك لا تلتفت إلى الموتى» وبعيشك لا تتحدث إلا في عيش الآخرة» وبحق الحق 
لا تسال عن أهل الباطل» قل: ِكل اللْبُمَ مَالكَ الملكي» [آل عمران: 26]» وقل: 
10 هُوَ اللَهُ أَحَدُ خذ4 [الأخلامن. 1]ء قل« قُلْ أَغْودُ برب الْفَلَّقِ © [الفلق: 1] قل 
١‏ قل مر برب الثاس» [الناس: 1] من الوهم ومن الكون بعده ومن المقدر 
والمألوف ومن من وأمثاها لأنها تعلق بغير حقء ثم قل: 8 قُل يا يبا الْكَافرُونَ» 
[الكافرون: 1]ء فهو حالك مع ذلك الحالك إلى آخرها. لو كان فيهما موجود غير الله 
لكان الله وبالوهم لفسدت. حافظ على القضايا والقضية الوسطى من كل الجبات. 

ليش تقول إذا قيل لك: من أنت؟ ما يكون جوابك إذا قيل لك: < آلا ! لَهُ الْخَلق 
وَالأَمْرُ 4 [الأعراف: 54]؟ بماذا تستدل على ثبوت العالم وأنت قد سمعت ترجمان الغيب 
يقول: أصدق كلمة قالها الشاعر كذا وكذا ويا حق: «أفي الله شَكُ»». خير الكتب من 
كان ختامه مسك ومسك لأن ذلك لا يكون إلا من أجل أمر ما عظم وآخر بعده أعظم 
منه. الله أعلم حيث يجعل تلك. والسلام على غاية قصدك منك وفيك. 

الله فقط! يا قرة العين في الغالب أو بالقوة! بالله عليك اعتدل وأملاً صدرك من اللهء 
ثم قسم ذلك النصيب الشريف على جملة قواك الروحانية والجسمانية» وافعل بحسب ذلك 
ثم افعل بحسب ذلك ثم افعل» ولازم حب الله حتى يظهر أو يظهر جاه ذاته بالذات ني 
الذات» وما أجل ذلك ولو كان مرة في العمر! وكثير بين من يتطور في الأحوال» وبين 
آخر بذلك النصيب بحقه على مهجتك الخحليلة» خذ نفسك التفيسة باستجلاب ذلك» 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 89 
واحمل عليها تلك الحلاوة» يا بغية الخدين! طال تنبيه الناصح المتبه» فانتبه» فإنك بقولك 
لا بفعلك ولا بمقامك له وبه وقال: « قُلَ مَمَاعٌ الدَنيًا قَليل 4 [النساء: 77]» حتى 
امتحانها وقواطعها. كيف يخاف عرض 0 من هو جوهر الذات» وآنيته تالية» وفي 
مقابلته الأسوذج المترجم عن القبول» وبين عينيه نوره الكاشف وريه النص على رأس 
مكانته» وقلم الظفر يكتب: والحمد لله ل نعمهي» ولسان العز يقول: كلم الله هي 
الْعُلْيَاك [التوبة: 40]؟ من قر بالله يتبغي أن يفهم مدلول إيمانه ويحرره بالصدق الرابط لا 
جزاء علة الوصول ويصرفه في كل أحواله ولا يجتمع من الحلو والمر أعني من المعتقد. 
فإن الجميع عن الله فقط بل يصير أو يتلذذ ويجمع بين الأحوال المكتسبة والطبيعية 
والمألوفة الجارية في محرى المكتسبة» ثم ينظرها بنظر آخر أقرب من الأول إليه بل بآخر 
أقرب من الأول إليه» بل آخر أقرب من ذلك ثم يلاحظ القضايا منه بالفعل» وإن كان 
الوهم يمنع ملاحظتها فقد يعلم ويتأنس بالنكتة المرتكزة المؤققة. ظ 

من قال: «الله معي والله شاهدي والله حاضريء والله محيط بكل الأكوان» المقدرة 
والحاضرة والذاهبة وبجميع ما هو من هذا القبيل الذي ينسب بالإضافة إلي ولا يصح إلا 
بوهم العبودية كيف يخاف أضعف الأوهام؟ ارجع البصر كرتين. عجبت من أمرك حتى لا 
شيء عندي أعجب منه: مرة تتحقق المطلوب وتتشوق إليه وتكون معه بكلك وتحتوي 
عليها وتستقل أو تستجهل سهل بن عبد الله بل سهل بن مالك» وأخرى تنقلب إلى ضد 
ذلك كله حتى يستخف منك المضمار على لسان حال سحنون من أتباع مالك. 

بأي حق تبدل حضرة الحق بحضرة الشيطان؟ أعني ما الذي حملك على تخصيص 
الوهم وإهمال الحق؟ كف عن متابعة التوقع واقطع حبل التذلل بمدية التدلل» واجمع 
الأشياء إليه واحكم عليها به وانظرها منه» ولا تنكر الله على أي حال كان. ولا تحب منه 
البعض وتكره البعضء أعني من حكمه وأفعاله وما تعلم منه وما هو عليه. بالله عليك لا 
تلتفت إلى وهم المبطل المموه الغبي» فإنه قتيل سنانه ومذموم لسانه ومخزون جنانه وجاهه 
قد سقط من عين الأمل المحمود سقطاء ورزقه لو مر عليه الطائر الخائف للقطه لقطًا. لا 
تقل إلى الله أشكو بثئي وحزني وأنت محمدي الطريق ؛ وافهم ما جاء في قوله: طاذكرني 
عند رَبْك»# [يوسف: 42] من حيث حال يوسف الصديق» وفكر في فكر أبى بكر 
الضيديق الوقوف مع قوله: لكل كُل منْ عند الله» [النساء: 79] صرف الوجه عن 
ملاحظة مقام الدعاء والغبطة بقوله: ِل عل َمل على شاكتده» [الإسراء: 84] وقف 
تردد الذهن في قوله تعالى: طوَرَبُكَ يَخْلّقْ مَا يَشَاء وَيَخَْار4 [القصص: 68]. ومفهوم 


0 رساثل ابن سبعين 
قوله: «أفي الله شَك4 [إبراهيم: 10]. 

في مكان جمع الوحدة عطل اللسان عن ذكر لا حول ولا قوة بالا بالله» والرضوان 
القريب صحبة استصحاب المئة يفضل على كنز من كنوز الحنة. 

ذكر بعض الرجال عن رجل خلع الإنسانية المشخصة وكان الشيء الذي يقال له في 
الإنسان الضمير يتكلم فيه وحده ويفصل عن الأزل بالمكان حتى كان يصل ويستجيب 
فيه جميع المطلوب بوجه عزيز بالنظر إلى القطب الأمضىء وذليل بالنظر إلى الأكمل» وهو 
الذي لا يصح في حقه ذلك أنه كان يقول إذا انحط في وقت الفرق المميزة له عن علل 
المشاكلة: يا لله! إن كنت وكلت الوهم بالضمائر وأطلقت له ذلك فعساك تستثني منه 
خطفة الكسلء فإنها تجر إلى نفوره عنكء ويفوته ملاحظة جلالك. 

جاء بعض الرجال إلى رجل قد تركبت طبيعته من ذلك ومن ذلك» وذلك بالأقل 
والأكثر في بعض المظاهرة الجنسية الطارئة وقال له: لم تنظر غير مقصودك؟ قال له: لأنني 
وجدته حتى ني قولك «غير»» فهو المثل والغير. 

فإذا كان الضمير لا يتوقف إلا في القول به حتى يزيله ويكون عند هذا بمعنى واحد, 
كف الضمير عن التلاعب المهلك له والصدق المحض يقول لا شك في الشك ولا يقين ني 
اليقين لأن الأمور الراجعة إلى الاستحقاق لا تنفك عن الأحكام المخيلة. هلك بعض 
الناس بمتابعة الأمر والنبي والكلام في الروحائي وفي الجسماني وني النفوس إذا توجبت 
عجائب لا تحد ولا تكيف» ومن عزم على تحصيل نصيبه وسببه قد قرب ثم يقف بعد 
ذلك - فقد انحط وزال عن يمين الكمال وانتقل إلى شاله. 

اذكر الله ثم قل عقب الذكر كفء واذكر ثم قل كان» واذكر ثم قل ثبت» اذكر ولا 
تختبر» واذكر وحررء واذكر وكرر نازلة إبراهيم: عرفها المختار وسلمها الصديق وطلب 
المحدث أن يحدث با وتعذر عليها لحال. رب الجميع قسم التنسب» ووكل على محل 
البهتان العلل والسببء والرجل الكامل لا يختلف في قصده ويتنوع أمر طلبه من قبيل هذا 
كله. سلام الله على الظاهر والباطن منك ورحمة الله وبركاته! 

الله فقط! حفظكم الله! نفس الولي مملوءة بواحدهاء وهو المستولي على جملتها 
فلذلك لا تسأل عن غيره» ولا تسأله شيثا. ومجموعها ينحل إليها في صفة وهم نفسهاء 
ووجودها يرجع إليه» فشرها في نفسها أي من ذاتياتها. وهي أوهامها وخيرها أي 
وجودها وفضل الله فيها من الله. فمن قال: أنا بالوهم ما أنا به هوية» وبالوجود ما أنا به 
آنية. والوهم والهوية إذا تشخص فيه أي بالله قال: كان ذلك من عند الله. ويقرأ ضميره: 


رسالة «من أبصر مقصوده كف عن سواه» 3 
لما أصَابَكَ من حَسئة قن الله يريد من جميع ما يظبر على جملدك اللحررة» لإا 
أَصَابَكَ من ّ : سيّكة قَمن لُفسك» [النساء: 79] أي بما هي به أعني الوهم أو العدم» وإنما 
يخشى 7 من عباده العلماء. نببت الضعفاء وأخبرت بشأن السعيد الموحد وكأنه قال: 
من يعلم الله على ما يجب وبقدر ما يمكن من الإنسان المعتبر لا يخشى إلا إياه؛ لأنه هو 
الفاعل في الغير ذلكء وإليه يرجع الأمر كله. 

ومن خخاف غير الله وذلك الغير يفعل أو ينفعل له الوهمء لم يعلم الله حق معرفته ولم 
يشهد الله له بذلك ولا قال إنما. وقوله: «شَبدَ اللَهُ4 [آل عمران: 18] الآية. يدل على 
الوحدة المطلقة» والوحيد السالم من علل المحتملات كلها لأنه لا يصح التوحيد ممن أشرك 
بالله بوجه ما والآية الشارحة لتلك وتلك قوله تعالى: «إقَلاً َجْعَلُوا للّه أندادا4 [البقرة: 
2] الآية» وكون الله قال إن العالم هو الذي يخشاه وقد وجدنا بعض المخلوقات يخافها 
الكامل» والشارع يأمره بخوفهاء والله قد أخبر بحصر الخوف ولم يجعله إلا منهء فدل أنه 
ذلك المخوف كيفما كان. قد أخبر عن نفسه في المظاهر وثي المياكل ووحدة الوجود 
يشهد لسان حاا بذلك فهو هو. والفرق بين العالم. والجاهل في ذلك الخوف هو أن 
الجاهل يخاف الله [...] أنت وسطء فافهم. 

وقد ذكر سيدنا 4# بعض هذا في السلام فقال: منهم الكلمة اللجامعة المانعة» والحقيقة 
الحاذبة الدافعة: والآنية المرسلةء واهوية السارية» والخط الممدود والدائرة المحيطة فافهم يا 
هذا. الحج يفيد خرق العادة وموت الشهوات والخروج من كون ذل الطلب والإقامة في 
الحضرة وفهم أمثلة العالم وفك مُعَمّى الوجودء» وكشف حقائق الموجودات» وقطع أوهام 
الزمان والمكان» وفهم أسرار الشريعة» وعلم نكت الأنبياء عليهم السلام» والاطلاع على 
أحوال القيامة ويفيدك السعادة ويقيمك في رضوان الله وأسرار الحج ونكته ومثاله هو 
سيدي وسيدك الذي نحن نفتدي به ونحن تحت نعمه التي لا تحصىء» بل نحن نشأه 
وماهياتنا له من كل الحبات. فعليك بمحبته واستغراق الحال في ذلكء, وامتثال أمره» 
والأدب معهء والتشبه به والتخلق بأخلاقه على قدر الاستطاعة» واستجلب رضوانه» 
ولازم طريقهء وراقبه في القرب والبعدء واحمد الله الذي قبلك وجعلك من أصحابه. 
واحترم أصحابه [خوانك وتعلق بكبارهم واطلب طريقه ومعرفته منهم فهم مظاهره؛ ولا 
تُوافق نفسك في مرادها فيفسد عليك جميع ما ذكر. 

وقد نصحتك وكتبتها للمستحق لما ولك بالقصد الأول ولا تمنعها من مستحقها. 

قال ذلك يحبى بن أحمد بن سليمان البلنسي بالنسبة العرضية؛ ابن عبد الحق بن سبعين 
بالنسبة الذاتية. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم كثير دائمًا إلى يوم الدين. 


92 رسائل ابن سبعين 


بسم الله الرحمن الرحيم 
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم كثيرًا دائما 

«أصدق كلمة قاها القائل: ألا كل شيء ما خَلاً الله ياطل »20 

سألت أيها الصوفي السني السني السيد السري الذي سلك سبيل صرم التسويف 
وصرفه؛ وملّك نيل جزم التصرف وجذبه. وخير خل خحدينه في التوجه فيه لله وحده ذلك 
منه وأبىء وصيّر سر دينه عبد يقينه الإلحي الذي زَل وكا وفهم مسلك السور ومهالك 
الصورء وخصص بالتقوى في فصل العادة والعبادة» وأسس بالتقرب أصل السيادة 
والسعادة» وسارع في الخيرات» ولم يسارع في المنيرات جوابًا. 

سألت عن مدلول كلمات تلقيه قدرت صيغها عن خواص الخواص؛» وسطرت 
قصصها بعد خلاص الخواصء لفظوا بها بعد خفض جناح الذل نفس الحال للمضارء 
ورفض جناح الكل في المضمارء وقوة قلة الالتفات إلى خلفهم وأمامهمء وزوال زلة 
الالتفات عن سلفهم وأمامهم. 

ومنهم من أطلقها ني حال الصحو بالقصد الاشتراط بالضد. 

ومنهم من تكلم بها مع أول حكم الحو والغيبة عن الاحتياط والرسم والحد. 

ومنهم من لفظ بها على جبة الإلزام وقيد قوله. 

ومنهم من أشار إليها ولم يحرك بها بقوله©. 


(1) رواه البخاري (1395/3)) ومسلم (1768/4). 

(2) قال الشيخ الأكبر محبي الدين بن العربي قُدُس سره في فتوحاته لي باب معرفة الشطح وأسراره ما 
نصه: 
وحاشا أهل الله أن يتميزوا عن الأمثال أو يفتخروا؛ وهذا كان الشطح رعونة نفسء» فإنه لا يصدر 
من محقق أصلاً. 
فإن المحقق ما له مشهود سوى ربه وعلى ربه ما يفتخر وما يدعي» بل هو ملازم عبوديته مهيأ لما 
يرد عليه من أوامره» فيسارع إليها وينظر جميع ما في الكون بهذه المثابة» فإذا شطح انحجب عمًا 
خلق له وجهل نفسه وربه» ولو انفعل عنه جميع ما يدعيه من القوة فيحيي ويميت ويولي ويعزل 
وليس عند الله بمكان» بل حكمه في ذلك حكم الدواء المسهل أو القابض» يفعل بخاصية الحال 
لا بالمكانة عند الله كما يفعل الساحر بخاصية الصنعة في عيون الناظرين» فيخطف أبصارهم عن 
رؤية الحق فيما أتوا به. 


رسالة في مدئول كلمات 593 


فكل من شطح فعن غفلة شطحء وما رأينا ولا سمعنا عن ولي ظهر منه شطح لرعونة نفس وهو 
ولي عند الله إلا ولا بد أن يفتفر ويذل ويعود إلى أصلهء ويزول عنه ذلك الزهو الذي كان يصول 
به. 

فذلك لسان حال الشطح. هذا إذا كان بحق فهو مذموم» فكيف لو صدر من كاذب؟ 

فإن قيل: وكيف صورة الكاذب في الشطح مع وجود الفعل والآثر منه؟ 

قلنا: نعم ما سألت عنه؛ فأما صورة الكاذب في ذلكء فإن أهل الله ما يؤثرون إلا بالحال الصادق 
إذا كانوا أهل الله وذلك المُسمّى شطحًا عندهم حيث لم يقترن به أمر [شهي أمر به كما تحقق 
ذلك من الأنبياء عليهم السلام. 

فمن الناس من يكون عالمًا بخواص الأساء فيظهر بها الآثار العجيبة والانفعالات الصحيحة» 
ولا يقول إن ذلك عن أسماء عندهء وإنما يظهر ذلك عند الحاضرين أنه من قوة الحال» والمكانة 
عند الله والولاية الصادقة» وهو كاذب في هذا كله. 

وهذا لا يُسمى شطحًا ولا صاحبه شاطحًاء بل هو كذب محض ممقوت. 

فالشطح: كلمة صادقة صادرة عن رعونة نفس عليها بقية طبع تشهد لصاحبها ببعده من الله في 
تلك الحال» وهذا القدر كاف في معرفة حال الشطح. 

وقال قَدُس سرّه في الحزء الأول من فتوحاته في الباب التاسع والثلاثين: حكي عن بعضهم أنه 
قال: أقعد على البساط. يريد بساط العيادة. 

وزياك والانبساط: أي التزم ما تعطيه حقيقة العبودية من حيث أنها مكلفة بأمور حدها لها سيدهاء 
فإنه لولا تلك الأمور لاقتضى مقامها الإدلال وللفخر والزهو من أجل مقام من هو عبد له 
ومنزلته. كما زها يومًا عتبة الغلام وافتخر فقيل له: ما هذا الزهو الذي نراه في شائلك مما لم 
يكن يعرف قبل ذلك منك؟ فقال: وكيف لا أزهو وقد أصبح لي مولى وأصبحت له عبدًا. 

فما قيض العبيد عن الإدلال» وأن يكونوا في الدنيا مثلما هم في الآخرة» إلا التكليف فهم ني 
شغل بأوامر سيدهم إلى أن يفرغوا منها فإذا لم يبقَ لهم شغل قاموا في مقام الإدلال الذي تقتضيه 
العبودية» وذلك لا يكون إلا في الدار الآخرة» فإن التكليف م مع الأنفاس ني الدار الدنيا. 

فكل صاحب إدلال في هذه الدار فقد نقص من المعرفة بالله على قدر إدلاله» ولا يبلغ درجة 
غيره ممن ليس له إدلال أبذاء فإنه فاتته أنفاس كثيرة في حال إدلاله غاب عما يجب عليه فيها من 
التكليف الذي يناقض الاشتغال به والإدلال» فليست الدنيا بدار إدلال. 

ألا ترى عبد القادر الحيلي مع إدلاله لما حضرته الوفاة وبقي عليه من أنفاسه في هذه الدار ذلك 
القدر الزماني» وضع خده في الأرضء واعترف بأن الذي هو فيه الآن هو الحق الذي ينبغي أن 
يكون العبد عليه في هذه الدار؟ وسبب ذلك أنه كان في أوقات صاحب إدلال لما كان الحق 
يعرفه به من حوادث الأكوان. 

وعصم الله أبا السعود تلميذه من ذلك الإدلال فلازم العبودية المطلقة مع الأنفاس إلى حين موته 
فما حكي أنه تغيّر عليه الخال عند موته كما تغيّر على شيخه عبد القادر. 


5 وسائل ابن سبعين 

وبالجملة: هذه الكلمات المسكولة عنها المشار إليها عند الصوفية في الوجه الأول 
لازمة لأهل السلوك إذا لاح لهم بارق مقام الوصول في الخلدء ولأهل مقام الوصول إذا 
صرفوا الحمة إلى الهوية المحضة» وعطفوا على الآنية المتوحدة» ثم ربطوا القصد الأصلي 
والتوجه لمن هي آنيته وهويته واحدة» مستحق كل آنية وهوية متعددة بالإلزام» ووجدوا 
الإضافة وصرفوا الضمير والإشارة بالعبارة» وما أشبه ذلك تحت حد التلف» ورسم 
السلف والمتكلم مهاء والمشير لمدلوها. 


وحكى لنا الثقة عندناء فقال: سمعته يقول: طريق عبد القادر في طريق الأولياء غريب» وطريقنا في 
طريق عبد القادر غريب. 5ه وعن جميعهم ونفعنا مهم» والله يعصمنا من المخالفات. 

وإن كانت قدّرت علينا فالله أسأل أن يجعلنا في ارتكاها على بصيرة حتى يكون لنا مها ارتقاء 
درجات» والله يقول الحق وهو يهدي السبيل اننهى . 

وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني قَدُس سرّه في كتابه «الأنوار القدسية»: 

ومن شأنهء أي الفقير العارف» إذا استفتى على شخص من الفقراء في أمور لا تُدرك إلا بالدّوق 
ألا ادر إلى الإنكار» بل يتحيل في الرد عنه ما أمكن. 

هكذا كان شأن شيخ الإسلام زكرياء والشيخ عبد الرحيم الأنباسي رضي الله عنهماء فإن رأى 
ذلك الأمر يلزم منه فساد ظاهر الشريعة أفتى ولام عليه؛ لأن صاحب هذا الكلام ناقص فليس من 
أهل الاقتداء ونصرة الشرع أولى من الأدب معه بخلاف كُمّل الأولياء كأبي يزيد البسطامي وعبد 
القادر الكيلاني رضي الله عنهما وأضراهماء فيؤول كلامهم ما أمكن انتهى. 

والذي أراه أن ما صدر عن سيدنا الشيخ عيد القادر الحيلي دس سرّه ونفعنا الله به من الكلمات 
التي رؤيت بمرأى الشطحات فهي مؤولة متصرفة عن مقام الشطح على الغالب. 

وأما بعض الكلمات التي لا تقبل التأويلات فهي نسبت إليه» ولم تكن منه #5 على الأصح» 
كالكلمات التي سماها واضعها عليه من الله ما يستحق بالغوثية والمعراجية وأسندها إلى 
الشيخ #5 وأخذ به نزه الله مقامه إلى مذهب الحلولية وأهل الوحدة المطلقة» فهي مهتان وافتراء 
محض عليه قلس سيره. 1 

وإنه 5 من أعظم من تحقق بقدم الاتباع للنبي يله ني الأقوال والأفعال» وقد دلت عليه (رشاداته 
وكمالاته وعياداته. 

وقال قوم معنى الشطح» وصاحيه: أي الشطّاح الذي يقف عن التر قيات والمجاهدات» والأعمال 
الموجبة لإعلاء المراتب والدرجات» مع شطحه وتجاوزه منحطا عن المراتب الرفيعة حالة 
الشطح, هذا إذا لم يسقط بصدمة شطحه عن مرتيته بالكلية؛ لأن الشطح من أعظم مزالق 
الإقدام؛ لأن صاحيه ربما ينصرف عنه انطماسه وذهوله» ووارد غيبته» يعود إلى الصحوء وييقى 
على لسانه الأول متكلمًا في حضرة خيالية فيسقطء وييعد ويلحق بأهل الأنانية» حفظنا الله 
والمسلمين. وانظر: قلائد الزبرجد للشيخ الصيادي (ص 78) بتحقيقنا. 


رسالة في مدلول كلمات 25 


وقد توجد من جميع الجبات في هذه المنزلة,ء وحذفت الوسائط كلهاء وذلك فيما 
هو إليه لا على ما هو عليه» وأهل التحقيق بخلاف ذلك» وجميع من ذكر نقطة من 
بحرهم» وذرة ني قفرهمء وهو عندهم بمثابة السكران الذي يسكر من كاف اسم الكرم» 
ويموه بالأمر العرضي» وهو قد عدم الشأن الجوهري؛ ولا بأس بالاستغراق والشطحات 
والوّلّه وإفراط الأحوال» وتنتبع التوحيد؛ إذا جبر كَسْرٌ عَظم الاحترام» وأعطى كل ذي حق 


ححقيةه, 

ومن صحا وصحح أسراره محا الله إصراره» وكل الكلمات المذكورةء أكرمك الله 
التي سألت عن مدلوها تحت كلمة متقدمة على جميعها بجميع أنحاء التقدم» كتقدم 
المتكلم مها على المتكلم بالكلمات المذكورة حتى في ترتيبها في الكتاب. وفي قوة 
الجواب. 

وأنا قد استخرت الله تعالى في الكلام على مقصودك» وما خاب من استخار ولا أدبر 
في هزيمته من دبر وفكر في عزيمته» وأسال الله العظيم أن يهب لنا الفهم في مكنون دينناء 
وفك مُعَمّى الذي طلب منا خليل خدينناء ويعيننا على حمل آمانتناء وشكر سلامتناء 
ويرزقنا إيمانا نرجو به أمائاء وإسلامًا يجلب لنا سلامة.» وإخلاصا يجر لنا خلاصاء 
وييصرنا الحكمةء ويجرد لنا أسساها وخصمها ورسمها. 

ويفرج بنا هم الحهمم التي كابدت الدهر حتى قصم منها الظهر؛ ويقينا شرور الاعتياء» 
ويجعل سريرتنا تشتغل بالزهد والطاعة, ونبذل الجهد في الاستطاعة» ويحيينا حياة طيبة في 
نفس مطمئنة في حضرة فياضة تنادي محبوبها بحالها من حاله. يا حبيب الحي حيا الحر 
حياه» ومّن استحى من الله حياه» ومن شغف بتمحيص ما صدر من أحلام الأكابر 
بعبارته وفهمه» وتخليص ما ظهر في أحلام الأصاغر بعبارته ووهمه. وبادر بالاتتماء إلى 
خدمتهم. والانحياز جهتهمء والمباهاة بالاتصال إلى محامدهم النفسية» والبراءة في الاتّكال 
على مقاصدهم الرئيسة: ظفر بالحق» وقطع كل الكونء وأكل من كل لون» وتوحّد 
وجرد. وشاهد الأمور العظيمة بعين آنيته الواردة عليه بعد الاستعدادء وإفراط الانقياد» 
ورفع الاستبداد وتجوهر بماهيتهاء وتطور في مراتب أدوار آنيتهاء وزلزل قدم السلب 
والإيجاب بعد وقته الفاني وثبّت قدم الأدب والاكتئاب قبل موته الثاني» وأحضر بعد 
حضوره فيه ومغيبه عنه وخروجه عنه» ورجوعه له في حضرة التمكين الفاضلة المحمولة 
على هويات الحمم الواصلة الموضوعة لآنيات الصور الحاصلة» ثم يحضر في الحاضرة التي 
همتها غير مهموم وذمامها غير مذموم» ثم يصرف لسانه المضاف الذي يشارء ويشار 


36 وسائل ابن سبعين 
إليه» ويعتقدء ويعتمد عليه ويقرر عند ذلك ما تقدم. 

وحينكذ يبدا بالذي بدأ به واللذة الأولى» ويدخل في عباد الله المخلصين» ويفتح باب 
الحقائق» ويضحك من حاله الأول» ويخير إذا أخبر عن نفسه لا عن الأول بالأول» 
فافهم. 

ويتوب من خخحطيئته المفقودة الواقع بعد السجود. ويقرر عند ذلك على شأنه المتوسط 
بين الممكن المقدرء والواجب المنفصل» ويتنرّه في الحنة التي تحصل بشرط الأدب» 
ويسكن فيها بإفراط المحافظة» ويقيم فيها السعيد على خطرء وهو يلاحظ خطر شؤم 
شجرة موضوعة المضاف إليه المضمارء ويراقب حياة نفسها الثانية عن النفس النباتية 
ويتحفظ من محرك الشؤم في الشجرة الملعونة أن تدخل صحبة الحية المذكورة. 

ثم يتوجه إلى مقصوده بصناعة التركيب ثلاث مرات» ويجوز على مقامات ثلاث» 
ويشكر الله العظيم على قطع العلائق» وما أنعم به عليه من معرفة ملكوت كون الخلائق» 
وخلاص طبيعة نفسه المحمولة على موضوع حركة لواحق حسه من عالم الطبيعة وما 
بعدهاء ووصوله إلى علم الوحدة» وحضرة التوحيد» ومعرفة الواحد, ويفتح باب الغاية 
ويدخل إلى حضرة النباية التاسعة» ويكلم المعلوم الممكن بكنهه ويشاهد المعروف 
الواجب بجوهره. 

ويعلم إن العالم والعلم والمعلوم واحدء ويعلم ما لم يكن يعلمء ويفتح له باب 
الألوهية» ويبصر الوسائل والدرجات الرفيعة» ويراقب الرفيق الأعلى» ويلبس ليسء» 
ويسلب أيس وبالعكسء» ويسمى نفسه بمدلول الأساء الحْسْنَى» ويناديها به» ويكثر من 
ذلك حتى يستجيب له الاسم الأعظم من مجموعها فيه؛ فافهم. 

ويدعو به ويملك في الحين كل الكمالات الصديقية» ويمكن من عالمهاء ويستخخلف في 
المنوطات كلهاء ويحكم على عالم السفر المرسلة» ويتصرف في رتب الحيل المنزلة» 
ويشتغل بتدبير الصمء ويمتحن بالحين والكم؛ ويزيد على أبى يزيدء ويسأل عن سيوف 
الشبّلي والسري» ويشرف على شأن شيخ الشوذي. 

ويقول لأهل القرن الثائي» والثالث» والرابع قد نسخ حكم مزية تحقيقكم وصيته في 
السابع» ويصح له تبعية والد شرفه الثالث التالي للأب الثاني والأولء ضلى الله عليه 
وعليهماء وعلى ما بينه وبينهما من النبيين والمرسلين» وإذا كمل أمرهء وظهر خيره 
واستقام سيره؛ وسما على جادة سيده بموته وسيرته مذ حط المضمار من سيد ساداتهما 
الأب الثالث إلى والدهم الأول المذكور قبل» وجعل نفسه في أول الخط نقطة لا كالحزء 


رسالة في مدلول كلمات 57 


منه كما هو رسمها عند أهل التعليم النبهاء» ونفس والدة الأول التي انتبي الخط عندها 
نقطة لا كاللجزاء منه بخلاف نقطته هو. 

ثم نظر إلى الخنط الذي بدا من السيد. ومر على السادات إلى السيد» ونظر إلى نفسه 
كما فرض؛ فوجد الخط ينطوي بعضه على بعضء ويرجع على نفسه؛ ووجده مؤلفا من 
التقط التي فرضها بالمعنى» وأخرج نقطته عنها أدبًا وقياساء ثم نظر إلى النقطة مفردة 
فألفاها متماثلة» ونقطته المرسومة كذلك غير إنها خارجة عنهم من حيث المضمار 
المتقدم» وداخلة معهم من حيث الأبوة والبنوة والممائلة. 

ثم عاد نظرة في النسب والأنواع والأجناسء وما يلزم عنهاء ونظر إلى خواصهاء ونظر 
ني معناها في الخط المذكورء ونظر في لواحق كمالات الذين يمر عليهم الخط المذكورء 
وحقق نظره في مذاهبهم الإلهية» وقطع إن الخط المذكور يتقوس بجهة» ويمتد إلى غير نهاية 
بجهة أخرى» وفرض فيه ظاهرا وباطتاء وجعل في ظاهره الاجتماع والتقويس» وني باطنه 
الافتراق والامتداد» وكأنه في التمثيل هذا الشكل المرسوم؛ فتديره. 

وانظر إلى الخطوط الموضوعة على باطنه الأعلى المتوازية المشار إليها بالمواهمب 
الإلهية المفاضة على أرباءها بحسب الأسماء الموضوعة لناء وانظر إلى ظاهره» وإلى نقطته 
المتوهمة في طرفيه» ثم انظر إلى تقويسهاء وقل الجنس يجمع بالضرورة» والفصل يعرف 
بالذات» ثم قل النوع يجمع بالطبع» والأعراض تفرق في وقت ما. 

ثم قل التنسب تجمّعء والخواص تفرّق بوجه لازم» فافهم واحفظ : ماهية سعادتك 
بالتقويس» ويعدها التقويسء والله الموفق. 

ست القوسية بحمد الله وحسن عونه» والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبيه 
وعيده. 





28 رسائل ابن سبعين 


بسم الله الرحمن الرحيم < 

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم كثيراء واتدمد لله وت العالمين: 

يا هذاا هل عمرك إلا كلمح, أو إعطاء مُكْد لا سبح؟! وآصالك لحو وعَلّل 
وأسحارك سهو وعلل؛ وما سرورك إن صدرء إلا وساء كدر والغرض في تحصيل 
الكمالات وأسبابهاء والتجوهر بمدلول الإمكانات الإلهية» وبما يجب كما يجب على ما 
يجب في الوقت الذي يجبء والاتصاف بالحكمة التي تفيد الصورة المتممة للسعيد» 
وبالحقيقة التي تقيمه في الصور المقومة» وتعمل على نيل الآلات التي تعطي الحق بحسب 
ما تعطيه. وتقضيه طبيعة البرهان. 

وتحكم الشارع اكيت على جملتكء» وتمتثل أوامره. وتعتقد أنه الخير بالذات» وتصل 
حبل المعروف, وجميع ما استحسنه العقل» وحرره النقل» وحضت عليه الشريعة» وتقطع 
حبل المنكرء وضد ما ذكر قبل» وتنحلص من كل قاطع يقطعك عن الله بعد ما تتصف 
بالعلوم الضرورية التي لا يحملها أجد عن أحد في عرف الشريعة؛ وبالأعمال التي تلزم 
لزوم هذه العلوم؛ وبالعلوم التي تدخل مها في زمرة الحكماءء وبالحقيقة الجامعة التي فيها 
نتيجة الشرائع» وغاية الحكمة» وهي علوم التحقيق. 

وإن غلبت عليك شهوة حيوانية» وما أشبه ذلك؛ فاجبر وقتك مع الله بتوبة صادقة» 
فإن بابه ما عليه بواب إلا رحمته خاصة» ورضوانه يأمرها بالمضمار. 

واعلم أن مطالك مطالء ومحالك محال» والواصل رحمة؛ مهما دعا الله رحمهء والعلم 
للعلو علامة» والسلم للعدو سلامة» والصلح مع جملتك صلاح.ء والدعاء بالإخلاص 
سلاحء ولياك من الأمل المهدوم» ومن العمل المعدوم: ومن الأمور التي تفسد حكمة 
العادة وأصول السعادة؛ ومن الود مع الملل؛ فإنه قبيح في كل الملل. 

والسعيد هو المصلح أعماله. المطرح لله ماله» ولا تخالط إلا مّن قامت به الأوصاف 
المذكورة قبل» إن استطعتء وإلا الأمثل فالأمثل. 

وحبيبك من يدبر أمر آخخرتك؛ ويعينك عليهاء ويذكرك بهاء ويهجرك ويصلك من 
أجلباء ومع هذا كله سّلهُ ورّح مملوء الراحة» وصل وسح في الساحة» ولا تغفل عن 
الدعوات المأثورة» وأعظمها: اللهم اختر لي» وأسماء الله التي ما أحد معها مروعء ولا 
سبيل إلى التعجب في قيامك وجلوسك, واننظر نفسك وفلوسكء والتقي هو الذي طرفه 
في حبوته مغضوضء وخد البغي في حضرته معضوضء وهو الذي لا يرفل في أثواب 
اللاهي, ولا يغفل عن ثواب الله. 

فإذا الله تاب عليه أنابه هو إليه» وتأهب لحواز العقاب», وكفاه الله سوء العقاب» 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 7 
والشرير الجاهل هو الذي لا يعرف معروفاء ويحسب ماله من البحر مغروقاء ونفسه 
تطمح وتشح. ويده تجمع ولا تسح, فإذا قضى الله وفاته؛ خانه الأمل وفاته. 

فقد عاهدتك على هذاء ورضيتك تلميذّاء وجعلتك مع الأصحاب الذين يخاطبهم 
لسان الحال غبطة» ويقول هم: لا تكثرون وأنتم ترئون» وأشهد الله عليك العليم بخفيات 
الصدورء الذي يجيب المضطر إذا دعاه» ويجيب نفثات المصدورء وقد رجوت لك خبر 
الخلاص؛: وخير الإخلاصء صلى الله على الشرط ني نيل الشرف والكمال؛ محمد وآدم 
وما بينهما من النبيين والمرسلين وسلم تسليمًا كثيرًا أثيراء وبعد هذا كله تبارك المبدي 
المعيد» قد صدق الوعد والوعيد. 

شرح رسالة العهد لبعض 
تلاميذ ابن سبعين 
بسم الله الرحمن الرحيم 
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم كثيرًا دائمًا 

نور الله بصيرتك بنور التوفيق» وأيّدك بروح التصديق» وخلص إنسانيتك بنيل 
التحقيق. 

سألتني أن أشرح لك المرسوم الذي يسمى: العبدء من كلام سيدنا وقدوتنا 5ه 
ولححت علي في ذلكء وأنا أتأخر عنه فيما تقدم, واحتياطًا على فبمكء والله أعلم 
بذلك. 

وقد أسعفتك في شرحه وتأويله» وبيان مقاصده في الكمال الثاني» وإشارات من 
الثالث؛ وتبيين الأول» وثركيب الكلام فيه من أقرب العوالم» وتبليغه إلى التحقيق الأول» 
ونفيد أموذجا من مقاصد المؤلف؛ فاخدمه بذهنه وتوجهك وبحثكء وتحرك ولا تسوف 
نفسك بما سوفها الجاهل البطال المتخلف, والله يدخلك في زمرة المتقين» وينظم 
إنسانيتك في سلك ذوات المحققين. فنبد؟ فنقول: 

قوله #: (يا هذا) يا: حرف نداءء كما تقول: يا زيدء يا عمروء فلو وقع على 
شخص معين كان يقول: يا فلان» فلما لم يكن واقعًا على معين فهو نداء موجه المعنى 
يحتمل إن يقول: يا هذا الإنسان الفقيرء يا هذا الفقير؛ إذ الخطاب بالاستدعاء للسعادة 
بقع على كل عاقل» فهذا النداء يا هذا: هو موجه لكل إنسان عامل [....0)] لزوم 


(1) كلمة مطموسة بالأصل. 


100 رسائل ابن سبعين 
العموم في التكليف. أو لكل نبيه يطلب رشده.ء ولا يبمل الأمر الأزلي في الله إذا جعلناه 
على الخصوصء أو لكل غافل عن مصالحه ورشده مع كونه في إمكانه تحصيل السعادة 
وفي قوته كسبها إذا جعلناه بمعنى الشبيه. 

وقوله 45: (هل عمرك إلا كلمح). 

هل: حرف استفهام» ومطلبها ييبحث عن وجود الشيء. 

والعمر: هو المدة التي أعطيت للإنسان في الدنيا. 

واللمح: هي الخطفة التي يخطفها البصر في أول نظرة في الزمان الفرد الذي لا يسع 
قضيتين» كما تقول لمحت فلائاء ولمحت كذا بمعنى أنه خطفه البصر ولم يُحققهء ولا كرر 
النظر فيه زمائا ثانيّاك وكأنها النظرة التي تقع فجأة من غير قصدء ولا تقدمتها نيّة ولا 
إرادة. 

ولذلك لا يطالب بها الإنسان في رؤية ذوي امحارم إلا إن كرر النظر بالقصدء وقد 
ضرب الله المثل بذلك في سرعة أمره الواقع في الكون الممكن في قوله تعالى: وما أَمْرا 
إلا وَاحدَةٌ كُلَمْحٍ بالْبَصّر» [القمر: 50]. 

ولما كان الماضي من الأحوال التي يخبر عنها العبد من وقته إلى أول أمره خير حاصل 
له في الحالة الراهنة» وكل ما تقدم من خخير وشر قد ذهبء والمستقبل كذلك غير حاصل» 
ولا معتبر في تلك الحالة بعينهاء فلم يعتبر وجود حال إلا الحاصل القائم بك في الزمان 
الفرد الذي أنت فيه على ما أنت عليه» فكأنه قال لك: الماضي من زمانك قد انقرض 
وذهب. المستقبل ليس إيجاده في كسيكء ولا هو حاضر عندكء فمالك عمر إلا الحال 
القائم بك, والحال القائم بك مثل محة البصرء فكيف تغتر بلمحة ذاهبة» وتنقطع عن 
السعادة الثابتة الأبدية؟ ' 

ولما كانت الأحوال عرضًا والعرض لا يبقى زمنين» والعرض الثاني في الزمان الثاني هو 
خلق في ذلك الزمان بعينه» والأول قد انقرضء والأحوال تجدد على العبد الممكن في كل 
زمان فردء وهي تسيل بالذهاب» وتجديد الإيجاد مثل سيلان الماء في الانخفاض وأسرع 
جعلها كلمح. 

ولمًا كانت مخلوقة» والحق يعطيها في كل وقتء وذهاها لعينهاء وإيجادها لفاعلها 
جعلها كإعطاء (مكد لا سمح)؛ فإعطاؤها هو إيجادها من الله والمكدي هو المنقطع. 
وكان قطع الأحوال ذهاها في ذاتها. 

وهذا معنى قوله طهه: أو (إعطاء مكد لا سمح). 


شرح رسالة العهد تبعض تلاميذ ابن سبعين 10 

ومعنى (لا سمح)؛ لا يمكن ثبوتهاء إذ هي من صفة نفسها تقتضي الذهاب» وصفات 
الأنفس لا تفعل» ولا تتبدل» فقوله #5: (لا سمح)؛ معناه لا يمكن ثبوتهاء أعني: الأحوال 
فإنها ذاهبة ني طبيعتها» وصفة نفسهاء وهي موجودة من حيث خلق الفاعل لها. 

فأحوال العبد تجدد في كل زمان فردء ولا يعتبر فيها إلا الحال الحاضرء إذ الماضي قد 
انقرض» والآتي ليس بحاصل عنده» فعمره هو زمان فردء وهو أقل الأشياءء وقد ضرب 
الله تعالى المئل في قوله: إوَأَعْطَّى قَليلاً وأَكْدَى» [النجم: 34]؛ فلا عمر لك إلا الحال 
التي أنت فيهاء فلا تخ تغتر بها؛ فتنقطع عن التعميم المطلق؛ ولذلك عملت الصوفية على 
حفظ الوقت» وأضربت عن الماضي والمستقبل. 

ولما علم الصوفي إن ما [....0]20 ولا ملك إلا الوقت القائم به أخذ نفسه بمراعاته 
وحفظه. ولم يصرفه إلا في فرضات الله وهو عندهم الضيف الذي يكرمه بالحفظ 
والكلاءة. 

وقد قيل: إن رجلاً راهبًا سأل سليمان الْتة: هل تجد لذة لما ذهب من ملكك؟ 

قال: لا؛ لأنه قد انقرض. 

قال: هل تجد لذة للآتي؟ 

قال: لا؛ لأنه غير حاصل. 

قال له: فإِذًا ما فذكني بشيء. 

وذلك لضيق الزمان الفرد وقلته» ولقوة تداخل العدم معه. فكأنه عدم لسرعة ذهابه 
وتبدله» وهو الوقت عند الصوفية»؛ وهو السراب عند بعضهم الذي لا حقيقة له إلا 


(1) كلمة مطموسة بالأصل. 

(2) قال الشيخ القاشائي: الوقت: عبارة عن حالك» وهو ما يقتضيه استعدادك الغير محهول» في زمن 
الحال الذي لا تعلق له بالماضي والمستقبل فلا يظهر فيك من شؤون الحق الذي هو عليهاء في 
الآنء إلا بما تطليه استعدادء فالحكم للاستعداد وشأن الحق محكوم عليه. هذا هو مذهب 
التحقيق» فظهور الحق في الأعيان بحسب ما يعطيه استعدادهاء فلذلك ينبوع فيها فيض وجود 
الحق» وهو في نفسه على وحدته الذاتية» وإطلاقه وتجرده» وتقدسه غني عن العالمين» قالوقت هو 
الحاكم والسلطان. فإنه يحكم على العبد فيمضه على ما يقتضيه استعداداء ويحكم على الحق 
بإفاضة ما سأله العيد منه بلسان استعداده في زمن الحال» إذ من شأن الحواد التزام توفية استحقاق 
الاستعدادت كماء ينبغي» وني قوله تعالى: «إوَرَبِكَ يَخْلقٌ ما يَشَاءِ وَيَخْمَارٌ مَا كَانَ لَهُمْ الخيرة» 
[القتصص: 8]. تأيد لهذا التحقيق إن كانت «مام موصولة ني موضوع النصب على أنه مفعول 
مختار» ومن كان يحسب ما خاطيه به الشرع في كل حالء فهو في الحقيقة صاحب وقته. فإنه قام 


102 رسائل ابن سبعين 
مستعارة» وهو الظل بوجه ما إذا أهملت حفظ الحاضر منهء» واشتغلت بالماضي 
والمستقبل» فهو ظل من حيث يحجب عن الحقيقة» وهو الأحلام الذي أشار إليه 
سيدنا ذإ في «الرسالة الفقيرية» بقوله: السعيد هو الذي علم إن أيام الحياة أحلام. 

وذلك لقلة ثبوتهاء وهو نقطة من النقط التي يتركب منها الخط أعني: خط عمرك إذ 
عمرك مجموع من أوقات؛ ولذلك كان بعضهم يحفظ الأنفاس ويعدهاء وإليه أشار 
سيدنا ذه في «الاحاطة» بقوله: وقتك من أجزاء ماهيتك» فلا تعامله إلا بالخير. 

وهو القاطع عند بعض الصوفية لمن أهمل حفظه: وهو الحجاب له. وهو الشيطان» 
وهو الظلام؛ وهو البعد لمن اغتر بعاجله» وهو الموصل لمن حفظه. وانصرف يه إلى 
فاعله» وهو المطية الموصلة إلى المقصودء وهو النور إذا نظر فيه الأصل؛ وبالجمع فيه 
يشعر بالهاتف والباده والوارد» وبه تستنزل الأحوال الكاشفة» وفيه تفزل البشريء أو 
تقع المشاهدة إذا أصرف. وهو نفس الماتف والوارد والطارق والهاجس بوجه آخرء وهو 
الطيف من سرعته. 

ومن وجه آخر هو فرع لا يوجد مع أصله. ونوع يذهب في جنسه. ولا يتعين في 
فصله» وهو كلمة ترجع على قائلهاء وقضية مثبتها زائلهاء وهو قضية تشكل الآنية) 
وكذلك قضية التطور والتصورء وبتحقيقه ورفض تعيينه وتدقيقه؛ يثبت الكمال للكامل 
والتجوهر. 

وقوله ه: (وآصالك فو وعَلّلء وأسحارك سبو وعلل). 

الآصال: هي أواخر الأيام» والأصيل آخر اليوم أعني بذلك آخر النهار» والآصال جمع 
أصيل؛ فهو كما ذكرناه آخر الأيام؛ وهو ما قرب من العشية وغروب الشمس. 

قال الله تعالى: وَاذكر اسم رَبك بُكْرَة وأصيلا4 [الإنسان: 25]؛ فالأصيل: هو 
عشية النهار» والآصال هو جمع ذلك. 

والأسحار: هي أواخر الليالي وما قرب من الفجرء والسحر هو واحدهاء والأسحار 
هو الجمع؛ واللهو: هو الالتهاء عن شيء بمعنى السلو والإهمال؛ يقال: هوت عن كذا 
بمعنى أهملته» ولهوت عن كلام فلان بمعنى لم تعتبره» وتلهى فلان بفلان بمعنى ازدرى به 
واستخخفهء أو يقال: فلان كثير التلاهي بمعنى قليل الحد لا حقيقة لكلامه. 

بحقه» ومن كان هكذا فهو عند ربه من السعداء. انظر رشح الزلال للشيخ عبد الرزاق القاشاني» 

تحقيق الدكتور عاصم الكيالي» نشر دار الكتب العلمية ص 191. 


شرح رسالة العهد تبعض تلاميذ أبن سبعين 18 

وبالجملة: اللهو هنا هو السلو عن المصالح والإضراب عنها. 

والعلل: هو التسويفء يقال: عللت فلائا بمعنى سوفته؛ والسهو: هو الذهول عن 
الشيء ونسيانه» أو يقال: السهو: هو عدم تذكر الشيء في الضميرء والعلل: هي الأسياب 
المؤدية إلى الشيء, كما تقول: علة مرض فلان الحمىء أو علة نبات الحشيش المطرء أو 
علة علم فلان النظر والبحثء أو علة الجهل الغفلة» وعدم الاجتهاد وقلة المساعد» وعدم 
المرشدء وما أشبه ذلك؛ وبالجملة العلة: هي السبب المؤدي إلى الشيءء نقصًا كان أو 
كمالا. 

وكان الشيخ ذه ذكر هذا هنا على جبة العتب للغافل عن مصالحهء وعن طلب 
سعادته لما كان الالتهاء والتسويف يورث عدم الطلب والبحث والاجتهاد» وعدم ذلك 
يترك الإنسان في الجهل والغباوة» والجهل أصل الشر والفساد. والشر والفساد يورثان 
الشقاوة الأبدية والبعد عن الله عاتبه على ذلك. ش 

ولما كان السهو معناه الغفلة والذهول عن المصالح» وعدم التوجهء وذلك يزل إلى 
النقص وعدم العلم بالله» وقلة الطاعةء وذلك كله يورّث البعد عن الله والشقاوة الأبدية 
عاتب من قام به ذلك وذمّهء ونبه الغافل لطلب رشده ومصالحه. والأخذ فيما يجب من 
الأمور المؤدية إلى رضوان الله» وإلى النعيم السرمديء والبقاء الدائمء والأنس باللهء 
والإقامة في .حضرته المقدسة عن الزمان والمكان» وعن طرق الأغيار والأضدادء» وحضه 
على الإضراب عن اللذة المحسوسة النسيسة العاجلة المنقطعة التي توجد في وقت دون 
وقت وتداخلها الأضداد والأغيار» وتذهب بالموت. 

فإن قيل: لم ذكر الآصال والأسحارء ولم يذكر أوساط الليالي والأيام» وما بينهما من 
الساعات والأحيان» وطاعة الله وذكره يجب في كل زمان؟ 

قلنا: أعطى ذلك بالنظر في مفهوم الخطاب؛ فإنه إذاسلمت الطرفان من الشيء 
تضمنت سلامة الوسطء وأيضًا لما كان آخر النهار وقت ارتفاع الأعمال» وصعود الحفظة 
بأعمال اليوم؛ حض على الاجتهاد في عشية النهار؛ ليكون آخر ما تكتبه الحفظة خير 
عمل وخير عبادة وتوجهء والأعمال بخواتيمها. 

وكذلك القول في الليل لما كان آخره تصعد فيه حفظة الليل؛ حضّ على الاجتهاد 
فيه؛ والتوجه الصرف؛ ولأجل ما ذكرناه من مراعاة الخواتيم» أو لكون الآواخر من 
الأعمال؛ تنسخ ما تقدمها من البطالة والغفلة» أو يكون الحضّ على ذلك والحث عليه من 
الأمور التي علمها الوارث وفهمها عن الشارع من تخصيص تلك الأوقات؛ ومن نزول 


10 رسائل ابن سبعين 
الرحمة فيهاء وقبول الأعمال بزيادة على غيرها من الأوقات لأن الله تبارك وتعالى قد مدح 
الذاكرين في هذين الوقتين بقوله تعالى: «يُسبّحٌ لَهُ فيبًا بالْقُدُوٌ وَالآصّال رِجَال4 [النور: 
56]. 

وأيضًا لما كانت العشية تشعر بانقراض النهار وإقبال الليل» وكأنه وقت فصل؛ وقعت 
الدلالة الصادقة في القبول في التبدل» والتغيير على الفاعل المختار» إذا الفعل الواقع يدل 
على الفاعل؛ والتبدل يدل على ثبوته» فكان وقت اعتبار» ومشاهدة الفاعل في تعيين الفعل 
الصادر في الحال» وانقراض الآخر وذهابه؛ فكان من الأدلة الكاشفة للمقصود التي تفيد 
الاعتبار والخنضوع والافتقار للفاعل المختارء وتفيد المشاهدة والاستغراق في جلال الله 
الذي أذهب الفعل الحاضرء وأتى بضده. إذ الليل والنهار من الأضداد التي يتبين طروؤهاء 
وتبدلها أكثر من تبدل الأمثلة» فإن تبدل النور بالنورء والظلام بالظلام لا يتعين فصلها إلا 
بعد نظر في حقيقة العرض» وكونه لا يمكن فيه البقاء. 

وتبدل الأضداد والأغيار أشد ظهورًا لأنها يتعين للحس تبدطاء ويظهر خالقها يذلك 
فيقع الاعتبار والحضور والمشاهدة عند تعيين ذلك» ولذلك كانت بعض الصوفية 
تستجلب أحوالها في عشية النهار حتى تغرب الشمسء» وكذلك من أول الفجر إلى 
طلوعها. 

وقد ندب الحق تعالى إلى ذلك في مواضع كثيرة من القرآن في قوله: «إوّمن آكاء اللَيْلٍ 
فَسبّح وَأطْرَاف التبار» [طه: 130]. 

وقوله: طِبالْعَشي والإنكار» [غافر: 55]. 

وقوله: «إبْكْرَة وأصيلاً4 [الإنسان: 25]» فافهم. 

وأيضًا قد يطلق الليل باشتراك» والنهار كذلك؛ وينسب بالاستعارة» وينصرف إلى 
أمثلتهاء وقد أخذت بذلك الصوفية» وطائفة من العقلاء» ويقال: الليل الجهل لكونه 
يحجب حقائق الأشياء عن الجاهل» ويعمي بصيزته عن إدراك المصالح والرشد. ويحجبه 
من معرفة ما يجب لله ويجوز عليه» ويستحيل في حقه. 

والنهار: هو العلم بذلك كله وإدراك الفاعل على ما هو عليه» ووصفه إما بالسلب أو 
الإيجاب» والأسحار آخر قضايا الجهل وانقراضهاء وأول لوائح العلم» ومقدمات البرهان» 
فيجب على المكلف عنه ذهاب الجهل ولوائح العلم وضع المقدمات الصادقة لتحصيل 
البرهان الكاشف للمطلوب» وأن يحضر ويمعن فكره في آخر المقدمات وترتيب القياس» 
ويستغرق في ذلكء. ويتحرز من الغلطء ومن الأشياء المغلطة» والأمور الإقناعية التي 


شوح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 10 
تحصل البرهان الذي يفيد حقيقة المطلوب». ويكشف له المعلوم على ما هو عليه. 

وهذا البرهان: هو مثل النهار الكاشف لحقائق الأشياء. 

وكذلك بيتحفظ من دخول الشكوك عليه إذا شرع في مسألة ثانية» ويضع طا مقدمات 
أخرء فهي أيضًا مثل إقبال الليل لما فيها من الشكوك؛ ومن الغلط فيحضر ويتوجه توجبًا 
تامًا عند دخول العوالم» وقضاء المخخاطبات عليه حتى لا تشككه وتغلطه؛ فيكون نهاره ما 
انجلى له من القضايا اليقينية بالبرهان الساطعء وليله ما يستقبل من البحث بعد ذلك» 
والطلب في مسائل أخرء والأسحار: ابتداء كشف المسائلء والآصال ايتداء البحث 
والتشكيك عند الشروع في وضع المقدماتء فيحتاج التثبيت وإمعان الفكرء وإحضار 
الذهن لأنها مواطن تحصيل المطلوب» فلا تجوز الغفلة في هذين الموطنين؛ ولذلك حض 
على الحضور والتوجه في الغدو والآصال. 

ويقال: الليل: هو الغفلة والمخالفة لأنهما حجاب عن الحق» وسيب البعد منه, 
والنهار: هو الحضور والاستقامة لأنهما قرب من الحق» وسبب رضوانه. 

والأسحار: هي ساعات التوبة واليقظة والغفلة؛ فحضُ على الحضور والتوجه هنا 
والتثبيت؛ لأنها آخر المخخالفة والبعد» وأول الطاعة والقرب» فيخخاف على التائب هنا في 
أول أمره أن تجذبه العوائد والعوالم الأول التي خرج عنها وتصرفه وترده إلى عالم 
المخالفة» فأمر بالحضور والتوجه والصدق في هذا الموطن ليقوى خبر اليقظة التي نبهته 
على الرجوع إلى الله ويقوي عزم التوبة حتى تثبت حاله في الهدية والاستقامة» وتنجلى له 
مقامات الإرادة ويغتبط بهاء ويثبت فيهاء ويكشف له المطلوب بعد ذلك صحبة الصنائع 
العلمية والعملية. 

وقد يقال: الليل: هو الطبيعة وعالم الأجسامء واستيلاء الشهوات البدنية على جوهر 
الإنسان حتى يغمرهء والنهار: هو إشراق العقل الفعال على جوهر التفس الناطقة» وكشف 
الذوات الإنسانية المحردة عن الزمان» والأسحار: هي النفحات الواردة من العقل الفعال 
عند تحصيل العقل المستفاد؛ فأمر بالتثبت عند تجرد النفس من الشهوات الطبيعية» والعزم 
السالب صحبة الهمة الجليلة» إذ هو موطن صعب لا يقطعه إلا السعداء» وهذا بحسب 
رأي ما. 

وقد يقال: الليل: هو الأخلاق السيعة» وهو النفس عند الصوفية» وهو الحجاب 
عندهم» إذ هو من ظلمات الحظوظ. 

والنهار: هو الأخلاق الطاهرة المطهرة؛ إذ هي من صفات الذوات الروحانية» وهي 


10 رسائل ابن سبعين 
من أسماء الله الرحمانية» والأسحار: هي الانفصال من الأخلاق الأول وابتداء الاتصال 
بالرحمانية المذكورة» فيحتاج المتخلق بالاسم التوجه والتثبيت» وإحضار معاني الاسمء 
وأجزاء ماهيته» والسكينة فيه والاستيلاء عليه بالعلم والعمل. 

ويقال: الليل: هو الشوق والقلق والوجد الواقع في قلوب المحبين» والأسحار: هي 
ال هواتف والهواجس والبواده» والأحوال الكاشفة الواردة من نفحات المحبوب المتوجه إليه» 
والنهار: هو الواهب السلسلة» والعلوم اللدنية التي تفيد المشاهدة الجنسية» والإقامة في 
الخضرة. 

ويقال: الليل: هو التحير عند حال التوجهء وتداخل العوامل على المتوجه» ونزول 
الأحوال, والأسحار: هي الرؤية القمرية» والنهار: هي الشمسية الكاشفة للمطلوب على 
فاايتكب له 

ويقال: الليل هو وهم الإضافة» والأسحار: هي الحقائق» والنهار: هو إدراك الحق 
بالحق. 

ويقال الليل: هو الوحدة التي لا يوجد معها شيءء وهو الذي يشار إليه بالعمى» 
والنهار: هو وجود الأمئلة في معقول الباء» والأسحار: ما بينهما. 

ويقال: الليل: هو معقول الفناء» والنهار: ما بعده من البقاءء والأسحار: ما يفهم من 
الربط بينهما. 

ويقال: النهار: الشفع» والليل: الوترء والأسحار: النسبة. 

ويقال: الليل: آنية الحصرء والنهار: خط الامتداد, والأسحار: ما بينهماء والآصال: ما 
يفهم من أواخر تشطيب الخلط عند أهل الكمالات المهملة للكمالات» فافهم ذلك. 

وقوله #: (وما سرورك إن صدرء إلا وساء كدر). 

الوِرْدُ: هو الشيء المورود عليه» وهو المؤئى» كما تقول: أتيت وردي من الليل» معنى 
صلاتي التي كنت نصليهاء وكأنه الشيء المطلوب الذي يورد عليه الراحة» كما تقول: 
وردت المكان الفلائي نطلب فيه ضالتي بمعنى أتيته. 

وتقول العرب: اترك ماء الجحفة فإنه ورد بني فلان؛ بمعنى أن قبيلة من العرب ترد 
عليه؛ فتسقي منه إبلهاء فالورد: هو الماء الذي يورد عليه» والورود: هو إتيان الإبل إليه» 
والوارد: هو راعي الإبل» والواردات: هي النوقء فالورد: هو المحل المَوْتَى إليهء 
والورود: هو الإتيان» والوارد هو الآتي» كما تقول: ورد علينا فلان» فالورد هو ابجمع 
الذي ورد عليه والوارد: هو الواصل إلى ذلك الجمع؛ والورود: هو الوصول. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 107 


والسرور هو الفرح بالشيء» كما تقول: سررت بتحصيل المائة دينارء أو تقول: 
سررت بفهم المسألة» أو سررت بفهم الكتاب» أو سررت بورود فلان أو بكلامه, 
معناه: فرحت أو تلذذت أو تأنست» وقد يطلق الأنس واللذة والسرور والفرح بترادف» 
وقد يطلق بتشكيك. 

وأما الصدور: فهو بروز الشيء من الشيء» وكأنه ظهور قضية في محل لم تكن فيه قبل 
اذلك؛ وظهور قضية من محل كانت فيه بالقوة» كما تقول: صدر من فلان فعل مذمومء أو 
صدرت من فلان صفة حسنة» أو صدرت من فلان معاملة جميلة» بمعنى ظهرت منه» 
ووصلني منه خخير» أو صدر لي منه إحسانء أو صادرني خيره بمعنى قابلني خيره. 

فالصادر: هو الفاعل الذي صدر منه الفعل» والصدور: هو الفعل الذي برز منه» 
والمصدر المفعول به فكأنه يقول: ما من شيء تأتيه ويكون مطلوبًا محبوبًا لك» ويسرك 
إتيانه وتحصيله» وتفرح بهء وما من شيء يصدر بمعنى يصلك من الأمور الملائمة له؛ 
وتسر به وتفرحء إلا وبعده كدر يحزنك ويسوؤك ويؤلمك. 

والكدر: هو العكر الذي يزيل صفاء الماء» كما تقول: هذا ماء مكدر معناه كن 
وكأنها إشابة تعكر الشيءء وتخرجه عن طبيعته المعتدلة» وتزيله عن صفائه» وتركب 
بساطته. فإن صفاء القلب هو عدم إشابته» واعتدال مزاجهء وإقامته, فبي ماهية السرور 
فإذا تنكد تغيّر مزاجهء ودخلته الإشابة» وتعكر طبعه. فالتكدّر هو التغيّر والإشابة والنكد 
وقد يطلق الكدر والنكد والألم والتغيّر بترادف» وقد يطلق بتشكيك. 

فكأن مضمون هذا الكلام يشير إلى تبدّل أحوال الإنسان في الدنياء ولقلة ثبوتهاء 
ولصورة ذهاب لناتهاء وكونها تنال ني وقت دون وقتء وتنقطع في كل حين» وتذهب 
جملتها بالموت. فأراد أن ينبه الغافل على ذلك وحضّه على الزهد في الخير الموقت 
المنقطع؛ وأن يصرف هته إلى الخير الذاتي الذي لا ينقطعء والذات الروحانية التي لا 
تتبدل ولا يغيرها الزمان» ولا تُعدَمٌ بتبدل الزمان» ولا يفقد أنسها بفقد الإخوان» ولا 
يفقد هنالك مطالعة جلال الرحمن» فافهم. 

وقد يكون أراد بذلك التنبيه على تبدل الأعراض لكونها تنعدم بالذاتء ليتنبه الغافل 
عن حدوئهاء وعلى حدوث الجواهر؛ لكونها لا تَعْرَىء ولا تنفك عن الأعراض؛ فيستدل 
المسترشد بذلك على حدوث العالم» وكونه في هذه القضية المتضادة والمتغيرة من علوه 
إلى سفله» وإن هذا التبدّل يلزم العالم المطلق» وإن إيجاده وخلق أمثاله وأضداده وأغياره» 
وما أشبه ذلك لا يكون من ذاته» فيستدل بذلك على الفاعل المختار الذي أبرزه وهو معه 


108 رسائل ابن سبعين 
بالإيجاد والتجديد والإبقاء» ولا يفارقه ولا يغفل عن خلقه طرفة عين» فقيحصل 
للمسترشد بذلك العلم بخالقه» وقلة الاغتباط بالمحدث, والميل إلى القديم الأزلي» ومحبته 
ويصرف همته إليهء ويتلذذ بعبادته وطاعته ومحبته» ويتأنس بمنادمته ومناجاته في الضمير» 
ويشاهد كلمته وقدرته في العالم المطلق؛ فيذهل بذلك عن اللذات العرضية المتبدلة» 
وترجع لذته جوهرية وروحانية ثابتة» ويرتفع عنه خوف المحدث ورجاؤه. إذ هو ني 
الافتقار والانفعال والحدوث سواء معه. ويتبين له أن المثل المنفعل لا يفعل؛ فيزول من 
قلبه واعتقاده ربانية المخلوقات» ويخرج من ذلك الكون. ويتحرر ويعتبر بملاحظة فاعله 
ومشاهدته في الكون, وفي الحال وفي النوم» وينال بذلك سعادته» فاعلم ذلك. 

وبالجملة قوله: ما سرورك إن صدرء إلا وساء كدر آراد بذلك التنبيه على تبدل 
السرور العاجل» وقلة ثبوته» وأن يظهر للمسترشد خساسة الدنياء وإن لذتها يشترك 
الإنسان فيها مع الحيوان غير العاقل» وإنها ليست من الخيرات المطلوبة عند السعداء. 
فيصرف همته للخيرات الثلاث أعني: الذي يراد لذاته لا لغيره» والذي يراد لذاته ولغيره» 
والذي يراد لغيره لا لذاته. 

وهذه الخيرات ذكرها سيدنا #5 في «الرسالة الفقيريةي» وفي «ِبِدّ العارف»» وفي 
«نتيجة الحكم». 

وسرور السعيد لا يكون بالدنياء ولا بزهرتهاء ولا يعتبر إلا نعمة الله الموصلة إلى 
رضوانه وكدره بضد ذلكء فإذن السرور المعتبر عند السعداء هو طاعة الله عند العيد» 
وظهورها على محله ظاهرًا وباطتاء والكدر مخالفته. 

ونقول: الورَدُ محبة الله تعالى» إذ هي سبب القرب منه» والسرور ما يحصل من اللذة 
عند تحصيل المقامات المقربة إليه» والكدر: هو الفترة التي تضعف محبته. والكدر الذي 
يمنع من التوجه إليه. 

ونقول: الوردٌ: هو التوجه إلى الله بالصدق والإخلاصء والسرور: هو اللذة الحاصلة 
صحبة الأحوال الكاشفة, والخواطر الصادقة» والبواده وال مواجسء والعلوم اللدنية والإلحامية 
وما أشبه ذلك» والكدر: هو ذهاب الأحوال وما ذكرء وانصراف المتوجه إلى حالته 
الأولى ورؤية الإحساس والأغيار. 

ونقول: الورد: هو التخلق بالاسم والسرور: هو مشاهدة المسمىء والكدر: محاهدة 
النفس عند الشروع في تحصيل ذلك» وبعد التحصيل في حفظ الاسم. 

ونقول: الورد: مقام المراقبة» والسرور: حفظ الأحوالء» والكدر: ضبط القوانين» 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 109 
وقهر النفس على ذلك: 

ونقول الورد: تحصيل الوسائل والسرور: توفية شروطهاء والكدر: اختلال الشروط. 

ونقول: الورد: إدراك التوحيد والسرور: فناء الموحدء والكدر: وجود الشفع. 

ونقول: الورد: قطع خبر الفناء» والسرور: وجود السكينة» والكدر: مدافعة الأوهام؛ 
وهذا فيه الكفاية» فافهم. 

قوله ه: والغرض بحول الله في تحصيل الكمالات وأسبابها. 

الغرض: هي الإشارة المنصوبة» وكأنه هو المقصود الذي يعمل المتوجه على إصابته 
بسهم التوجه» فالمتوجه: هو الرامي» والرمي: هو التوجه» والغرض: هو المقصود المتوجه 
إليه» فكأنه قال: القصد بحول الله تعالى في الكمالات وأسباهاء والكمالات تطلق على 
أنحاء» وإن كان حدها حدًا واحدّاء ولكن وجودها في الكامل مختلفة الرتب. 

وحدٌ الكمال هو الذي لا يقبل الزيادة» ويحتل بالنقصانء كما حدّه سيدنا 45 وهو 
يتعين بالنظر إلى مذهب أو بالنظر إلى مطلوب الشخصء ولا يعقل إلا في شيء له غاية 
ووسط ومبدا. 

كما تقول: كملت الآحاد من العدد إذا بلغت العشرة» وكملت العشرات إذا بلغت 
المائة» وكملت المئون إذا بلغت الألف» ونقول: فقيه كامل إذا بلغ الغاية في معرفة أحكام 
المكلفين» وطبيب كامل إذا بلغ من الطب مبلعًا لا يمكن أن يزاد عليه. 

والكلام في الكمال البسيط» والنقص البسيطء والذي يكون بالإضافة إلى مذهب وإلى 
رجل قد ذكره سيدنا #5 في «نتيجة الحكمي» فانظره حيث ذكرء وهو يغنينا عن ذكره في 
هذا الموطن» ولكن نذكره منه هنا ما دعت إليه الضرورة» فنقول: الذي أشار إليه دهده ني 
هذا الموضع: هو الكمال الإنسانيء وهو واحد بالنظر إلى ماهية الإنسان» كثير بالنظر إلى 
لواحقه وكونه. 

قال: وني تحصيل الكمالات» دل على أنها كثيرة» ولما أن كان قانونه يقتضي حصر 
القوانين» وإهمال ما لا فائدة فيه منهاء وتخصيص المذاهب الخمس المعتبرة» وتكميل 
الأربعة الناقصة» وتقرير الواحد الكامل» والحث على مذهبه قال: والغرض بحول الله تعالى 
في تحصيل الكمالات» وذلك أن سيدنا دي قد اطلع على القوانين المتقدمة كلها: الشرعية 
والفلسفية والأدبية» وحصر الكتب المنزلة منها والغير منزلة» من أول ميدأ العالم إلى 
وقتنا هذاء وعرف بحملها ومفسرهاء ومهملها ومخصصهاء وفك غوامضهاء وخصص منها 
خمسة مذاهبء وأهمل ما دونهاء وذكر إنه ما ينبغي أن تذكرء ولا تجمل مخاطبتهاء ورتب 


10 رسائل ابن سبعين 
قانونه وجمعه من المذاهب الخمسة وهي: مذهب الفقهاءء» والأشعرية» والفلاسفة الأتقياءه 
والصوفية الأولياء» والمقربين. 

وبين الكمال الذي يراد بذاته» والسعادة التامة الأبدية» والخير المطلق الذي لا يحصر 
ولا يقدر في مذهب المقربء وجعل المذاهب الأربعة كل واحد مصيب في بعض الأشياءء 
وغير مصيب في البعض» فقرر كل واحد منهم على إصابته» ونه على المواطن التي أخطأ 
فيها وعلمه ونقله منها. 

وأمر المسترشدين المقتدين والطالبين طريقته» والقابلين نصيحته أن يأحذوا بحسب 
نصه في «الفتح المشترك» حين قال: «ختذ من الفقيه المحافظة على الأحكام الشرعية» 
ومدلول صيغه فيهاء ومن الأشعري السياسية بك في مذهبه لا به» ومن الفيلسوف الصناعة 
الرئيسة والحكمة التي تفيد معرفة الأشياء حسب ما تعطيه» وتقتضيه طبيعة البرهان» ومن 
الصوفي مكارم الأخلاق: والتجرد المحض عنك حتى تجدك وتظفر بك» ومن المقرب 
ماهية كمالك الأول والثاني». 

وكتبه كلها منببة على هذه المذاهب الخمسة: فلمًا إن كان كمال مذهبه بجموعًا من 
هذه المذاهبء ولكل مذهب منها كمال خاص بالنظر إلى غايته» وبالنظر إلى الوجه 
المحمود منه» سماها كمالات» وجعلها كثيرة لهذا الوجه الذي ذكرته لك. 

وقد تكون الكمالات في الشخص الواحد بالنظر إلى مراتبه وخواصه» كما تقول: 
العلم بالله كمال أولء والمعرفة كمال ثان» وخخلاص الإنسانية كمال ثالث. 

أو نقول: قطع الوهم كمال أول» وتحقيق الحق كمال ان واستجابة الجميع ني 
الإنسان كمال ثالث. 

وهذا ذكره سيدنا د في «الإحاطةي, والقسم الأول ذكره في «الفقيرية» وها أنا 
نذكر كمال كل مذهبء وغايته وفائدته بقدر الطاقة» والله يؤيدنا بروح منه. 

فنبد فنقول: الكامل عند الفقباء: هو الذي عرف أحكام المكلفين» مفروضها 
ومسنونهاء وعلم السيرة الجميلة» وتفسير كتاب الله» وفهم مدلول التتزيل» وعرف 
المحكم والمتشابه» وذلك كله بالدليل والبرهان» وهذا ذكره سيدنا 5 في «بد العارف». 

والكامل على ما يقتضيه مذهب الأصولية: هو المحصل لما تقدم في مذهب الفقيه» 
ويزيد عليه بمعرفته ما يجب لله ويجوز عليه ويستحيل في حقه» ويحرر توحيده بالدليل 
المركب من المنقول والمعقول» وينرهه من الحد والرسمء ويعرقه بالوصف والاسمء 
ويعلم أسماء ذاته» وكونها ذات مسمىء وأسماء صفاته» ويزعم إنها لا هي هو ولا هو 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 1 
غيرها. وأسماء الأفعال جعلها غيرًا محضاء ويقطع الخصم المعطل بدليل افتقار الفعل المحدث 
إلى محدثه» ويقصم ظهر المشبهة بصفات القدم وما يليق. 

وبالجملة: يعرف خواص المحدث وصفاته» وصفات القديم الذي يجب أن تنسب 
لذاته» وانحصر مذهبه في ميز الذوات وتقابل الجائزات وتعلق الصفات» وهذا الكمال 
الذي وصفت في الفقيه والأشعري إنما هو بحسب ما يلزم من قوة مذاهيهم؛ وما يلزم من 
مبادئ قوانينهم وغاياتهم» وقد تقدم القول بأن الكمال هو الوصول إلى غاية ما لا تمكن 
الزيادة عليها في تفسير ذلك المذهبء أو تلك الصناعة» فاحتجت أن اذكر غايات 
مذاهبهم التي لا يمكن الزيادة عليها في صنائعهم. 

وأما الكمال الإنسائي فلم يتعرضوا إليه» ولا يمكن قوانينهم أن تفيده؛ ولا يتوصل بها 
إليه» والدليل على ذلك أن الفقيه يزعم إن المرتبة الشريفة هي الأعمال فقطء ولا يتعرض 
لثمرة الأعمال» ولا يسلم تحصيلها إلا بعد الموت» وسعادة الإنسان عنده محتملة النقيض» 
ولا يبيحث عن الحقائق ولا يتوجه إليهاء ويزعم أن السعيد من المؤمنين» ولا يتعين مقامه 
إلا بعد الموت» ولا يعلم مقامًا إلا محسوساء ولا جنة إلا محسوسة, ولا لذة إلا طبيعية» 
ورؤية الحق تعالى بجحهولة الكيف عندهء وهو واقف مع الأمور المقبولة».ونفسه محهولة 
الماهية» فلا كمال فيما ذكرناه» ولا خلاص ولا حرية. 

وهأنا نذكر اعتقاد من تكلم في الكمال وعمل عليه» وتكلم في النفس» وبحث عنهاء 
وتكلم في الحقائق» وتوجه إليهاء ويظهر لك بذلك عدم الكمال عند من ذكرناه فنقول: 
مقصود العقلاء هو السعادة» والسعادة: هي النعيم الدائم الذي يستصحب ماهية السعيد 
ولا يفارقهاء ولا يمكن فيه الفقدء ولا يتشوق الإنسان بعد تحصيلها إلى نعيم خارج 
جوهره؛ ولا يطلب خيرا غير الذي قام به» ويرتفع من محله خير الطلب» والتشوق إلى 
غيره إذ لو بقيت عليه بقية يطلبهاء ويتشوق إليهاء ولذة يستدعيهاء ويتقدر عليه وجودهاء 
أو يبقى في ماهية احتمال تحصيلهاء أو ضده لم يكن سعيداء ولا منعما في ذلك الحال» إذ 
هو يستدعي لذات لم ينلهاء ولا قامت بمحله» وهو ليس بكامل إذ هو يستدعي الزيادة. 

ومن افتقر إلى الزيادة فهو في النقصان. فصح هذا النظر أن الكمال هو تحصيل الغاية 
التي لا يقدر بعدها شيء يطلب. وينقطع عندها كل مطلب. ولا يوجد شيء خارج عنهاء 
ويذهب من جوهر الظافر مها كل أملء وترتفع أخبار الإضافة» ويسقط التعليل هناك» 
ويضمحل النقصان والعلل» وتقع السكينة والغبطة والرضوان» فيكون الكامل مقيمًا في 
جنة حضرته التي لا يشذ عنها شيء» ولا يقدر فيه أنه يفقد ما هو عليه ولا يظفر بكمال 


112 رسائل ابن سبعين 
ولا سعادة غير الذي هو فيه وإليه. 

فإذا كان الأمر كذلك فكل طالبء وكل منتظرء وكل واقف في مطلوبه على حاشيتي 
النقيض» وكل من يقدر كمالاً أو سعادة غير الذي هو فيه وبه فليس بسعيد» ولا كامل. 

فنرجع للفقيه, فنقول له: اعلم أن الأعمال الشرعية المراد بها [مساك النفوس عن 
الشهوات البدنية» وتجريد الجوهر عن اللذات الطبيعية» ورياضة الإنسان بالأعمال العملية 
وتشويقه إلى الحقائق بالمباحث العلمية» وتحليته بالتخلقات الربانية» وتغذيته بالملذوذات 
الروحانية» حتى يتجرد عن الجسم بموت شهواته. ويتصل بالذوات المفارقة للمادة بعلمه 
وتخلقه» وعلمه جوهره. فيكون من جملة الذوات المجردة» وذاته مفارقة ليست بجسم., ولا 
في جسم. والذوات المفارقة تعلم بغير نظرء وتدرك بغير حواس» وتشاهد رها شهودًا غير 
زماني ولا مكاني» وهي مقيمة في حضرته إقامة أبدية» وتتلذذ بمطالعة جلاله» وبما يسرى 
ها منه من الفضل والشرفء والكمالات الذاتية التي لا تفارق اجوهر. 

فحينئذ يكون الإنسان باقيًا لا يفنى» ولا يجري عليه الكون» ويستحيل عليه الفساد» 
ويتلذذ بلذات روحانية غير منقطعة» ولا تنال في وقت دون وقتء إذ هي في جوهره 
جوهرية لهى وصفة نفسه. 

وقد سلمت في مقدماتك واعتقادك إن نعيم الحنة لا ينقطع» وإن الإنسان فيها لا 
يموت» ولكنتك جهلت الكيفية» فهذه كيفية ذلك» وزعمت إن ذلك لا يكون إلا بعد 
الموت الذي تعلمه في عرفك» وصدقت في ذلكء ولكنك عازك أن تعلم إن الإنسان 
المتوجه للقوانين الشرعية يموت عن الجسم قبل موته الذي تعلمه في عرفك» ويتجرد عنه 
تجريدا تامًا بحسب استغراق حاله في ذلك» ويدرك خاتمته ومقامه» كما تخبر أنت إن 
ذلك يرى بعد الموت. 

والصوفية من أهل الملة كل واحد منهم متفق على هذا المعنى» وقائل به» وهذا هو 
المعروف المتعاهد عندهمء وجميع ما تقول أنت أنه يحصل في الآخرة يدركه» وياكل 
بروحه من طرف الحنة» ويشاهد مقعده عند الله ورتبته» وخاتمته يقطع مهاء ويتكلم 
بالمغيبات ويكشف الواقعات قبل وقوعباء هل هذا إلا من مطالعة النظام القديم» وكشف 
ما فيه؟ وهذا لا يكون إلا بجوهر روحاني مفارق للمادة. 

وأنت تسلمء وتقول: إن السعادة تنال بتوحيد الله تعالى» ومعرفته» والأعمال الصالحة» 
وعلى قدر ما يستكثر الإنسان من الأعمال تكون درجته عند الله وسعادته. 

كذلك يقول الصوني: على قدر الأعمال الشرعية» والميل إلى الله حتى يستغرق أزمنته 


في الأعمال والعلوم والمعارف» بقدر ذلك تكون غيبته عن الجسمء وبقدر ما يغيب عن 
الجسم يتصل بالأرواح الطاهرة المفارقة في حضرة الله فالمتصل بها يكون في حضرة الله 


حيث قال تعالى: لإفي معد صلاق عند مَلِيك مُقمَدِرٍ» [القمر: 55]. 
فبذه مقدماتك مسلمة إن الكمال الإنساني في القرب من الله والقرب”؟ من الله لا 


(1) قال الشيخ القاشاني في القرب: هو القيام بالطاعة» والقرب: هو دنو العبد من الله تعالي بكل 
ما يعطيه من السعادةء لا قرب الحق العبد» فإنه من حيث دلالة: ِرَهْرَ مَعَكمْ أَْنَ مَا كم» 
[الحديد: 5 عله وإب عام سبواء كلق نينا ارامقياء لكل عيلواي كل وت تنيت ستاكرية 
الأسماء الإلهية قرب من حيث تجلي اسم إلي وبعد من حيثية اسم آخرء فالقريب من المضل 
بعيد من الهادي» والعكسء فكل اسم يعطي قرباء فالسعادة رضم فى هذا القرب المسطك علي 
وقد يكون للحق قرب خاص من العبد زائد على قربه العام. 
كما قال تعالى لموسى وأخيه عليهما السلام: لقَالَ لا تَحَانا إِنِي مَعَكُمَا أُسْمَعُ وأرَىبه» فإن 
هذه المعية» معية العناية بالحفظ والكلاءة» لا المعية العامة فقرب العبد من الحق بكل ما يعطي 
من السعادة يتبع له قربا خاصا من الحضرات بالحقية» كما قال يع عن ربه تعالى: «من تقرب إلي 
شبراً تقربت إليه ذراعاء ومن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعاء ومن أتاني يسعى أنيته هرولة». 


والقرب على قسمين: علمي» وعملي. 

فالعلمي: أععلاه العالم بتوحيد الألوهية» وهو على نوعين نظرى» وشهودي. والعملي: على 
نحوين: 

قرب بأداء الواجبات: وهو القرب الفرضي كما قال يدن ربه تعالى: وما تقرب المقربون بأحب 
إلى من أداء ما فرضته عليهم». 


وقرب نفلي: كما قال يَدّعن ربه تعالى: «لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبهء فإذا 
أحيبته» كنت له سمعاً وبصرأه. ومداد العمل المقرب: 

إما من الباطن إلى الظاهرء فأعمه وأتمه الإيمان. 

وإما من الظاهر إلى الباطن» فأعمه وأتمه الإسلام. 

وما من القلب الجامع بين الظاهر والياطن» فأعلمه وأتمه الإحسان. 

فمقتضى القرب النفلي: تجلى الحق للعيد متليسا القابلية المحدودة. 

ومقتضى القرب الفرضي: تجلي الحق له» وظهور العيد بحسب الحق» غير محدود» ولا متناه. 
فالتمييز بين قوسي الحقانية والعبدانية في القرب المفرط إن كان خفياً يعبر ب «قاب قوسين». 
وإن كان أحفى يعبر عنه ب «أو أدنىي». 

ومن هنا قال قدس سره: وقد يطلق على حقيقة: «قاب قوسين»» فالتجلي بحكم هذا القرب» إن 
كان في مادة وصورة» تتبعها القرب في النسبة المكانية» في مجلس الشهودء وإن كان في مجلس 
الشهودء وإن كان في غير مادة» كان قرب المنزلة والمكانة» كقرب الوزير من الملك.. فافهم. 


4 : رسائل ابن سبعين 
يكون إلا بقدر المعرفة به» والطاعة لهء ومعرفته لا تكون إلا بالجوهر الملكي المفارق» إذ 
الجسم لا يعلم؛ لأنه ميت بالطبع. 

والعمل الصالح هو أخلاق الذوات المحردة» إذ الخير هو طبيعتهاء فتوحيد الله هو ذاتهاء 
والسعادة في التوحيدء والعمل الصالح, والخير المحض. والسعادة والكمال في الذات المجردة 
بالذات» فافهم الشريعة على هذا الوجه؛ وتكون من السعداء الصوفية الحلة. 

وكذلك يقال للأشعريء, إذ هو يعتقد في سعادة الإنسان ما يعتقده الفقيه لأنها عنده في 
حكم الإمكان» ومحتملة النقيض» وبعد الموت يتعين منها ما شاء الله فيقال له: جميع ما 
اعتقدته في اللهء وكونه ليس بجسمء ولا ني جسم ومنره عن طَرْءِ الأعراض الحسمانية 
عليه وإنه يعلم لا ني زمان» ولا في حاسة جميع ذلك هو الذي يقال على جوهر الإنسان. 

ولما كان الإنسان جوهرًا ملكيًّا مفارقًا كان عارفًا بالله بالذات» وتحت ربه من كل 
الجبات» ومشاهدًا له على الدوام» وكامل العبودية له بالذات. 

فلمًا غمرته الطبيعة في الأمور المحسوسة بمشاركة الأجسام احتاج إلى الحواس» وآلة 
البدن» فجاء التوجهء» وخطاب الشريعة» كأنه يصرفه إلى عالمه» فيجد كماله في ذاته' 
وجوهره صفه نفس ذلك الجوهرء وتلك الذوات. 

وافهم ذلك من قوله تعالى: ارْجعي إِلَى رَبّك» [الفجر: 28]. 

ومن قوله: كما بَدأنا أول خَلْقٍ نعي نُعيدةُ4 [الأنبياء: 104]. 

ومن قوله: لوَقَد عَلَكُمْ الثأة الأولى فَلَرْلاً ذَكْرُون» [الواقعة: 62]. 

هل هذا إلا إشارة للمبدّع الأول الذي خلق في أحسن تقويم بمعرفة خالقه وباريه» 
ومشاهدة جلاله والنظر إلى وحدتهء ثم رجع أسفل السافلين بمشاركة المواد وتدبير 
الأجسامء ثم يرد إلى جوهره الأول بالإيمان والعمل الصالح؟ 

فالكمال الإنساني: هو اتصال الإنسان بمبدئه الأول حيث هو رضوان الله وتوحيده 
ومشاهدته بالذات. 

ويقال للفيلسوف: أنت تنكلم في الكمال الإنسائي» وتعمل عليه وتزعم إنه يحصل 
بتجرد الجوهر عن عالم الطبيعة» والاتصال بالعقل الفعال على قولة الحكيم أرسطو 
بالجوهرء وإلى الكلي بالعلمء» وأن سعادة الإنسان في القرب من الله والعقل أقرب 


انظر رشح الزلال تأليف الشيخ عبد الرزاق القاشاني» تحقيق الدكتور عاصم الكيالي» نشر دار 
الكتب العلمية ص 218 وما يليها. 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 115 
الموجودات إليه؛ فالسعادة في الاتصال بالعقل» وإن العقل جوهر روحاني غير مركب؛ وما 
ليس بمركب لا يفنى» فالعقل لا يفنى» وإن الروحاني لا يدخل تحت الزمان. وما لا يدخل 
لا يتغير؛ فالعقل لا يتغير. 

وإن النعيم والسعادة والكمال في الثبوت. وعدم التبدل» وإدراك الأشياءء ومطالعة 
الأزل» وهذا كله ني العقل من صفة نفسه. فالاتصال بالعقل هو الكمال الإنسائي» وإن 
شرف العقل وكماله من ذاته» وإن الإنسان لا يصل إليه حتى يقطع ما بينه وبينه من 
الرتب» وإن كل رتبة ضرورية في تحصيل ما فوقها؛ فتجد كمالاً داخله التققص وسعادة 
مشوبة بالشقاوة» فإنك تتعب في قطع المراتب» وتجتهد في تحصيلها وتحصيل ما بعدهاء 
وتشقى بحولك وقوتك. 

وتصل بعد ذلك كله إلى جوهرك الذي أنت به إنسان» وإلى ذاتك الذي كنت بها في 
أول التوجهء كأنك حصلت بعد الجهد ما كان حاصلاً. وطلبت القريب بالبعيد» وبحكت 
عن الضروري بالدليل» وحجبت الظاهر الحلي بالتعليل» ويحك! كيف تتوجه إلى عقول 
الأفلاك» وعقلك مثلهاء وجعلت المثل يفتقر إلى مثله» والجواهر المفارقة فضلت بعضها 
على بعض» وجعلت الفضيلة ذاتية للجوهرء وأنه استحق ذلك بحسب رتبته» وكيف 
ذلك» وجواهرها واحدة ني الاضطرار» والاضطرار الموجود ني كل واحد منها هو 
الموجود في الأخرء وما عدم من كل منها عدم في الأخرء وهي واحدة في وحدتها التي لا 
تنقسم» وكونها روحانية لا تركيب فيهاء وهي متساوية في ذلك؟ فكيف يفتقر المثل إلى 
مثله من كل اللجبات» والذي عدم منه عدم من مثلهء والذي هو موجود في مثله هو 
موجود في ذاته هو؟ 

فعليك بجوهرك الذي تبحث به عن غيره» وابحث به عنه» واطلب الشرف والكمال 
من الواحد الحق الذي قال: لأَغْطَى كل شَيْء خَلْقَهُك [طه: 52], ثم هداه إلى نصيبه 
الموجود ني النظام القديم. 1 

واعلم أن جوهرك يأخذ نصيبه من الله كما يأخذه العقل الكلي والفعال وغيره» وأن 
كلمة الله هي المفيضة على كل جوهرء وهي المقوّمة والمتممة لكل موجود, روحاتيًا كان 
أو جسمايّاء وأن الله لا واسطة بينه وبين مفعوله؛ وأن أمره هو الذي ينسزل في السموات 
والأرض فعليك بهء ولا تبلك نفسك في ذل الوسائط» وتطلب القريب من كل الجهات 
من البعيد» فجميع ما أنت تصل إليهء وتنوجه بعوالمك الروحانية والجسمانيّة إليه هو 
مثلك. وتخبر بالوصول, وقطع المراتب» وأنت لم تنفصل عنكء وتفرح بخبر متوهم. 


5 رسائل ابن سبعين 

واعلم أن مبادئ المتصوفة في التوجه هي من فوق العقول التي تزعم أنها غايتك» فإنك 
ترزعم إن كمالك في العقل الفعال» وأن لا نصيب لك من الكلي إلا العلم به» والصوني 
يجعل الكلي والفعال» وبالجملة الروحاني والجسماني من تحت قدمه عند توجهه» وذلك 
لما أن علمها أنها بجملتها واحدة في قضية الافتقار والانفعال والإمكان, وأنها متماثلة معه 
أمل الفعل» وتوجه إلى الحق بالحق. 

فبالوجه الذي أهمل ذاته أسمل الكون كله وحيث فني هو فنيت العوالم بأسرهاء 
فعلومه من الكلمة» فإن عنده أن الممكن لا وجود له إلا بكلمة الحق» فينفى عن جملته. 
ويثبت بالكلمة» أو تكون الكلمة ذاته» والكلمة لا تفارق المتكلم» فهو لا يفارق الحق. 

أو نقول: الكلمة ذات الصوني وهي صفة الله» وصفته غير زائدة على ذاته» فالصوني 
لا ذات له إلا الحق» أو تكون ذاته من قبيل الوهم» أو من قبيل الخبرء أو من قبيل الأسماءء 
فاعلم ذلك. 

وقد تبين لك هذا كله أن الكامل عند الفلاسفة: هو الذي يصل بالجوهر إلى العقل 
الفعال» وبالعلم إلى الكلي» أو يكون في الفعال بالجوهر وني المقصود بالعلم. 

وقد ذكر سيدنا 45 هذا في «نتيجة الحكم» فانظره هناك» وكذلك ذكر هناك إن 
الكامل عند الصوفية في الوجه الأول: هو العالم بالمشروع والمعقول بشرط أن يكون نحو 
الصواب فيجماء ويغلّب الأحوال على الأقوال» وكذلك الأفعال» ويكون ثبنًا في سريرته» 
ويعلم ذلك من سيرته؛ والكامل في الوجه الثاني: هو الذي حصل مقام الإسلام والإيمان 
والإحسان بالتجوهرء ووجد الآنية في خبره ثابتة النسبة» غير أنها تختلف فيه من جهة 
الشعورء ويجد الافتقار إليها. 

والكامل يحسب الوجه الثالث: هو الظافر بالوجوه التسعة» الذي حصل مفهوم 
الأساء في ماهيته» وحصل الإحاطة, ولم يتلاعب ضميره بوهمء ولا كان من وهم ولا في 
وهيم. 

وهذا ذكره سيدنا ذه في «النتيجة»» إلا أنه ذكرته أنا لك بالاختصار في وصف 
القسم الثالث. 

والكامل عند أهل الحق فيما ذكر سيدنا 4 في «النتيجة»: هو الذي لا يسلم الكمال 
ولا يطلقهء وإن صح عنده إما يصح بإهمال هذا الكمالء وترك هذا الحشوء والعلم عنده 
ما يصح من الماهية» أو هو يرجع إلى إخباره أو قضية راجعة منحطة. 

ويقول: أهل العلم العلوي لا يعلمون الصنائع ولا يعرفون السلوكء وغاية الصوفية 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 1 
والحكماء الوصول إليهم» وهم من حيث مراتبهم لا استقلال لهم وأين الناس وأين الحق 
منهم؟ 

وهذا يقول إذا تكلم في عادة الصوفية والحكماءء» وأمّا من حيث هو فلا علم له إلا 
واحد وهو هوء فاعلم ذلك. 

فقد تبِيّن لك بهذا النظر أن الفيلسوف يتوجه من الفعل إلى الفعل» ويعبد العبد بالعبد» 
أو يعبد العبد بالحق بنظر ماء والصوني تفوته المقارنة والنسبة» ويتوجه بالصفة إلى الصفة» 
ويخبر عن اللقاء بالوهمء وحمله على ذلك كله عدم الفهم؛ لأنه جهل الحق عنده» وتوهمه 
أنه وصله بفقده, ومن حيث وجله فقد ومن حيث عينه غيبهء» وأخفاه من حيث أظهره» 
وقبضه من حيث بسطه وامحققُ جَماله ترك كَمَالِهه وجماله عَيْنُ جلاله» وتوجهه سكينة 
في ماهية اعتداله. : ا 

والفقيه لا كمال له إنساني» ولا تجوهر له رحماني» فإن اعتبرت به كمالاً؛ فإنها تعتبره 
بالنظر إلى مبدأ مذهبه وغايته» لا بالنظر إلى تجوهره؛ وتجريد ذاته» وكذلك القول على 
الأشعري. 

فقد تبين لك الكلام في الكمالات بحسب المذاهب المعتبرة» وكيف هي في الفقيه 
والأشعري؛ في القانون لا في الإنسان» وني المذاهب لا في الجوهر من ذات الرحمن؛ وني 
الفيلسوف بجوهر ناقص وإنسان مستند» وني الصوني بحق مضاف». ورضوان مقيد, 
والمحقق كبف الكمالاتء وكنه الإمكانات» فاعلم ذلك. 

وهذا الكلام في الكمالات قد فرغ منه» فتبدا بذكر أسباها. 

فنقول أسباب الكمالات عند الفقيه في تحصيل مذهبه: معرفة لسان العرب» ومعرفة 
اللغة العربية» وحفظ الكتاب والسنة» ومعرفة تاريخ الآيات والأحاديثء والعلم بالناسخ 
منها والمنسوخ, والنظر في المحكم والمتشابه. 

وأسباب الكمال بالنظر إلى مذهب الأشعرية: سلامة العقل والفطرةء والاجتهاد 
الكلي» والبحث المسددء والمعلم الخبير الناصح. 
وأسباب الكمال عتد الفيلسوف: تحصيل المطالب الأصلية» والعلوم المنطقية مثل كتاب: 
«لبساغوجي»» ووالمقولات العشرمءة و«رباري ارمينياس»») و«(أنالوطيقي» 
«قاطاغورياس»» و«المخاطبات الخمس»» و«(الأقيسة التسع»؛ وما يتبعها. 
وما يتقدم على ذلك من اعتدال المزاج» وسلامة الفطرة» وسعادة المولدء وحسن المعلم» 
وما أشبه ذلك» وما يلحقها من التجرد والرياضة. 


118 رساثل ابن سبعين 

وأسباب الكمال عند الصوفية هي على أنحاء: فإن الصوني يأخذ مقدماته الأول من 
الفقيه في الأعمال الشرعية» ومن الأشعري في الاعتقاد العقلي» ويركب على ذلك التوجه 
وامجاهدة والتوكل والتسليم والتفويض والرضىء وهذا سبب الكمال عند بعضهم. 

ونقول أيضًا: سبب الكمال عند الصوفية: التخلي عن غير الله والتحلي بصفات الله 
والتجلي شرة ذلك كله. 

ونقول أيضًا: سبب الكمالات: الصدق والإخلاص» واستصحاب الحال» وثبوت 
القدم» والتجرد المحضء والتخلق الكلي. 

ونقول أيضًا: سبب الكمال على أي نوع كان لا يكون في العبد من حيث هو وعقله 
ونفسه وجملته عاجزة عن استجلاب الخير وتحصيله» وعن التوجه بالجملة. 

فإذا رأينا ذلك وثبت في الرجل حكم ذلك؛ علمنا أنه من عند الله» وإن السبب في 
ذلك قدرته وإرادته وحكمه وأمره. 

فصفات الحق هي سبب الكمال77» وأصل في وجوده وصفاته غير زائدة على ذاته» 
فذاته سبب الكمالء فهو المتقدم على توجه المتوجه؛ وهو الموجود في نفس التوجه من 
حيث استحقاق الفاعل لفعله» وهو الموجود عند الفتح والوصولء وهذا معنى قول سيدنا 
في «الرسالة الفقيرية»: هو المطلوب وبه يطلب,. ومنه الطالب» وله ومنه وعنه الكل» 
فاعلم ذلك. ظ 

وأسباب الكمال عند المحقق الأول زمان حائل» ومكان آفل» ومضاف زائل» وطالب 
نائل» وخبير خبره ذات مخبره» وعليم علمه عين معلومه» وحصر ممتدء وقضية تجدد 
وفرع هو ذات أصلهء ونوع لا عموم جخنسه. 

قوله 45: والتجوهر بمدلول الإمكانات الإفية. 

التجوهر بالشيء: هو حصوله في ماهية المتجوهرء مثل الشيء المطبوع الذي لا يمكن 
زواله» ولا يقدر فقده, وكأنه يعود له من صفات الأنفس التي لا انفكاك لها كما تقول: 
تجوهر فلان بحب فلانء بمعنى أنه غلب عليه حبه» وحكم في طباعه. وظهر في شمائله 
ونعوته كلهاء وبه قال بعض الفقراء حيث سثل عن الحبة فقال: هي اتحاد النعوت. 


(1) الكمال: التنزيه عن الصفات وآثارها. أي: عن كل ما يقيد ذات الحق» وحقيقته فيخرجها عن 
إطلاقها صفة» وتجردها عن الاعتبارات ومطلق إبقاؤها على الإطلاق. الذاتي» والذي حكمه مع 
سائر القيود على السواءء وذلك هو الكمال الحقيقي» فافهم. 


شرح رسائة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 8 

وكما تقول: تجوهر فلان بالخمرء بمعنى أنه لا يصحو منه» وقد حده سيدنا لإ في 
«التتيجةيم: فقال: التجوهر هو أن يكون المتجوهر ثي الشيء بعموم ماهيته» والدال: هو 
الناصب للدليل؛ والدليل: هو الحامل للمطلوب المستدل عليه؛ والمدلول: هو المطلوب 
بالدليل» والإمكان: هو الحواز الذي يحكم بنفي الشيء أو إثباته حكمًا واحدًا على 
التساويء كما نقول في قضية جائزة إذا قدرت وقوعهاء وهي من حكم اللحائزات يمكن 
أن يكون ممكن بمعنى يجوزء. ويمكن ألا يكون. 

وبالجملة: الممكن هو الجائز» والإمكان هو الحوازء وهو متوسط بين الواجب 
والمستحيلء؛ فالواجب: هو الذي يلزم من فرض عدمه محال» والمستحيل: هو الذي يلزم 
من فرض وجوده محال» والممكن: هو الذي يجوز وجوده ويجوز عدمهء وفي 'قضية 
الإمكان كان العالم قبل وجوده. وفيها هو الآن في بقائه» وتجديد إيجاده. 

وبالجملة: كل .فعل يفعله الحق تعالى» وكل ما فعل هو في الإمكان" والإمكان: هو 
حقيقة العالم بأسره. 

ولما كان الممكن .لا يقع بنفسه لكونه لا يترجح أحد طرفيه على صاحبهء فوقوعه 
يدل من صفة نفسه على الفاعل المختارء ولمًا كانت المفعولات أنواعًا كثيرة» وكل نوع 
من مخلوقات الله تعالى له من الإمكان قضية تخصه سماها إمكانات بحسب الإمكان المقدر 
في مخلوق مخلوق والإمكان من حيث هو هو واحد ني حكم العقل» ويتعدد بحسب 
حكمه في مخلوق مخلوق فتسمى إمكانات. 

كما تقول: أعوذ بكلمات الله التامات» وكلمة الله من حيث هي كلمة واحدة. وتتعدد 
بحسب أثرها في المخلوقات المتعددة» وكذلك القول في الإمكانات: هي كثيرة بالنظر إلى 
تعدد الممكنات, والإمكان واحد من حيث معقوله المطلق» فلمًا كانت الإمكانات تدل 
بذاتها على الفاعل الذي يخصص ممكنا بدل ممكن, والفاعل واجب الوجود. ولا يظهر 
ممكن إلا بقدرته ومشيئته وعلمه وحكمه وأمرهء فكل ما يقع في الممكن يدل بطبعه على 
صفات الحق تعالى» وعلى وجود ذاته» ووجودهاء وعلى قيامه بتاتهاء [ذ كل ما يقع في 
الممكن هو صادر عن ذاته» فمدلول الإمكانات هو الله تعالى وصفاته. 

وقوله ذفه: «الإلهية» الضمير يعود على الله» وصفاته لا على الإمكانات» وكونه حض 
على التجوهر بذلكء معناه إن لا تعقل لذاتك وجودًا إلا بصفات الله المقومة. لوجودك 
والمتممة لهء والتي لا حقيقة لك إلا بهاء. كما تقول: لا وجود للممكن إلا بقدرة الله» 
والقدرة شرط ضروري في وجوده؛ وما هو ضرورة.الشيء فهو الشيء. 


1 وسائل ابن سبعين 

إذًا القدرة هي ذات الكون الممكن» والقدرة صفة الله وصفته غير زائدة على ذاته» 
فالله هو ذات كل ممكنء» ووجوده بالوجه الذي ذكرناه» ومن حيث أنه إذا قدر ارتفاعه 
ارتفع وجود كل شيء» فاعلم ذلك ونرّه واعتقد الإفرادٌ الحض مع قوة الملازمة. 

فكأنه قال: لا وجود لك» ولا حقيقة» ولا ماهية, ولا حال إلا بالله» والله هو أصل 
وجودك وأحوالك؛ وهو الظاهر ني ظهوركء والباطن في أسرارك» وهو الكل من حيث 
استحقاق الفاعل للفعل فتجوهر به بمعنى أبصره أنه هو الغالب على ماهيتك؟ بل هو 
ماهيتك كما ذكرناء وهو الموجود في نعوتك كلها والسميع في سمعكء والبصير الذي 
ييصر ببصرك وسطش بيدك ويسعى برجلك؟؛ فتجوهر به بمعنى أنك لا تعول إلا عليه» 
ولا تنادم إلا له ولا تبصر إلا وجوده» فإنه أقرب إليك من وجودك لك(" , 

فافهم ذلك من حديث رسول الله يله حاكيًا عن الله: «إذا أحببته كنت سبعه وبصره 
ويده ورجله»©. 

معناه: إذا أحببته» والضمير فيه عائد على فهم العبد وعمله يذلك. 

وأمًا من حيث الحق تعالى؛ فهو سمع كل شيء وبصره وجملته قبل وجودك ذلك ومعه. 
ولا يتنوع الأمر من حيث الله تعالى. ولا يمكن أن يكون في وقت سمع العبد وبصره ولم 


(1) قال سيدي محمد وفا في الشعائر: التمكين: رسوخ القدم في حضرات الفعل. 

(2) رواه الحكيم الترمذي في النوادر (265/1)» وذكره ابن حجر في فتح الباري (344/11)» وأصله 
في البخاري. ش 
قال سيدي على وفا قدس سره: لقد تحول الرب الحق لقوم ني صورة جمادية» وقومٍ ني صورة 
نباتية) وقوم في صورة ة حيوانية» وقوم في صورة عنصرية فإذا كول لك في صورة إنسانية فاحمده 
على ما فضّلك, بأن تحول لك في صورة أحسن تقويم» وشاهد المثل الذي ليس كهو شيء في 
عوالم كيانك» فافهم. 
جاء في الحديث: «فإذا أحببته كنت هو»ع. 
وفي رواية: «وكنت لسانه وسمعه ويصره ويده ورجله وفؤادهي» فإذا جالسته جالست من كائلفى 
وإذا خاطيك خاطبك من هو لسانه» وقس على هذا. 
وقال سيدي علي وفا أيضا: إذا ظهر الوجود الروحاني بحكمه الإلهي في عينه الروحاني؛ قتلك 
روح إفي» وقس على هذاء فمن روحه المتعلق بمثاله الجسماني إلحي؛ فهو المقول فيه: كدت 
سمعه وبصره»» وسائر قواه بحسب كمال الظهور والتعلق» فإن كان هو ني شهوده ذلك الروح لا 
المثئال الجسمائي فهو المقول فيه: «وفإذا أحيبته كنته». 
وذلك المثال هو المقول فيه: «خلق الله آدم على صورتهي» وهو حجاب عرّته على مدارك 
تنزيهه عن ذلك» ولكل مقام مقال» ولكل محال رجال. وانظر: المسامع (398) بتحقيقنا. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 12 
يكن قبل ذلك كذلك ولا بعدهء هذا في حق الله تعالى محال. 

وإشا معنى الحديث: إذا أحيبته جعلت له فهمًا يعلم أني سمعه وبصره ويده ورجله. 
وأني كذلك كنت قبل ذلك بالإلزام الذي ذكرناء ولما كانت انحبة نورًا ييصر به نعوت 
المحبوب وصفاته وذاته كان العبد عند وجودها أبصر قرب الحق منه» وكونه معه» فصار 
التقديم والتأخير للفهم الذي يوجد عند العبد فيعلم قرب الحق» واستحقاقه له. 

فتنبيه العبد الممكن على التجوهر بالواجبء معناه: أن يعلم أنه متجوهر بالواجب من 
صفة نفسهء وأن الحق مقوم لوجوده. ومتمم له وأنه معه على ما هو عليه في كل 
الأحوال» فنبهك أن تعلم ذلكء فافهم. 

وقوله 45: (وبما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب). 

أشار بذلك للآداب» والتصريف الموزون» ووضع الشيء في محله. ولما يبقّ في الكلام 
المتقدم أن العبد في حضرة ربهء وبين يديه وأنه بعينه» ولا يفارقه» فنبه ألا يتصرف في 
تلك الحضرة إلا بما يجب, ومما يجب للعبد ألا يذكر غير ربه» وهو بحضرته» وألا يطلب 
شيئًا من غيره» وهو مقيم عنده» وألا ينسب وجوده لغير حقه وهو به وله» وألا يطلب 
نعمة من غير الله وهو بعين الله فيكون ذلك من وضع الشيء في غير محله وطلب 
الشيء من غير مالكه وفاعله» وأن ينسب وجود الممكن للواجب فيكون من وضع 
الشيء في محله وآلا يذكر أحدا إلا الله الذي هو ذاكره بالإمداد والتجديد وإعطاء الماهية 
فيكون من وضع الشيء في محله وفعل ما يجب. وألا يطلب نعمة من غير الله» فلا نعمة 
لغيره إلا مستعارة» ويطلبها من الحق» فهو المنعم على الإطلاق» ويكون ذلك من فعل ما 
يجب ووضع الشيء في محله. 

أولاً يطلب نعمة إذ نعمة الله قائمة به لثلا يغيب عن الحاضرء ويجحده بطلب الغائب 
المتوهمء ويكون ذلك من فعل ما يجبء. ووضع الشيء في محله» ولا ييصر وجودا إلا 
الواجب» إذ لا وجود لغيره معه» ويكون ذلك مما يجب» ووضع الشيء في محله» وبصره 
الذي ييصره به الواجب ينسبه للواجبء فيكون ذلك من وضع الشيء في محله. وفعل ما 

وإذا كان العبد ينسب الأشياء إلى حقيقتهاء ويضعها في مواطنها ووجودها الذي هي 
به ماهية, ويتركها على ما هيء فقد فعل ما يجبء كما يجب على ما يجب في الوقت 
الذي يجب. لأنه ينظرها في الله بوجودها على ما هي عليه في أوقاتها وأحواها وأمكنتهاء 
وهذا هو التصريف الموزونء ووضع الشيء ني محله» وفعل ما يجب» والمتصرف بهذا 


12 رسائل ابن سبعين 
التصريف هو المتجوهر بمدلول الإمكانات الإلهية على التمام» وهذا الذي يذكر الله من 
صفة نفسه ويجده ني جملته» وييصره في أحواله كلباء وني الكون المطلق» وفي بصره 
الذي يبصر به كما تقدم. 

وإذا صح بما ذكرنا أن الممكن لا شيء له» ولا ذات إلا مستعارة من الواجب» وهي 
بالجملة لا تفارق الواجب الذي هي منه وبه وعنده. فإذًا لا ممكن على الحقيقة إلا متوهم؛ 
أو خبر» لا مخبر له. خارج الذهنء فإِذًا القضايا كلها واجبة» فكل قضية يجب على البصير 
أن يتصف بماء كما وقعت وكما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجبء إذا هي 
واجبة لا مخيصء ولا انفكاك لما عن ذلك كله لأنها وجود واجبء وهذا معنى قوله 5ك: 
وبما يجب كما يجب ني الوقت الذي يجب. 

وقوله #: (والاتصاف بالحكمة التي تفيد الصورة المتممة للسعيد). 

الاتصاف: هو قيام الصفة بالمتصف حتى تصير له معنى ووصفًا لازمًا مها يوصف 
وينعت بهاء كما تقول: «فلان العالم» إذا اشتهر بالعلم وصار له نعنًا أشير إليه به» أعني: 
بصفة العلم» وكما تقول: حاتم الكريم» فصار يكنى بالكرم» وينعت به لكونه صار له 
وصفًا لازماء وكذلك تقول: فلان الشجاعء وما أشبه ذلك. 

والحكمة في اللغة: هي العلم والعدل, كما رسمها سيدنا 4 في الكلام على انواع 
الحكمة» وفي «الرسالة الإصبعية» قال: إنها العلم والعدل» وزاد: وضع الشيء في محله. 
والحكمة في الشرع: هي السئّة لقوله تعالى: طوَاذْكْرَنَ ما يُثْلَى في بتكن من آيات الله 
وَالْحكْمّة» [الأحزاب: 34]. 

والحكمة: الفهم عن الله لقوله تعالى: لإيُؤْتي الحكمة مَن يَشَاء» [البقرة: 269]؛ 
معناه الفهم عته. 

وهذا ذكره سيدنا 5ه في رسالة «الكلام على الحكمة»» وفي «الرسالة الفقيرية»» وإذا 
نظرت معناها يرجع إلى اشتقاقها في اللغة» فإن العلم والعدل هو معقول السئة والإيمان 
والعمل الصالح, والعلم: هو الفهم عن الله فقوله: والاتصاف بالحكمة. آراد بذلك أن 
تظهر الحكمة على العبد وتستجيب في سيرته» وتعلم من سريرته حتى يسمى بها حكيمًا؛ 
لقوة ظهورها عليه بالعلم والعمل!©. 

وقوله #: التي تفيد الصورة المتممة للسعيد. 


(1) قال سيدي علي وفا: الحكمة ما فيه وبه صلاح النظام وكمال القوام في كل مقام بحسيه. 


شرح وسائة العهد لبعض تلاعيذ ابن سبعين 12 

قيدها ودل ذلك على أن الحكمة من الأسماء المشتركة» وأن منها ما يفيد الصورة 
المتممة» ومنها دون ذلكء ولذلك قيدها بقوله: التي تفيد الصورة المتممة» فإنه قد يطلق 
الحكيم في العرف على الذي يدبر الأمراض الحسمانية» وهو الطبيب الذي يحفظ صحة 
البدن؛ ولا يفيد الصورة المذكورة» لكن كان له من الحكمة اشتراك, وهو العلم بأخلاط 
الجبسمء والخخاص بمضاره ومنافعه. 

وكذلك الفيلسوف الإلحي هو الذي جمع أقسام الفلسفة الأربعة» يطلق عليه حكيمًا 
ويسمى بالحكيمء. ولكن ليس هو الذي أشار إليه سيدنا 45 هناء إذ حكمته عندنا لا تفيد 
الصورة المتممة على التحقيق» وإن كان رسم الحكمة عنده معرفة الأشياء حسبما تعطيه» 
وتقضيه طبيعة البرهانء أو معرفة الأمور الإلهية والإنسانية» والاعتناء بالموت» أو المعرفة 
بالله على قدرة طاقة الإنسان كما رسمها سيدنا 45 في مذهبهم في «البد»؛ فإنه لا يفيد 
ذلك على الوجه الذي يريده المحقق؛ لأنه عرف الله على قدر طاقة الإنسان» والإنسان 
ممكن الوجود, والممكن الوجود لا يعرف الواجب الوجود على حقيقته» إذ هو عاجز من 
كل الجهات» وقد تقدم قصور الفيلسوف»؛ وعجزه عن الحق في الكلام على الكمالات» 
فانظره هناك. 

ودل من الكلام أنه لم يرد الحكمة التي يشير إليها الصوني التي هي المشاهدة الحاصلة 
للنفس بالتوجه لله والتضرع له. والتعرض لنفحات فيضه؛ لأن ذلك كله يعطي الإضافة 
ويشعر بالنقص في جوهر الإنسان» والصورة حدها هي التي بها الشيء ما هو. 

وقوله: (المتممة) يدل على أنه أراد تمام جوهر الإنسان بالحكمة. فتحصل الصورة 
التي لا يمكن فيها الزيادة والنقصانء ولا يكون ذلك إلا إذا وجد السعيد جوهره هو كل 
شيءء والأشياء المختلفة فيه المشيء واحد متفق من كل الجبات» ولا ضِدٌ عنده» ولا 
خلافء ولا غيره» فلا نقص يهرب منه» ولا كمال يرحل إليه» ويكون خيره ذات مخبره» 
وعينه ذات آنيته. 

وهذا هو الجوهر السعيد, لأنه في نعيم غير زائد عليه» وبقاء غير ذاتي طبيعي له» وهو 
في حرم وحدته آمئًا من طلب الزيادة وخوف النقصان. فصورته المتممة: هي صورة 
الوجود من حيث هو مطلقء, والحكمة التي تفيد هذه الصورة المتممة: هي الحكمة التي 
تصرف الأشياء إلى شيء واحدء وتحيل العدد إلى الواحد؛ وتعين حقيقة اسم الصمد في 
ذات كل واحد وموحّد وموحدء وترد الممكن واجبّاء وتقلب الموجب سالبّاء حتى ييصر 
الحكيم خخبر الأعداد والإضافة لم يزل قبل ذهابه ذاهبّاء فاعلم ذلك. 


124 رسائل ابن سبعين 

وحكمة الفيلسوف ليست حكمة: فإنها تبصر الأغيار» وتنتقل من أثر إلى أثرء وفاتها 
كنز التخلق الذي تحت الجدار» وكاملها في كدّ الهروب من الكونء وذُل الزيادة الواردة 
على عقله الفعال» فليس له استقلال» ولا لكماله ثبوت ولا قرار» وهو بالجملة يتخبط في 
وهم الإضافة» ونظر الأغيار. 

وكذلك الصوفي: فإنه يتلذذ بالمشاهدة» ويموه بالتوجه» ويهلكه بر التوله ويجعل 
غايته الفناء'©» وذلك كله يرجع إلى الحاصل الموجود عنده قبل وجود التوجه والاعتقاد» 
وبالجملة يقبل الزيادة» ويجاهد شيطان الإضافة» ويتعب في جهدها بالإضافة» ويطلب 
الخلاص من مكابدة وهم العادة» وكأنه يحارب الباطل» ويترك طور شهوده في حق 
حقيقته» ويترك الطور العامل هو العاطي. ويجد الفصل هو الطالع من. القضايا الوجودية 
والآفل. 

وجوهره مع ذلك كله يخبر بالرفيع والنازل» ولسان حاله بوجود الغيرية والإضافة 
قائل» وللصورة المتممة المذكورة قبل غير قائل» فاعلم ذلك» واعمل على تحصيل القسم 
الأول بالحكمة الأولى؛ فهي عين الخبرء» والصبر على الثبوت فيها بمدافعة غيرها من محله 
سر الأثر. 

وقوله 45: (وبالحقيقة التى تقيمه في الصورة المقومة). 

والصورة المقومة: هي التي قامت منها ماهية الشيء وكأنها الشيء المقول على جملته» 
كما تقول: ما هي الصورة المقومة للجسم؟ تقول: الجواهر الملتكمة بعضها مع بعض. 

والمتممة: الأعراض المحمولة عليه أو تقول: ما هي صورة المقومة للسرير؟ نقول: 
الخشب والفاعل» وكونه موضوعًا على قوائم المربع» والمتممة: على الرقاد عليه؛ وهي 
بهذا الوجه تقال على العلل الثلاث, والرابعة هي المتممة. 

وإذا قلنا: إن الصورة هي التي مها هو الشيء ما هو؛ فنقول: صورة الجسم المقومة له: 
هي الجواهر والأعراض» أو نقول: ما الصورة المقومة للإسلام؟ نقول: الدعائم الخمس 
والثمانية أعمال على قوله» وصورته المتمممنة: هي السعادة التي تحصل به. 

أو تقول: ما الصورة المقومة للإنسان؟ نقول: الحياة والنطق» والمتممة: ما يحصل من 


(1) قال سيدي محمد وفا 45 وعنا به: الفناء هو اضمحلال كل متعرض متوهم لا ينتهي إلى غاية 
محققة» وحقيقته: صدق العدم الذاتي على كل موجود بالعرض في المحاز وغايته: صادق من العلم 
يمحق كل كاذب من الوهم وهو الخلاك الحقيقي. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 2 
الحكمة والمعرفة بالله والسعادة؛ وبالجملة» الصورة المقومة: هي المقولة على وجود الذي 
بها هو ما هوء وكأنها كمال أول له والمتممة لتبعه من الأمور اللاحقة» وكأنها له كمال 
ثان» ويظهر منها أنها تقال على الأمور الذاتية التي لا يعقل الشيء إلا مهاء وهي له صفة 
نفس لا يمكن ارتفاعها. 

فإِذًا نقول: الحقيقة التي تُقيم الإنسان في الصورة المقومة هي وجوده؛ وهي الفطرة 
الأولى» إذ وجوده هو الأمر اللازم الذي لو قدر ارتفاعه لم يبقَ من يخبر عنه» وكونه حض 
على الانّصاف به تنبيبًا للسعيد أن يعتمد على حقيقته» وما قام به من الوجودء ويلحظ 
فطرته الأولى» ويقف عند ما أعطاه له القصد القديم: وما أقامه الحق فيه من النصيب» 
ويطالع النظام القديم والتعلق الأول في نصيبهء إذا ذلك التصيب هو الذي وهبه الله تعالى 
وفيه إقامة. 

ويلحظ الغيب في الشهادة» فيشاهد ربه في نصيبه» ويجده في نفسهء وفي جملته» فيجد 
ذاته عند ربه ومنه وله فيكون مقيمًا في حضرة الحق فيتأنس أنسًا ثابئّاء ويتلذذ لذة 
جوهرية» ويكون كماله حاصلاً بحسب ذلكء إذ لا يمكن أن يزاد في وجوده الذي هو 
عليه ولا ينقص منه» ويتحرر من ذل الكون والطلب» ويسعد بعدم التخبط والاضطراب» 
ويكون هوية مطمئنة في جنة الرضوان والسكينة» فاعلم ذلك. 

وقوله #: (وتعمل على نيل الآلات التي تعطى الحق بحسب ما تعطيه» وتقتضيه 
طبيعة البرهان). 

الآلة: هي معنى رابط بين الفاعل والمفعولء فكأنها السبب الموصل للشيءء غير أنها 
أشد ضرورة من السبب واألزم» فإنك تقول: النظر سبب العلم» وقد يقدر علم بغير نظرء 
والآلة سبب الشيء وكأنها شرط ضروري فيه» كما تقول: المنشار والقيد هي آلة النجارء 
والابرة والخيط آلة الخياط» وقد تطلق الآلة والسبب بمعنى واحد بوجه ما. 

فإن قال قائل: قد ذكر في الأسباب الكلام المتقدم» فكيف يعيده هنا؟ يقال له: قد 
يعيده هبنا للتأكيد ولاختلاف المتعلقات» لأنه ذكر هتاك أسباب الكمالات» وهذه 
أسباب البرهان» والبرهان غير الكمال لغة وعقلاء فيكون اختلاف اللفظ فيها باختلاف 
المتعلقات» أو للتأكيد كما ذكرناء أو ليكون هذا ألزم من هذاء وأشد ضرورة كما ذكرت 

والحق: هو كشف حقيقة الشيء المحقق» أو خبر صادق داخحل الذهن وخارجه» أو 
الحق: حصول حقيقة الشيء من نفس المحقق» أو ضد الباطل» أو الحق: ما عيّن المطلوب» 


126 وسائل ابن سبعين 
ورفع اللبسء وأزال الإشكال» او افق تقيقة الوبخود وماابواف وهاهو ٠‏ 

والبرهان: هو حجة المبرهن على حقه الموجود في خلده لقوله تعالى: «إقل هَانُوا 
بُرْهَائكم إن كسم صَادقِينَ4 [البقرة: 111]» أو تقول: هو دليل صدق مدع. 

أو تقول: هو بيان حق المبرهنء أو تقول: هو الحاصل عند المقدمات الصادقة» أو 
تقول: هو مقصود القياسء أوتقول: هو الذي لا ينفك من المحمول والموضوع إلى الغرض 
المطلوب بالمقدمة التي لا وسط ها. 

فالآلات التي تعطي الحق للفقيه والنظر: هي سنة الرسول يِه وكتاب الله عز وجل 
الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خخلفه مع العقل» والنظر السديد فيهماء والهداية 
الإلية» والآلات التي تعطي الحق عند بعضهم: الكتاب والسنة والإجماع والقياس» والعقل 
مع الاجتهاد» والنظر فيهماء والتوفيق الإلمي. 

والآلات التي تعطي الحق عند الأصولية: هي الضرورة والحواس والخبر والدليل» 
وينقسم إلى أقسام يطول ذكرها. 

والآلات التي تعطي الحق عند الفلاسفة: هي صناعة المنطق» وهي عندهم التي ترشد 
القوة الناطقة نحو الصواب» وتحفظها من الغلطء وها أجزاء ماهية ذكرها سيدنا ذه في 
كتاب «بْدٌّ العارفي» وفي «الرسالة الرضوانية» يطول علينا ذكرها هناء فابحث عليها 
حيث ذكرت. 

والآلات التي تعطى الحق عند الصوفية: هي الأحوال الكاشفة» والخواطر الصادقة 
والبواده» والبوارق اللامعة» والإلهام والتحدث المحفوظء والمواجد الثابتة» والأنوار الإلية» 
والعناية الأزلية» والتخصيص الإلهي» والنصيب الصحيح المؤيد. 

والآلات التي تعطى الحق عن المحقق: القضايا الوجودية» والأخبار الذاتية في الضمير 
المعتدل الخاص بهء والروح الباصر من عين ذاته. والكنه المحيط. والكمال البسيط: 
والكلمة المطلقة» والحضور الغير مضافء واهوية المجردة مدركاتها عن الزمان» والشرف 
الذي يثبت الآنيات في غير مكانء والعين التي تعينها عين العيان» فافهم ذلك» واعمل 
على نيله كما رسم لك. 

والنيل: هو تحصيل الشيء وملكته. والتصرف فيه وبه. 

وقوله 5إه: (وتحكم الشارع هوه على جملتك وتعتقد أنه الخير بالذات). 

التحكيم: هو دخول الحكوم عليه تحت حكم الحاكم بغير توقف. 

ونقول: التحكيم: انفعال المحكوم عليه لأمر الحاكم» ونهيه من غير تعليل» ونقول: 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 1 
التحكيم: هو تقديم المحكوم عليه للحاكم على جملة تصرفه. وإذعانه له» ورعاية حدوده 
من غير تعدء ونقول: التحكيم هو أن يُملّك المحكوم عليه نفسه» وجملته للحاكم حتى لا 
تظهر عليه صفة إلا بأمر الحاكم ويمنع غير ذلك. 


والشارع: هو المخترع للشريعة الموضوعة؛ ليسلك عليها من معه» ومن بعده 
لرضوان الله. 


أو نقول: الشارع هو المشرع للشريعة: أي للطريقة التي يمشى ويسلك عليه 
للمقصود المطلوب بأيسر تكلفء, كما تقول: شرع فلان إلى الماء طريقة سهلة» بمعنى 
فتحها وسهلهاء وقصد بها الجحهة القريبة المبلغة ني الوقت القريب» والشارع المذكور هنا: 
هو النبي يل والشريعة: طريقته ومنبجه وموضوعه الذي وضعه ليمشي عليه أتباعه؛ 
لرضوان الله ولسعادتهم المطلوبة. 


والخير: هو المطلوب المحبوب لكل حي حادث بتحرك بالشوق والإرادة» وهو ينقسم 
إلى: ذاتي وعرضي؛ فالعرضي: هو في الأشياء التي هو فيها بالاتفاق والمصادفة» كسقوط 
حجر على ذي جرح وبطه له. وأداء ذلك إلى برئه» والذاتي: هو في الأشياء التي هو فيها 
بالذات» ولا يحتاج فيها إلى غيرهاء ولا يفقد منها في وقت ولا بوجه. 


مثال ذلك: السعادة في العلم والهداية ورضوان الله والطاعة والسمع؛ وما يتضمنه 
القدر من الخير المحض» وهذا ذكره سيدنا ذه في «الكتاب الكبير». 


ولما كان النبي عل هو ذات العلم التافع» ومرشد إليه» يعرف بالله ودليل الرضوان إليه 
بوجههء ومدلوله بآخرء وهو ذات الرضوان,» وماهية الحداية» ولا سبيل إلى السعادة إلا به 
وهو سببها وذاتها بوجه أخرء وهو الخير اللحضء والخير في طريقه ومنه وعليه» وكذلك 
الكمال والرفعة والنعمة الأبدية قال: هو (الخير بالذات)» ووجب أن يقال ويعتقد أنه الخير 
بالذات» ولما عَلمَ ذلك واعتقد» وجب أن تدخل النفوس تحت حكمه؛. وتخرج عن 
اختيارها لاختيارهء وتنرك آراءها لرأيه» وتهمل اجتهادها بتقليده» وتعجز عقوطا وتتبع 
عقله. 

وكأن معنى قوله: (وتحكم الشارع 9غ على جملتك)؛ يريد به ذهاب ماهيتك 
المجموعة من القوى الجسمانية والروحانية والمتوسطةء واستيلاء النبي يِه على جملتك» 
وتجد ما أذهبته منك تأخذ بدله من النبي وَل وجميع القوى التي خرجت عنها يتصف 


128 رسائل ابن سبعين 
مدلونها من قوى النبي 5إه20. 


(1) قلت: قال ابن دحية: النبي: يهمز ولا يهمزء فالنبي بلا همزة معناه: الرفيع الشأن» العالي الأمر» 
أذ من التبَاوة: وهي ما ارتفع من الأرض» ومن جعله من النيا بهمزة؛ لأنه ينبيع عن الله تعالى» 
أي: خب ر) فهو متبئع أو لأنه تا هو بالوحي» وقد هَمرة نافع في جميع القرآن» وقراءة أمل 
المدينة تنبت فيه الحمزة» وترك همزة على التخفيف» فمن جعل التخفيف فيه لازمّاء وهو قراءة 
الأكثرين قال في جمعه: أنبياء» مثل ,ّ تَقِي وأتقياء ووصي ) وأوصياء. 
قال النحوي» العالم أبو جعفر 0 محمد بن إسماعيل في كتاب «الاشتقاق»ج له: وسمعت 
علي بن سليمان يقول: الأولى في العربية ني «نبي» ترك الهمزء ويدل على ذلك القرآن» وذلك 
قوله يك : ذلك أنْجُمْ كَانُوا يكفرون يآيات الله وَيَقتلُونَ الأنبيّاء بغَيْر ير حَقي» [آل عمران: 
2) فهذا جمعّ غير مهموزء كما يقال: صَفِي واعنيات زر كا مهمورًا لقلت في جمعها: 
نيآء» كما تقول: كرماء في جمع كريم. 
ولم يأت القرآن الكريم بنيآءء وشا جاء في شعر عباس بن مردّاس. 
وقيل: النبي «الطريق» سمي بذلك لأنه «الطريق» الي الله وسمي رسل الله أنبياء لأنهم «الطرق» 
إلى اللهء إلا أن كل رسول نبي» وليس كل ني رسولاً لأن الرسول هو المرسل للأمة من قبل الله 
عز وجلء داعبا إليه» وصادعًا بالدلالة عليه» ومُرشدًا إلى كليات المصالح العامة التي يستقيم بها 
نظام الدنياء وينال الفوز الأكبر في العُقبَى ناسكمًا بشرعته لشرعة من تقدمه من الرسل صلوات 
الله عليهم أجمعين» ا ومخبرٌ عنه إما بوساطة الملك كفاحًاء وإما من 
وراء حجاب صِرَاحًاء وهو سماع الكلام القديم كما سسعه موسى يلو بنص القرآن العظيمء ونبينا 
محمد يله بنص الحديث الكريم. 
والوحي على ضروب: بح خلا رجي رسالة واخطة بلك ووحي تلق بالقلب كما ذكر عن 
داود اليل والرسول يْهُمْ البشر والملائكة» والنبي يخص البشر» وقد جاء بذلك القرآن العظيم. 
وأما النبي فهو المبلّغ عن الله و للأمة التي هو من جملة شيعة رسوطاء وانباعه ما يُومر بتبليغه 
إليها من بشارة ونذارة إما بإلحام» أو منام» أو مخاطبة بعض الملائكة الكرام عليهم السلام» وليس 
له نسيخ شيء من شرعة من تقدمه. 
وأما قوله جل من قائل: إمُحَمَدَ رُسُولَ الله [الفعح: 29]. 
وكذلك: إوَمَا مُحَمدَ إلا رَسُولَ قَذ حَلَتْ من قبْلهِ اسل [آل عمران: 144]. 
وكذلك: ما كَانَّ مُحَكْدُ با أَحَد من ر ُجَالك» [الأحزاب: 40]. 
وقول عيسى: (وميشر ِرَسُولٍ تأي من بَعْدِي املمُهُ أَحْمَدُ» [الصف: 6]. 
وَآمنُوا يما يول عَلَى مُحَمّد وَهْوَ الحَقّ من ريم [محمد: 2]. 
فإنما أراد جل وعلا تعريفه بالاسم ليعلم من جحده أن أمره وكتابه هو الحق» ولأنهم لم يعرقوه إلا 
بمحمد ولو لم يسمه لم يعلم اسمه من الكتاب العزيزء مع أن اسه مشتق من اسم الله ولق 
لم يُواجهه في القرآن العظيمٍ باسمه؛ بل ناداه فيه بالنبوة والرسالة. 
وناداه باللطف: ليا يبا المرّمّل» [المزمل: 1]. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 1 


ويا أييَا المدتر» [المدثر: 1]. 
وناداه بالرمز بقوله جل من قائل: 9إطه» [طه: 1]. 
وقال الحرالي: النبوة الخناصة به يَِهٌ هي نيوة الرفعة المشتقة من نبوة الأرض» وهو ما ارتفع منهاء 
فلرفعته في وجوه الرفعة كلها عروجًا وتدليًا رفعة إحاطة لا رفعة اخقصاص كان وَل نبي النبوة التي 
هي علو وعلت نبوته عن أن تكون خبرًا من النباء؛ لاستغنائه بالعلم عن الخيرء ولذلك والله أعلم 
لما قيل له: يا نبيء الله (بالهمزة) قال: «لست بنبيء الله أ أنا نبي الل فبين اختصاصه بنيوة العلو 
والرفعة» وتنسزهه عن نبوءة النباء والإخبارء الذي هو حظ من لا علم له بما نبئ به. 
فلما علمه الله ما لم يكن يعلم كان يِل نبي علو لما انتهى إليه علمه إلى الغاية الجامعة المحيطة 
فكان العالم بالحق الأعلم بالله» كانت نبوة شامّاء فكان النبيّ المكمل بما يشير إليه الدوم كلمة 
(ال). 
فإذا أطلق اسم النبي اخعتص به هو كل والا قيل: نبي بني إسرائيل» ونبي بني فلان. 
فهو النبيّ امحيط النبوة» الذي كل النبوة من نبوتهه السابق في النيوة» كما قال يَلك: وكنت نيبا وآدم 
بين الماء والطين») وهو ل النبي بما دسق إليه ربه ما أوحى بلا واسطة ملق ولا 0 المنتهي 
في النبوة إلى جمع علو السمعء والعين المنتهية إلى الوجد العلي الذي هو به نورٌ كله» قلبه وقبره 
و شعره وبشرر ننه وعظمه رمه حتى كان 001 طاهر الدم طاهر جميع الفضلاات بما هو نور 
كله فهو النبي مطلقًا ني ذاته نور وفى بيانه إنارة. 
قال السيكي: أَرْسل للخلق كافة من لدن آدم, والأنبياء قبله بعثوا بشرائع معينات) فهو نبي 
الأنبياءء وأرسل إلى اللحن بالإجماع وإلى الملائكة في أحد القولين» رجحه السبكي. 
زاد المازري: وإلى الحمادات والحيوانات والحجر والشجر.) وبُعث رحمة للعالمين حتى الكفار 
بتأخير العذاب عنهمء ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة, وبأن الله أقسم بحياته وأقسم 
على رسالته» وتولى الرد على أعدائه» وخاطبه بلطف ما خاطب به الأنبياء» وقرن اسمه باسمه في 
كتابه, وفرض على العالم طاعته والتأسي به فرضًا مطلقً له شرط فيه ولا استثناء» ووصفه ني 
كتابه عضوًا عضو ولم يخاطبه في القرآن باسمهء بل: يأيها النبي» يأيها الرسول» وحرم على الأمة 
نذاءه باسمه. 
وكره الشافعي أن نقول في حقه: (الرسول) بل (رسول الله) لأنه ليس فيه من التعظيم ما في 
ا وفرض على من ناجاه أن يقدم بين يدي نجواه صدقة ثم نسخ ذلكء ولم يره في أمته 
شيئا يسوؤه حتى قبضه بخلاف سائر الأنبياء» وبأنه حبيب الرحمن» وجمع له بين المحبية والخلة» 
وبين الكلام والرؤية, وكلمه عند سدرة المنتبى» وكلم موسى على الحبل» قاله ابن عبد السلام. 
رع بين القبلتين والفجرتين» وجمع له بين الحكم بالظاهر والباطن معاء ونصر بالرعب مسيرة 
شهر أمامه وشهر خلفه» وأوتي جوامع الكلم» وأوتي مفاتيح خزائن الأرض على فرس أبلق عليه 
قطيفة من سندس» » وكُلّمَ بجميع أصناف الوحي: عد هذه ابن عبد السلام. 
وهبط عليه إسرافيل ولم يهبط على نبي قبله» عد هذه ابن سبع؛ وجمع له بين النبوة والسلطان» 


130 


رسائل ابن سبعين 
عد هذه الغزالي في الإحياء. 
وأوتي علم كل شيء إلا الخمس التي في قوله تعالى: ظإإِنْ الله عندَةُ علّمْ المناعة4 [لقمان: 
4 


وقيل: إنه أوتيها وأمرَ بكتمهاء والخلاف حار في الروح أيضاء وبيّن له أمر الدجال ما لم يبن 
لأحد ووعد بالمغفرة» وهو يمشي حيًا صحيحًا. 

قال ابن عياس: اتن اله ماعن عله إلا ما 

قال: طليَغفرَ لَك الله مَا كة َقَدْمَ من ذَليِكَ وا تأخرم [الفيح: 2]. 

وقال الله تعالى للملائكة: ومن يقل منْبُم إِنّْي إلة مّن دونه فَذَلكَ تجريه جَبَئم4 [الأنبياء: 
29]. 

وقال عمر بن الخطاب: «والله ما تدري نفس ماذا مفعول بهاء» ليس هذا إلا للرجل الذي قد بين 
له أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر» يلك أفرده الحاكم» ورفع ذكره؛ فلا يذكر الله جل 
جلاله في أذان ولا خطبة ولا تشهد إلا ذكر معه» وعرض عليه أمته بآخرهم حتى رآهم» وعرض 
عليه ما هو كائن في أمته حتى 7 تقوم الساعة. 

قال الأسفرابيني: وعرض عليه الخلق كلهم من لدن آدم فمن يعدم كما علم أساء كل شيا وهو 
سيد ولد آدم؛ وأكرم الخلق على الله» فهو أفضل من سائر المرسلين»: وجميع الملائكة المقربين» 
وكان أفرس العالمين» عد هذه ابن سراقة» وأَيْدَ بأربعة وزراء: جبريل وميكائيل وأبي بكر وعمرء 
وأعطي من أصحابه أربعة عشر نجيبّاء وكل نبي أعطي سيعة» وأسلم قرينه» وكان أزواجه عوكا 
له وأصحابه أفضل العالمين إلا النبيين وكلهم يجتهدون. 

ولهذا قال: «أصحابي كالتجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»» ومسجده أفضل المساجد» وبلده أفضل 
البلاد بالإجماع» فيما عدا مكة على أحد القولين فيها وهو المختار» وتربتها مؤمنة» وغبارها 
يطفئ الجذام» ونصف أكراش الغنم فيهاء مثل ما عليها في غيرها من اليلادء ولا يدخلها الدجال 
ولا الطاعون» وصرف الحمى عنها. أول ما قدمهاء ونقل حماها إلى. الجحفة» ثم لما أتاه جبريل 
بالحمى والطاعون أمسك الحمى بالمدينة» وأرسل الطاعون إلى الشام» ولما عادت الحمى إلى 
المدينة باختياره إياها لم تستطع أن تأني أحدًا من أهلهباء حتى جاءت وقفت ببابه واستأذنته فيمن 
ييعثها إليه» فأرسلها إلى الأنصارء وأحلت له مكة ساعة من نهار» وحرم ما بين لابتي المدينة. 
وقال المازري والقاضي عياض: لا تقتل حيات المدينة التي للنبي وَل إلا بإنذار» والحديث الوارد 
في إبذان الحيات خاص بهاء ويسأل عنه الميت في قبره» واستأذن ملك الموت عليه ولم يستأذن 
على نبي قبله» والبقعة التي دفن فيها أفضل من الكعبة ومن العرش» ويحرم التكني بكنيته» 


والتسمي باسمه محمد والتسمي بالقاسم؛ لملا يكنى أبوه أيا القاسمء حكاهما النووي ني شرح 


مسلمء ويجوز أن يقسم على الله به» وليس ذلك لأحدء ذكر هذه ابن عبد السلام» ولم تر عورته 
قطء ولو رآها أحدٌ طمست غيناه» وذكر المازري في توثيق عرى الإيمان من خصائصه: أنه 
لخواص الأنبياء وأنه نبي الأنبياء» وأنه ما من نبي إلا وله خخاصة نبوة من أمته إلا وفي هذه الأمة 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 1 

مثال ذلك: إذا محوت عقلك بمعنى أنك لا تبصر به» ولا تعمل برأيه» تأخذ من 
الشريعة بما تبصر وتعمل» وبمثل هذا تقيس على جميع القوى» فَإِذًا لم تعتقد إلا بالشرع؛ 
ولا تعلم إلا به» ولا تتحرك إلا به؛؟ فقد استولى النبي يِه على جملتك» فإن ماهيتك آنية 
مجموعة من علم وعمل لا غير. 

فإذا لم تعلم إلا بالشارع؛ ولم تعمل إلا به؛ فقد استولى النبي وَل على جملتك: وذهبت 
عنك؛ وثبت به والنبي ولد هو الخير الحض كما تقدم» وهو ذانك كما لزم في ذهابك 
ووجودهء فذاتك الخير النحض إذا حكمته عليك كما ذكرناء فنقول: من خرج عن نفسه 
للشرع كان في ذاته معدوماء وبالنبي موجوداء ومن كان موجودًا بالنبي؛ كان بالله» ومن 
كان بالله؛ كان كاملاًء ومن كان كاملاً؛ كان سعيدًا ناجحاء وفي رضوان الله سابحاء 
فاعلم ذلك» واعمل به. 

ومعنى هذا يفهم من قول الله تبارك وتعالى: (التِي أوى بِالْمُؤْمِينَ من أنفسيم» 
[الأحزاب: 216 ومن قوله يله ولا يبلغ أحدكم حقيقة الإيمان حتى أكون أحب إليه من 
أهله وماله ونفسه»”©؛ فهذه حقيقة الاقتداء بالنبي وَل 

وني ذلك قال بعض المشايخ: مّن صحب شيخاء ولم يُملكه نفسه؛ قيل لتلك 
الصحبة: صحبة تَبَرّك ومن ملكه نفسه؛ قيل له: مريدٌ ومقتد. 

فنقول فيما قلناه: النبي نور الله» والمؤمن لا ينظر إلا بالنبي فالمؤمن ينظر بنور الله. 

ونقول: النبي حبيب الله ومحبوبه» والمؤمن لا ذات له إلا بالتبي» فالمؤمن حبيب الله 
ومحبوبه» ويفهم هذا من قوله تعالى: 

طقل إن كُسْمْ حون الله فَائبعُوني يُحببْكُمْ الل [آل عمران: 31]. 

ونقول: النبي هو ذات التصريف الموزون» والتصريف الموزون عين الحكمة؛ فالنبي 


عالم من علمائها يقوم في قومه مقام ذلك النبي في أمته وينحو منحاه في زمانه» وهذا ورد: 
وعلماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل». 
وورد: «إن العالم في قومه كالنبي في أمته». 
ومن خواصه أن سماه الله عبد الله ولم يطلقها على أحد سواه وإسا قال: طإنْهُ كَانَ عَبْدَا 
شَكُورَا4 [الإسراء: 3] طإنفمَ العَبْد4 [ص: 30]. 
ومن خواصه: أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من الله على غيره» فبي خصيصة اختصه الله بها 
دون سائر الأنيياء» انتهى . 

(1) رواه مسلم (67/1)» أبو يعلى في مسنده (8/7). 


13 رسائل ابن سبعين 
ذات الحكمة والمؤمن لا تصريف له» ولا ذات إلا بالنبي؛ فالمؤمن ذات الحكمة» 
والحكمة مقدمة الخير بوجهء وهي ذاته بوجه؛ فالمؤمن ذات الحكمة» وذات الخيرء وهو 
معنى قوله تعالى: (وَمَن ؛ يوت : الحكمة فَقَدْ أوتي حي خَيْرَا كثيرَا4 [البقرة: 269]» فاعلم 
ذلكء, واكتف به. 

وقوله : (وتصل حبل المعروف؛ وجميع ما استحسنه العقل؛ وحرره النقل» 
وحضت عليه الشرائع). 

الحبل: هو الشيء الرابط للأشياء المفترقة» والحافظ لاء والناظم بعضها إلى بعض 
والذي يصل المنفصلات بعضها ببعضء مثل الإسلام الذي يجمع الأسباب المفترقة» 
ويردها سببًا واحدًا بالدين» ويؤلف المتضادات» ويرفع العداوة» ويوقع الألفة» ويجمع 
الذوات المفترقة كلها بقانونه» كما قال تعالى: لإوَاعْتَصِمُواً بحَبْلٍ الله جَمِيعًا وَلا 
تفَرقُو 6 [آل عمران: 103]. 

والمعروف: هو ما جرت به العادة» ولم تنه عنه شريعة ولا حكمة, والعقل: هو الذي 
يحكم بوجوب الواجبات» وجواز الجائزات» واستحالة المستحيلات» والحسن: هو الذي 
يمدح به فاعله؛ والنقل: هو حمل القضايا من شخص إلى شخصء أوحمل الحديث من 
شخخص إلى شخخصء والنقل المراد هنا: هو ما بلغنا من سُنّة الرسول ولع وما نتلوه في 
كتاب الله. 

والتحرير: هو إخخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والظهور» أو نقول: 
التحرير: هو رفع الإشكال من الشيءء وحفظه مما يلتبس به. 

والشرائع: هي الطرق الموضوعة من الله يد على ألسنة رسله صلوات الله يي 
أجمعين؛ وكأنه قال: تصل مَقَولَكَ وفعلكء. وجملة معاملاتك الظاهرة والباطنة التي تختص 
منها بالخلق فيما بينك وبينه» والذي يختص منها بكء؛ والتي بينك وبين الله ورسوله 
بالمعروف الذي تقدم حده. وتعامل كل جبة من هذه الجهات المذكورة بما يحمده 
الشرع» ويحض عليهء ويمتحنه العقل» ويمدح به فاعله, وتقرره العادة الحميلة والسيرة 
الحليلة» وينفع للطباع المعتدلة» ويفيد النفوس أملها في العاجلة والآجل. 

ومعنى ذلك أن تعامل الخلق بالإنصاف والعدل» وحمل الأذى؛ وترك الأذى» ووجود 
الراحة» وتعامل الحق تعالى بالافتقار والعبادة والتنزيه والمحبة» وتعامل النبي وَلِهٌ بالتبعية 
وما ذكرناه قبل؛ وتعامل الرتب كلها بما يجب لماء وهذا هو حبل المعروف الذي جرت 
به العادة, ولم تنه عنه شريعة ولا حكمة) وسمي حبلاً لامتداده مع أمل المتصف به؛ 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 133 
ولاتصال صوره بعضها ببعض في فعله وحاله وقصده. 

وقوله 4: (وتقطع حبل المنكر وضد ما ذكر قبل). 

المنكر: هو ما لم تجر به عادة ولا حضت عليه شريعة ولا حكمة:» أو نهت عنه 
الشريعة والحكمة» وهو ضد المعروف, والقطع: هو تفرق الاتصالء كما أن الوصل: هو 
اتصال المتباين» والوصل: اجتماع المفترق» والقطع: افتراق المجتمع؛ والتضاد: هو مدافعة 
الحكمين المتضادين بعضها لبعض» وعدم اجتماعها بصفة الضدية» ولا يمكن ذلك» 
والضدان: هما الشيئان اللذان لا يمكن اجتماعها في محل واحد في الوقت الواحد. 

ولمًا كان المنكر هو ضد المعروفء أمرك أن تصل المعروف الذي تقدم ذكره وفي 
اتصالك به. وظهورك فيه» وظهوره ني عوالمك؛ قطع المنكر ومبايتته وانفصالك عنه 
بالذات» إذ الضد لا يجتمع مع ضده. 

وقد تقول أيضًا: حبل المعروف هو الانحياش إلى الله وحزبه» وقطع حبل المنكر: هو 
الانفصال من الشيطان وحزبه» ونقول: المعروف هو الخير المحضء والمنكر هو الشر 
المحخض. 

ونقول: المعروف هو النفس المطمئنة الفاضلة التي أمرت بوصل حبلها. 

والمنكر هو النفس الأمارة الشريرة» فأمر أن يقطع حبلها. 

والمسترشد المأمور: هو الإنسان العاقل الذي هو في مرتبة النفس اللوامة. 

ونقول: المعروف هو العالم الروحاني الشريف العارف بالله بالذات» والمقدّس .له 
بالذات» المنره من الإشابات» والمنكر: هو الجسمائي الخسيس الذي فيه الموت والجهل 
والشهوة والغضب والفساد بالذات» والمسترشد: هو النفس الناطقة اللجامعة بين الروحاني 
والجسمائي؛ فأمر أن تصل العالم الروحاني» وتقطع الجسماني. 

ونقول: المعروف هو الأخلاق الطاهرة الحسنة» والمنكر هو الأخلاق السيئة المشوبة 
بالحظوظء والمتوجه يقطع هذه من نفسه؛ ويصل هذه بوصفه. 

ونقول: المعروف هو صفات الله وخلقهء والاتصال بها.هو فهمهاء والتجوهر بهاء 
والمنكر هو صفات البشرية» والصوني هو الذي يقطعهاء وينفصل عنها بجوهره ووصفه 
ويصل الحدس الآخر بذلك. 

أو نقول: المعروف هو صفات الذات القديمة» والمنكر صفات العقل الحادث» 
والإنسان المتوسط هو صفة المعنى؛ فأمر أن يتصل بصفات الذات» ويتعلق بهاء ويهمل 
الحوادث» ولا يعتمد عليباء وقد شَول: المعروف هو الذات الثابتة» وضده هي الكت إذ 


1 رسائل ابن سبعين 
هي زائلة» فاعلم ذلك. 

وقوله 45: (وتتخلص من كل قاطع يقطعك عن الله تعالى). 

التخلص: هو التحرير من الإشابة» كما تقول: هذا لبن خالص: أي عَرِي عن الإشابة» 
والكل: هو حرف الحصر والجمعء والقاطع: هو الحائل والحاجز عن الشيء» أو الفاصل 
له. 

والله: هو الخير الذي يراد لذاته» ولا يراد لغيره» وهو الجحليل المعتبر الذي لا يتردد 
الذهن في ثبوته» ويعجز عن تصورهء أو هو المطلوب المعتبر» أو هو محبوب السعداءء أو 
كمال المحقق» أو غبطة العقل أو معشوقه. 

فكأنه قال: سعادتك ورفعتك وكمالك وعزتك ونعيمك الدائم في وصولك إلى الله 
وقربك منه؛ فتخلص من كل شيء يقطعك عنه؛ فَتُقَطَعَ عن كمالك وسعادتك فتبقى في 
التقص الخالد والشقاوة الأبدية» والقواطع عن الله قد عدّها سيدنا 5ه في بعض 
«الألواحيم, وني «خطاب الله بلسان نوره» فقال: هي الأجسام ولواحقهاء وقواها 
المتوسطة: والطبيعية» والنفس ال حيوانية: صراط لا يقطعه إلا السعداءء» والنباتية» والمنجرّة 
المتطولة» والكسلء والنوف» وفساد التوجه» وعدم المرشدء وقلة المساعد» جميع ذلك 
من أجزاء العلل والقواطع» وكذلك المذاهب الفاسدة» والطرق المبعدة» وما أشبه ذلك» 
والكلام في هذهء وكيف تقطعء وبماذاء وما بخص كل واحد من هذه من الفسادء وأين 
رتبته من القطع والحجاب؛ يطول ذكره ههنا. 

فنقول القرب من الله لا يكون إلا بالنسبة والشبه؛ والبعد منه بضد ذلكء فإذًا العلم 
يقرب من الله إذ هو صفاته وموجود في ذاته» والجهل يبعد منهء إذ ليس هو موجود في 
ذاته» ولا نسبة بينه وبينه. 

وكذلك الرحمة صفته» والإحسان والعفو والكرم والجود» وما أشبه ذلك» فكل كريم 
جواد رحيم عفو محسن قريب من الله من حيث الشبه أو النسبة كما ذكرناء وكل بخيل 
مناع جاهل منتقم بعيد من الله إذ لا نسبة بينه وبينه» وفي الأحاديث ما يقوي هذاء 
والشرائع متواطئة على أن الرحيم مرحوم, والمحسن محازى بإحسانه» وأن مكارم الأخلاق 
صفات السعداء. 

والصوفية مجمعون على أن القرب من الله» والتخخلق بأسمائه هو المنهاج الحليل؛ والحق 
ليس بجسمء فالأجسام وصقاتها قاطعة عنه» وكذلك الحق صمدء فلا يتقرب إليه بالمحهوف 
ولا بصفاته» وكذلك الحق واحد ليس بمركب ولا في مركبء فالمركبات قواطع عنه» 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين | ْ 135 
وكذلك هو أحد لا مثل له؛ فالمتمائلات قواطع عنه؛ وكذلك هو واحد ليس بعدد. 
فالأعداد قواطع عنه» وهو واحد لا إضافة فيه» ولا يقبل الزيادة» وتقدس عن النقصان» 
فكل من يقبل الزيادة» وفيه النقصان. ويعقل في الإضافة؛ فهو قاطع عنه. 

فإِذًا العقول والذوات المحردة التي يعتمد عليها الحكيم» ويقول: إنها كماله وسعادته في 
الوصول إليهاء وكذلك الأرواح المفارقة» والأسماء المضافة التي يشير إليها الصوفي» 
وكذلك المراتب التي يعتقدها بعض المحققين قواطع عن الله» إذ العقول تقبل الزيادة» 
وكذلك الأرواح والأسماء التي تعطى الإضافة والمراتب التي تشعر بالغيرية» وهي غير 
معلومة في ذات الله تعالى» وهو منرًه عنهاء وكل ما سوى الله حجاب وقاطع عته. 

فعليك بالحق المعَرى عن ذلك كله؛ الواحد من صفة نفسه الذي لا ينسبء» ولا 
يكتسب ففيه كمالك وعنده سعادتك؛ وبه رفعتك» وهو نعمتك» وله وبه ومنه وعنه 
جملتك2» فاقصد خرابك» واهجر سرابك2» تسمع جوابك» والسلام عليك إن 

وقوله 4#5: (بعد ها تتصف بالعلوم الضرورية التى. لا يحملها أحد في عرف 
الشريعة). 

البعد: هو تأخر قضية عن قضية في وجد الشخص الواجد هماء أو ني علمه وفعله كما 
تقول: وجدت المُرْدَلقة بعد منى في الصعود إلى عرفة» ووجدت عرفة بعد المزدلفة 
كذلك, هذا بالنظر إلى المكان» وتقول: وجدت الجمعة بعد الخميسء بالنظر إلى الزمان» 
وتقول: وجدت العلم بعد النظر إلى السبب والمسبب. 

ولما كان الإيمان والواجبات الشرعية متقدمة في الوجود على الانقطاع إلى الله 
والخلاص من القواطع؛ وجاء اللفظ قدامها لضرورة الفصاحة عُطف عليهاء وأمر أن تقدم 
بالفعل» لأجل تقديم الشرط على المشروط» فقال: بعد ما تنصف بالعلوم الضرورية؛ وهو 
جائز في لسان العرب» وقد وجدنا في القرآن مقدمًا باللفظ ما هو متأخر بالوجود كقوله 
تعالى: (فَجَعَلَهُ غاء أَحْوَى» [الأعلى: 6]؛ والتبات يكون أخضر قبل أن يكون يابسّاء 
والأحوى هو الأخضرء والغثاء هو اليابس» فضرورة الفصاحة قدمت المتأخر على 
المتقدم. 

فنرجع للضروري فتقول: الضروري هو اللازم للشيء الذي لا يمكن أن يوجد إلا به 
وهو له بالذات» مثل التنفس للحيوان» والضروري: هو الذي يتوصل به إلى غاية ماء ولا 
تنال إلا به» وهو لما شرطي ذاتي. مثل قراءة لسان العرب للكاتبء أو الحركة في الأمور 


156 وسائل ابن سبعين 
الإرادية إذا شرع في تحصيلهاء وهذان الحدان المذكوران في الضروري ذكرهما سيدنا 45 
في «بد العارف». 

ولمًا كان العلم بالله من حيث ما يجب له» ويجوز عليه» ويستحيل في حقه؛ والعمل 
بطاعته المأمور مها شرعًا شرطًا ني تحصيل غاية الإيمان والإسلام؛ جعلتها علومًا ضرورية 
وأعمالاً كذلك. 

ولما كانت هذه شرطًا في الانقطاع إلى الله تعالى» والخلاص من القواطع» والشرط 
متقدم على المشروطء أمر أن يكون الخلاص من القواطع بعد تحصيل فرائض الإيمان 
والإسلام علما وعملا. 

فنذكر حد العلم في ذاته» وحينئذ نذكر العلوم ما هي والأعمال. 

فنقول: حد العلم عند الأصولية: هو معرفة المعلوم على ما هو به. 

ومنهم من قال: حصول صورة المعلوم في نفس العالم بمعرفة صادقة حققها القياس» 
وأثبتها البرهان» وهذه الحدود ذكرهاسيدنا 45 في وِبدٌ العارف» في مذهب الأشعرية مع 
عدة حدود. 

ومنهم من قال: العلم ما أفاد التصور والتصديق. 

وقال سيدنا ضك: هذا الحد من أقربها. 

ولمًا كان العلم يطلق باشتراك: ويقال على كثيرين بحسب المذاهب. ويختلف 
بالمتعلقات» قيّده بقوله: (في عرف الشريعة)؛ لكون علم الطب يطلق عليه علم» وهو 
ضروري في كون الطبيب طبيبّاء وني تدبير الأجسامء وله أيضًا ضروريات تلزم في نيله» 
وكذلك الحندسة والحسابء وما أشبه ذلك: هذه يطلق عليها علوم» وها ضروريات تلزم 
في نيلها؛ ولذلك خصصها بقوله: في عرف الشريعة. 

ولما كانت العلوم الموجودة في الشريعة والأعمال تنقسم إلى فرض وندبء قيدها 
بقوله: (الضرورية)» وعنى ما المفروضة: ولمًا كان المفروض ينقسم إلى: فرض عين» 
وفرض كفاية؛ وفرض العين: يلزم كل واحد في ذاته. 

وفرض الكفاية: يحمله البعض عن البعضء قيده بقوله: (التي لا يحملبا أحد عن 
أحد), وأعطى البيان» ورفع اللبسء وبلغ الفائدة. 

والعلوم الضرورية هي سبعة علوم: أولها العلم بحدوث العالم» والعلم بوجوب صانعه. 
والعلم بقدم الصانعء والعلم بتوحيده. والعلم بصفاته, والعلم بتنزيهه والعلم بجواز 


الرؤية؛ وهذه علوم عددها ابو إسحاق بن المرا(): وأخبر بوجوبهاء وإنها فرض على كل 
مسلمء وذكر أبو المعالي(” وجوبها في «الإرشادم» وحكى فيها الإجماع؛ ولم يعددهاء 
وقد ذكرها المبدي0© في بعض تواليفه» وقال في أول ما أراد ذكرها: «رباب ما لا يسع 
جهله»؛ وقد قرر سيدنا ذه عليها في هذا الموطن: فأئمة الأشعرية مجمعون على ذلك. 

وعلم الضرورة أيضًا: هو ما يجده الإنسان في فطرته من غير نظر؛ كعلمه بأنه 
موجودء وبأن في الحي حياةء وأن عشرة أكثر من ثلاثة» وما أشبه ذلك؛ ولذلك قيد 
بقوله: (في عرف الشريعة)؛ تحررًا من الاشتراك. 

وقوله ده: وبالأعمال التي تلزم لزوم هذه العلوم. 

أراد بذلك كونها واجبة شرعًا معينة على كل مسلم فرضًا وضرورةً» مثل ما هي تلك 
العلوم ضرورية» وكونه ذكرها بعدها في ترتيب اللفظء فعل ذلك؛ لكونها متقدمة في 
الوجود في حق المكلف, إذ العبادة لا يقع فعلها إلا وقد تقدم اعتقاد موجود يعبد؛ 
ولذلك يقع الخطاب الشرعي بكلمة: لا اله إلا الله» وحينئذ يطلب بالأعمال. 

والأعمال .المفروضة هنا شانية: أوها: شهادة أن لا اله إلا الله إذ اللفظ بها باللسان 
هو من أعمال الجوارح» وعلمها ني الاعتقاد داخل العلوم المتقدمة» والقسم الثاني من 
الأعمال: إقامة الصلاة والقيام مهاء ثم الزكاة المفروضة؛ ثم الصوم المفروضء ثم الحج, ثم 
التوبة» ثم النصيحة: ثم الألفة؛ فبذه الأعمال عددها أبو إسحاق بن المرا من علماء 
الأندلس» واتفقت عليها علماء الأشعرية وأئمتهم» وهذه العلوم من الأعمال لما لواحق من 
حيث أسبابهاء وما يحتاج إليه في نيلها يطول ذكرهاء وهو غير ضروري في هذا الكتاب» 
فاعلم ذلك وقد تخلص الكلام فيها بحسب قصد الأشعرية؛ والفقهاء في البعض. 

ونريد الآن أن نذكر شيئا من مقاصد الصوفية بحسب ما يليق بأحوالهم؛ إذ النبيه من 
[خواننا لا يقنع من المسألة إلا بتركيبها على التصوفء والتنبيه على شيء من رتب الحبل» 
وهذا الكتاب لم نقنع فيه بالشرح اللائق بالحمهور لما نعلم من مقاصد المؤلف» وما 
وجدت في تواليفه من تركيب المسائل» وتوفية العوالم المعتبرة عنده؛ ولكون نسيتنا 
وإخواننا لا يقتنعون بالعالم الأول» ولا يقفون عند المبادئ؛ لأن سيرهم مطلقء وثركيبهم 


)1( هو أبو إسحاق بن المرا بن ضحاك المالقي. 
(2) أي إمام الحرمين اللدويني. 
(3) هو المهدي بن تومرت زعيم الموحدين. 


38 رسائل ابن سبعين 
لا نهاية له بالنظر إلى حصر الواقع» ويمتد أملهم مع النوازل التي لا يحصرها إلى التعليق 
القديم. 

ولما علمت إن في أصحابنا جلة ولا بد أن يقفوا عليه؛ جعلت فيه مشربًا للقوى 
والضعيف والمتوسط. 

فتبدا فتقول: العلوم الضرورية على ما يقتضيه نفس بعض الصوفية: هو الارتباط 
اللازم الذي ينعكس المتقدم فيه متأخرًا؛ فيوصل الأول بالآخر الذي يفيد المشاهدة في 
مقام الإحسان. والأعمال التي تلزم لزوم هذه هي العبادات التي تعكس الضمير الأول على 
المخاطب الثاني. 

ونقول: العلوم الضرورية عند طائفة أخرى هي إدراك مفهوم الأسماءء وحصر خواصها 
الذاتية واللاحقة؛ والأعمال التي تلزم لزومها هي ترتيب خواص الأسماءء ودورانه عليها في 
ظاهره وباطنه حتى يتجوهر الطالب في تحصيل أنواعها على طلبه في كتبهم. 

فتقول: قد ذكر سيدنا 5 في وِبدٌ العارف» إن الفلسفة تنقسم إلى قسمين: 

قسم عملي» وقسم علمي» فجزء الفلسفة العلمي ينقسم ثلائة أقسام: 

أحدهما: العلم الأسفل: وهو العلم الطبيعي» وعلم ذوات العنصر. 

والثاني: العلم الأوسط: وهو علم الرياضيات» وعلم ما ليس بذي عنصر موجود في 
عنصر. 

والثالث: العلم الأعلى: وهو علم ما بعد الطبيعة» وعلم الثاولوجيا: وهو الفحص عن 
وحدانية الله تعالى. 

وهذه الأقسام تنقسم إلى أقسام أخرء فالعلم الطبيعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 

أحدهما: العلم بالأصول التي عنها وقع التكوين, والثاني: العلم بالحيوان» والثالث: 
العلم بالنبات. 

والعلم بالأصول التي عنها وقع التكوين ينقسم إلى ثلاثة أقسام: 

أحدهما: العلم بالفلك والكوكبء والثاتي: العلم بالآثار العلوية الكائنة في الحو 
والثالث: العلم بالآثار السفلية الكائئة في الأرض. 

والعلم بالحيوان ينقسم إلى قسمين: أحدهما: العلم بعلل الحيوان» والعلم بأعضائها 
ومنافعهاء والثاني: العلم بأخبارها وطبائعها. 

والعلم بأمر النبات ينقسم قسمين: أحدهما: العلم بعلل النبات» وأسباب اختلافه, 
والثاني: العلم بطبائعه ومنافعه. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 3 

والعلم الرياضي الذي يقال له المتوسط ينقسم إلى أربعة أقسام: منها علم العددء وعلم 
المندسة: وعلم التنجيمء وعلم تأليف اللحون. وإنما سيت هذه رياضيات لأنها تروض 
الإنسان بالأشياء المتوسطة بين الجسمء وما ليس بجسم, فتنقله من الجسمء ومن الأمور 
المحسوسة إلى ما ليس بجسم, ولا يدرك بحسء بل بالعقل وحده. 

والعلم الأعلى الذي يقال له الإلي ينقسم قسمين: أحدهما: العلم بوحدانيته تعالى» 
والثاني: العلم بالأشياء التي يوصف با الله تعالى» كالقدرة والحكمة والقوة, وغير ذلك من 
الصفات التي تليق بالله ق؛ فهذا هو جزء الفلسفة العلمي. 

وأمًا جزؤها العملي فينقسم ثلاثة أقسام: 

أحدها: سياسة الذات. 

والثاني: سياسة المنسزل. 

والثالث: سياسة المدينة. 

فسياسة الذات تنقسم ثلاثة أقسام وهي: إصلاح القوة الشهوانية» وخضوعها 
للغضبية» والثائي: تعديل الغضبية» وخضوعها للقوة التمييزية» والثالث: حفظ التمييزية 
وتحريكها بالآداب على الترتيب الذي ينبغي. 

فهذه أساس الفلسفة العلمية والعملية» وبمعرفتها وبمعرفة أنواعها وأشخخاصها تدخل في 
زمرة الحكماء. 

ونقول: العلوم التي تدخل بها في زمرة الحكماء هي الذوات المفارقة التي توجب 
بورودها على امحل رفضًا للذات الطبيعية» والشهوات الجسمانيةء وتظهر للنفس الناطقة 
ذهاب المحسوساتء وعدم ثبوتها» وخاصة عالم الكون» وسرعة فسادهء وتُكرّه ذلك 
للنفسء وتشوقها إلى عالمها المفارق» وتنبهها على الذات الروحانية وشرفهاء وعدم 
فسادهاء فتنقل جوهر الإنسان من عالم الكون بالصنائع العلمية والعملية» وتقيمه ني 
حضرة الذوات المبدعات» وتجوزه من ظلمات الزمان والمكان. 

ونقول: العلوم التي تدخل مها في زمرة الحكماء هي الملاحظة الصادقة التي توقع في 
محل العبد المتوجه تصفح أحوال الكون المقول على الذوات المفارقة وغير المفارقة» 
وتطلعه على تمائله باحتياجه إلى الحق الأول» وعدم استقلاله في ذاته» وتبطل الروابط 
المتوهمة بين الذوات المتمائثلة» فتحض المتوجه على حذف الإضافة المتساوية» وتصرف 
وجبه إلى الذي فطر السموات والأرضء» وتقيمه في حقيقة الإنسان المرادف مع 
الاستخارة الواقعة بين يدي الكلمة المطلقة» وتزيل الشرك اللي المعروف عند الخواص لا 


140 رسائل ابن سبعين 
عند الصمء فافهم. 

ونقول: العلوم التي تدخل مها في زمرة الحكماء هي فهم التداخل المعقول بين الوجود 
الواجب» والوجود الممكن الذي يرفع الفصل» ويوجب الخلاص» بالمعنى الذي أثبت 


أمئلته في «حكم القصص»» فاعلم ذلك. 
وقوله 4#: (وبالحقيقة الجامعة التي فيبا نتيجة الشرائع» وغاية الحكمة, وهي علوم 
التحقة م 


الحقيقة: هي الشيء الذي لا يتبدل في ذاته» ولا يمكن أن تكون على غير ما هي 
عليه ولا تنغير ني وقت من الأوقات» ولا يجاز مها عن موضوعهاء ولا يكون المحمول 
منها غير الموضوعء ولا تعلل بمعنى زائد عليهاء ولا تنصرف. ولا يقدر فيها غير اليئة 

وقد تُقال على ماهية الشيءء وقد يقال حقيقة الشيء وماهيته وذاته ووجوده وعينه 
بمعنى واحدء وقد تطلق الحقيقة على صفة النفس» وقد تطلق على الشيء الذي لا علة له 
وتكون علته ذاته» وقائم بذاته في ذاته. 

وقد ذكر سيدنا ذإ في «نكرة عرفة» أن الحقيقة هي الشيء الذي يحيل العدد إلى 
الواحد بوجه ماء وقد تطلق على ضد المجازء وبالجملة» رسم الحقيقة الأول هو المقصود 
الذي يريد هنا. 

والجامع: هو الذي بحوي أشياء كثيرة» ويكون إمّا موضوعًا لا أو محمولاًء وإما أن 
يكون ضريًا لاء وما أن تكون أجزاء ماهيته» وتكون ذاته مجموع الكل؛ كالجماعة في 
الدار إذا نظرنا من حيث الظرفية» ومثل أحكام العرض محمولة على الجوهرء ويقبل منها 
(صفة وغاية كل حكمة). 

ولمًا كانت الحكمة هي العلم والعدل» ووضع الشيء في محله. وهي من صفة نفسها 
تحض على الخير» وتحمل إليه» والله هو الخير الذي يراد لذاته؛ قال: وغاية الحكمة: أي 
أن الحكمة إلى الله حاملة» وعنده واقفة» فهو غايتها. 

ولمًا كانت الشرائع مقدمات علميات وعمليات» وعلمها يفيد معرفة وظائفهاء 


(1) قال سيدي محمد وفا 45 وعنًا به: التحقيق هو ما يحصل معه القطع الذي يستحيل معه وجود 
النقيض» وحقيقته: وجدان وجود ني كشف يستحيل معة الستر الموجب لتوهم الغيب» وغايته: 


شرح رسائة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 141 
والعمل بوظائفها يزيل الحظوظ النفسانية» ويميت الشهوات البدنية» ويقطع الروابط 
العادية» ويجرد الإنسانية» ويكشف الحضرة الرحمانية: وهي حضرة الحق» وحضرة الحق: 
هي الحضرة الجامعة لحقائق الأكوان» وهي بد كل شيء ووجوده) وهي الماهية التي توجد 
فيها كل ماهية من حيث التقويم والنتتميم؛ قال: فيها نتيجة الشرائع. 

ونقول: علم الشريعة مقدمة العمل بوظائفهاء والعمل بوظائفها مقدمة لرضوان الله 
يقيم العبد في حضرته. فعلم الشريعة» والعمل مما يقيم العبد في حضرته. فحضرته هي 
نتيجة الشرائع» وحضرته فيها كل شيءء فهي الحقيقة الجامعة. 

ونقول: الشريعة تحمل لرضوان الله» ورضوانه صفته» والصفة لا تفارق الموصوف» 
والموصوف: هو الله. فالشريعة تحمل إلى الله؛ فالله هو نتيجة الشرائع بالوجه الذي ذكرنا. 

ونقول: الأعمال الشرعية إذا عمل بها على التمام تفيد التخلق بالأسماء الحسنى» 
والمتخخلق بالأسماء إذا تجوهر بها تكون الأسماء ذانه وروحه؛ والأسماء صفات الله وصفاته 
غير زائدة على ذاته» فالمتخلق بالأسماء ليس بزائد على ذاث الله فالظفر بالحق والاتصال 
به هو نتيجة الشرائع. 

ونقول: أول وظيفة من وظائف الشريعة هي كلمة لا اله إلا الله» وتتضمن أن لا فاعل 
إلا الله» فكل موجود ني الكون الله أوجده من حيث هو فاعله, والفاعل لا يفارق مفعوله. 
وهو معه بالإيجاد والإبقاء» ولا وجود للشيء إلا به؛ فهو الأصل الضروري في وجود كل 
شيء» ولكل شيء حقيقة؛ وهو وجوده الذي هو به ما هوء ووجود كل شيءء الذي هو 
به ما هو هوء به ومنه وعنه وإليه» هو حقيقة كل شيء وماهيته ووجوده؛ فالله: هو 
الحقيقة الجامعة» كما تقدم من قول سيدنا طكه. 

فإذا كان هو حقيقة كل شيء, فالأشياء كلها هي به على ما هي عليه» فهو الحقيقة 
الموجودة في كل حقيقة» وهو الذات المستحقة بذاتها لكل ذات» فهو مع كل شيء 
بوجودهء فلا غيبة ولا حجابء والغيبة والحجاب هو الجبل بهذا الاتصال والاستحقاق 
الذي ذكرناه؛ والغفلة عن ملاحظته وشهوده ني كل شيء» بل شهوده ولا شيء معه. 

وعلم الشريعة يزيل الجهل المذكورء ووظائفها ترفع الغفلة» وتنبه على الحضور مع 
الحاضر في كل حضورء فالحق هو نتيجة الشرائع: وعلوم الشريعة بهذا الوجه هي علوم 
التحقيق» فاعلم ذلك. 

فإذًا حقيقة لا اله إلا الله: أن لا موجود إلا هوء وما خلا الله باطل» والوهم يشعر 
بغيره؛ والوظائف الشرعية تذكر بالله» وذكره يزيل الوهمء ويمحو بر الغيرية» ويقيم العبد 


1 رسائل ابن سبعين 
في الحضرة الحاضرة في حضوره. فالحق نتيجة الشرائع كما قال» وهذا الكلام في نتيجة 
الشرائع» والحقيقة الجامعة» وعلوم التحقيق قد تخلصء فافهمه. 

وقوله ه: (وإن غلبت عليك شبوة حيوانية: أو ما أشبه ذلك فاجبر وقتك مع الله 
بتوبة صادقة, فإن بابه ها عليه بواب إلا رحمته خاصةء ورضوانه أيضًا يأمرها 
بالمضمار). 

الغالب: هو الذي يؤثر فعله» وتنفذ إرادته» كما تقول: غلب فلان فلائا أعني: 
ختصمه بمعنى إنه أثر فيه فعله» ونفذت إرادته. 

ويقال: الغالب: هو الذي يقع اختياره» ويستولي في المحل المتنازع عليه حكمه. كما 
تقول: غلب الملكُ الفلاني الملك الفلاني» واستولى حُكْمّه على البلد والأقاليم. 

ويقال: الغالب: هو الذي يحيل الضد إلى طبعه» ويحكم عليه بصفة خاصة به 
ويحكم في المشترك؛ ويستولي عليه» ويظهر فيه أثره وفعله. 

والشهوة: هي جذب الملائم بانبعاث مزعج وتقول: الشهوة: الميل إلى الغرض 
المطلوب بإفراط الحركة» وتقول: الشهوة: هي الانصراف والتوجه إلى المحبوب الملائم 
بغير اعتدال» ولا ترجيح عقلي ولا شرعي. 

وقد تطلق الشهوة والإرادة باشتراك» غير أن الإرادة أعم منها وأثبت وأعدل حركة 
لأن الشهوة تنحرك إلى المراد بانزعاج. وملكة الطباعء والإرادة تنحرك إلى مرادها 
صحبة الاعتدال» وضرب من السكينة» والذي تشبه فيه الشهوة الإرادة: هو الميل إلى 
المطلوب ومعقول الحركة والجذب. 

وكونك تقول اشتهيت كذا بمعنى أردته؛ لكن يعقل فيه أنه ليس هو المراد مطلقاء بأن 
الذي يراد هو أكثر اعتلاقًا من الذي يشتهى؛ وكأنه إرادة في وقت ما بحركة مزعجة كما 
تقدم. 

وبالجملة: الشهوة: هي جذب الملائم بحركة مفرطة» وغلبة طباع امحل الذي قامت 
به» والقبول المحض على المراد المحض من غير أن تنظر عاقبته» ولا يعتبر فيه الأكمل 
والأنقصء وكأنها تطلق مع الحظ النفسائي بترادف؛ لأنك تقول: كلمني فلان بشهوة 
معناه: بغرض وحظء لا بحق ولا باعتبار الكمال والنقص. 

والحيوان: هو كل حي متحرك حساس يتحرك في المكان بالحركة الإرادية» ويختار 
بعض الحهات الممكنة فيه والنفس الحيوانية حدها تمام طبيعي آلي حساس. 

ويقال: النفس الحيوانية: تمام الجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة» وهذان الحدان ذكرهما 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميف ابن سبعين 14 
سيدنا د في «بد العارف». 

ولمًا كانت الشهوة تُّقال باشتراك» وتوجد في العاقل وغير العاقل؛ قيدها بالحيوانية؛ 
لأن الشهوة الحيوانية: هي ميل النفس إلى الشهوات الجسمانية المحسوسة من غير أن ينظر 
في عاقبتهاء ولا تعتبر فيها الأكمل والأنقص»ء ولا يلحظ فيها طلب سعادة ولا شرف» 
وإما هي بحسب ذاتها المعينة العاجلة فقط. 

والجبر: هو إصراف الشيء المختل إلى أصله وطبيعته الأولى؛ كما تقول في اليد 
المنفكة أو الرجل: انجبرت يد فلان» بمعنى رجع العضو إلى موضعهء واستقر على طبيعته 
المعتدلة وهيئته المستقيمة. 

والوقت: هو الحال الحاضر الذي بين الماضي والمستقبل من الزمانء والله: هو القائم 
بذاته الذي قام به غيره» وليس لوجوده سببء وهو الفاعل المختار الذي يثيب العبد 
المكلف على الحسنات» ويعاقبه على السيئات إن شاءء ويقبل التوبة» ويعفو عن السيئات 
كما وعد. 

والتوبة: هي الرجوع لغةء وهي الندم على المعصية وتركهاء والعزم على عدم الرجوع 
إليها شرعًاء ونقول: التوبة هي رجوع التائب عن المعصية بأمر آمر يحكمه إلى رجوعه» 
ويخوفه ويرغبه ويترك ما هو عليه؛ لأجل ما نبي عنه» ولأجل ما هو ترك له؛ ويرجع إلى 
ما أمر به وهذا القسم ذكره سيدنا 445 في «الرضوانية». ونقول: التوبة هي غسل الإشابة 
الواقعةة في المحل الظاهرء ونقول: التوبة هي انصراف العبد إلى ربه» ورجوعه إليه بالقوى 
الجسمانية والروحانية منه» ومشيه على القانون الشرعي صحبة العلم والعمل. 

ونقول: التوبة هي خخروج العبد من اختياره وصفاته القائمة به وأخذه اختيار الشرع 
وتصرفه به» وتوسط أقواله وأفعاله» وجملته بين الأمر والنبي» ونقول: التوبة هي المخروج 
عن الوية العرضيةء والأخلاق السيئة» والدخول في الآنية الذاتية» والتجوهر بالأسماء 
الرحمانية. 

والباب: هو المدخل للشيء» وهو الذي يدخل عليه إلى الشيء» وهو بيان الأول» 
والرحمة: هي صفة الله التي يتعطف بها على عبيده؛ فيبلغهم خيره ونعمته» فيبدل الألم 
باللذة» ويصل اللذة بمثلهاء وقد نقول: الرحمة: هي ترك الرحيم حقه للمرحوم؛ وإعطاؤه 
من الخثير ما لا يجب له عليهء وقد نقول: الرحمة هي إفادة الرحيم للمرحوم خيرًا لا 
يستحقه عنده حيث هوء وقد نقول: الرحمة هي إفادة الحق للعبد وجودًا ليس له 
والرضوان هنا بحسب هذا التقييد: هو صفة الخير الذاتي الموجود في ذات الله تعالى» مثل 


5 1 رسائل ابن سبعين 
الشيء المطبوع الذي لا يمكن أن يكون الشيء إلا على تلك الصفة؛ وهو الذي يوجب 
الرحمة بوجه محتوم لا يمكن أن يعقل امحل المشار إليه إلا كذلك. 

والضمان: هو الحصر الذي يوجب حكمء وتعينه تعيئًا ذائيًا لا يمكن الانفكاك عنهء 
إذ الممكن لا وجود له ولا ذات إلا بالواجب» ولا تعقل له آنية إلا ما يسري له من 
الواجب الوجود, والواجب الوجود لا يفارق ما هو موجود به؛ ولا يعقل له انفصال عن 
تقويمه وتشبهه وإقامته ني هيئته التي هو عليهاء وهو معه مها على ما هي عليه إذا لو قَدَرَ 
رفع الوجود الواجب من الموجودات الممكنة لارتفع وجودهاء ولم يوجد لما ذات» وهو 
ارتفاع الفاعل إلى مفعوله بالذات» والمفعول إلى فاعله بالذات» فكأن اتصال خط 
الارتباط بينهما من الأمور الضرورية التي لا يمكن أن تكون على غير تلك الهيعة. 

فلمًا كان ذلك كذلك كان رجوع العبد إلى ربه وانصرافه بماهيته كلها إليه بالذنات 
وقبول الحق على عبده» وإعطاؤه ماهية الشيء هي نعمة منه» ورحمة صادرة عنهء» كذلك 
بالذات» فكانت الرحمة من الأمور المحتومة الموجودة في ذات الله لا يمكن غيرها؛ ولذلك 
فال تعالى: لإكَكَب رَبُكُمْ عَلَى ئفسه الرحْمَة) [الأنعام: 54] بمعى أنه لا يمكن في ذاته 
إلا هي. 

ولمًا كانت الكتب بين الناس تحكم بوجوب الشيء ولزومه ضرب هم بذلك مثلاً 
ليعلموا إن الرحمة ني الله من الصفات اللازمة له التي لا يمكن في ذاته ضدهاء وقد قلنا فيما 
تقدم في هذا القسم: إن الرحمة إعطاء الشيء وجودًا ليس له فوجود الموجودات الممكنة 
وذواتها رحمه من الله تعالى» ونعمة منه؛ إذ ليس لها ذلك حقيقة من حيث هي. 

ولمًا كان العبد راجمًا بماهيته ووجوده» وجملته إلى الله حتى رجوعه في التوبة» فالتوبة 
والتائب حقيقة موجودة من الله وبه ومنه وعنه؛ فكأن نفس الرجوع نفس القبول» ونفس 
وجودهما نفس الرحمة والرضوان. بل هي متقدمة من الله فوجودها قبوها فلا برزخ بينهما 
ولا بون» ولا يعقل الفصل والوسائط هنا بالجملة» وإن عقلت فيستحقها الوجود الواجب 
كما ذكرنا؛ فلا بواب ذا ولا حاجبء ولا يرجع إليه إلا به. ولا نعمة منه إلا به وله. 

فالواحد لا يحجبه شيء عن ذاته» ولا فصل بينه وبين نفسه. ولذلك قال: (بابه ما 
عليه بواب) لقوة لزوم الارتباط بين الواجب والممكنء فنقول: التوبة الواقعة ني محل العبد 
خلق الله ولا وجود ها إلا بهء فالعبد يرجع إلى الله بالله» فلا بواب بينه وبينه» ولا واسطة 
إلا صفته؛ أعني: بذلك قدرته وإرادته» وصفته غير زائدة على ذاته في قول بعض الصوفية» 
فالحق هو التائب في وجود التوبة بذاته» وما هو معه بذاته لا ينفصل عنهء فالتائب غير 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 55 
منفصل عن الله ولا تحجوب. 

والله هو المطلوب الأعظمء وهو الخير الذي يراد لذاته» فالتائب الصادق ظافر بمطلوبه 
واصل إلى الخير المحضء ونقول: العبد مضطر بوجوده وتوبته وجملته إلى الله فوجوده 
وتوبئه وجملته هبة من الله» ورحمه منه؛ فالحق معه في وجوده وماهيته على ما هو عليه؛ 
فوجوده وماهيته وما هو عليه مع الله لا يفارقه» إذ لزومه له بالذات كما تقدم. 

والله هو المطلوب, وهو النعمة والرحمة والرضوان بالإلزام الذي ذكرنا؛ فالتائب ظافر 
بالنعمة والرحمة والرضوانء والظافر بذلك سعيد ومنعم وكاملء فالتائب على هذا الوجه 
ظافر بمطلوبه» وحاصل على مرغوبه؛ وكأنه نبه المسترشد على الارتباط الذاتي اللازم بين 
الممكن والواجبء فإذا فهم ذلك؛ علم استحقاق الواجب للممكن» وأخذه وجود 
الهمويات المضطرة. 

فإذا علم ذلك علم وصوله. وإذا علم وصوله تعين محصوله. وظفر بكماله. وانقطعت 
آماله» فكأن التوبة هنا بمعنى الفهم عن الرجوع الذي هو موجود في ذاته بالذات» وفهم 
النصيب الإلهي القائم به» وقطع الطلب والتشوف والسكون. واللذة الذائية الموجودة في 
جوهره بالذات» فإذا كان ذلك كذلك امتنعت منه المعصية؛» فإن المعصية تطلب لذةء أو 
نيل لذة في غير محلهء وذلك لا يمكن إلا مع توهم فقدها من محله. فإذا وجدها ني جوهره 
ذاتية بالنصيب القائم به امتنع من طلبهاء فإن الحاصل لا يُبتَمَى فيكون تائبًا بمعنى محفوظا. 

ومن هذا المقام يُحْفَظٌ الأولياء؛ لأن اللذة القائمة بالجوهرء والأنس الحاصل فيه منع 
الطلب. وغبط الولي بذاته» وأظهر له فيها كل شيء؟؛ فانقطعت منه الآمال» ووجد عنده 
ما يظهر لغيره بعد وسم الأجلء ومن هذا الموطن يكفر الولي إذا أوقع المعصية؛ لأنه كفر 
بالنصيب الإلهي القائم بذاته» وهذه التوبة مختصة بالصادقين؛ لأن الصدق هو الذي يحذف 
المحازء ويقف عند الحقيقة. 

ولما كانت التوبة تطلق باشتراك وبحسب الأحوال؛ قيدها بقوله: (توبة صادقة)؛ لأن 
الصدق هو الذي يرد الأشياء إلى واجبهاء ويقف عند الأمور الذائية» ويهمل العرضية. 

والذاتي ني محل كل تائب وني ذات كل شيء هو الحق تعالى» ولا يمكن في قوة 
ملازمته للأشياءء واستحقاقه لها الرجوع إليه؛ لأنه يستجق الراجع والرجوع والمرجوع 
إليه» فافهم ذلكء, واعلم التوبة مبذا الوجهء والرحمة كما ذكرتها لك؛ تظهر بمرتبة 
الصادقين, والله المستعان. 

وقوله #5ه: (واعلم أن مطالك مطال). 


46 رسائل ابن سبعين 

المطال: تسويف ذوي الحقوق» أو تسويف ذي حق, أو تسويف الطالبء» كما تقول: 
مطلني فلان في إعطاء حقي: أي سوفني فيه» وتقول: مطلني فلان في مسثلتي التي سألته 
فيها: أى في جوابهاء ومعنى أطال: إطالة التسويف. 

ولمّا كان الحق سبحانه له على العبد المكلف حقوق؛ وهي: أداء الفرائض في أوقاتها 
وشكر نعمة الله التي منحه إياهاء والإقرار بربوبيته» وذكره في كل زمانء وألا يغفل عنه إذا 
ليس هو بغافل عن تدبير العبدء ولا عن إرسال النعم عليه في كل زمان فرد قال الشيخ 
للعبد الغافل عن أداء الواجبات» وعن الذكر المستصحب: (واعلم أن مطالك مطال)» 
وأيضًا لما كان الحق سبحانه هو المحبوب الأعظم, والنديم الأكرم» والخير المحض الذي لا 
خير يشبهه؛ قال لمن يحب غيره؛ ويتأنس بغيره» أو يطلب خيرًا من غيره:. (واعلم أن 
مطالك مطال)؛ إذا كان من واجب حتق الله تعالى ألا يحب غير الله تعالى» ولا يتأنس إلا 
به» ولا يتأنس بغيره» ولا يطلب إلا إياه» ولا يتوجه إلا له وألا يسعى إلا في مرضاته. 

إذ رضوانه هو النعيم الأكبرء وإنه هو الأنس الثابت الدائم» وطاعته هي العمل الذي 
يُرفع ويُثبت لما بعد الموتء ويُدَّخّر لوقت الحاجة» فكل عبد لا يكون حظ الله قد غلب 
عليه» وطاعته قد استصحبت أحواله كلهاء وفكره قد استجاب في جوارحهء وفي قواه 
الجسمانية والروحانية؛ فهو مماطل لله في حقه: وفيما وجب له عليه. 

وقد قال النبي يَلدِ: وما من ساعة تمر على العبد لا يذكر فيبا الله؛ إلا كانت حسرة 
عليه يوم القيامة» ولمن دخل الجنة)7') الحديث. 

فكيف من تمر عليه ساعات وأوقات ويطيل الغفلة» والميل إلى الشهوات العرضية» 
والأنس بالصور الذاهبة. 

وأيضًا لما كان الحق سبحانه خيره ونعمته واصلة للعبد في كل زمان فردء ولا يغفل 
عن عبده بإحسانه وإمداده طرفة عين» وكل نعمة قائمة بالعبد وموجودة فيه» أو واصلة 
إليه مثل إمداده بالأغذية والملابس التي لا انقطاع لهاء ومثل صحة البدن» وإيجاد حلاوة 
النعم» وما أشبه ذلك نعم من الله تعالى» وإحسان منه للعبد» وكذلك العقل والعلم وسلامة 
الجوارح. 

وما في العبد جوهر فردء ولا قوة من القوى الجسمانية والروحانية إلا وهي نعمة من 
الله وهبة منهء والعقل يقضي بجواز الآفات عليهاء وطروء أضدادها مثل أن تبدل الصحة 


(1) رواه الطبراني قي الأوسط (175/8)» وأبو نعيم في الحلية (362/5). 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميف أبن سبعين 57 
بالسقم» والعقل بالحمق» وحلاوة النعم بأضدادها. ش 

فَإذًا استصحاب الحال في إمدادها وإيجادها على التمام والكمال» فتكميل السمع 
والبصر والفؤاد. وما أشبه ذلك نعم من الله تعالى» وإحسان منه: '(وَمَا بكم من لَعْمّة قَمنَ 
الله [النحل: 53]؛ فإِذًا من واجب حقه عقلاء وما ثبت شرعًا ألا تصرئف الحملة 
الإنسانية بما هي عليه من القوى الجسمانية والروحانية إلا في طاعة الله وفي عبادته 
وخخدمته. وني ذكره وشكره وحمدهء والثناء عليه» وألا يغفل عنه طرفة عين. 

فكل عبد لا يفعل ذلك» ويصرف جارحة من جوارحه؛ وقوة من قواه ني غير طاعة 
الله» أو في فترة من سخدمة الله وشكرهء والسعي في مرضاته. ولايرجع إلى الله بجملته» 
ويصرف ما هو منه إلى خدمته فهو مماطلء أو ممسسك بحق الله وإذا طال ذلك فهو 
ممكورء إذ الحق قد ثبت فيما تقدم [نه لا يغفل عن إيجاد النعم طرفة عين فيجب على 
العاقل آلا يغفل عنه طرفة عين» ومن غفل عنه؛ فقد ترك الواجب. ومن لم يؤد الواجب 
عليه فهو مماطل. 

وإن أطال ذلك فهو قد طول مطالهء وأدى ذلك إلى بعده عن الله» واستحق العقوبة» 
ولا عقوبة أشد من البُعد عن الله قي فافهم ذلك؛ وقد قال الله سبحانه: «إإِنّ السمْعَ 
وَالْبَصَرٌَ وَالْفْوَادَ كل أو لتك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً4 [الإسراء: 26] وإنما ذكر السمع 
والبصر والفؤاد؛ لكونها أخص ما في الإنسان وَيُفْبَمُ بالاستقراء أنه يسأل عن كل جارحة» 
وقد جاء ذلك في الشرع. 

وأيضًا فقد صح إن الله سبحانه واهب وجود العبد. إذ العبد الممكن لا وجود له إلا 
بالواجب» فهو مفهوم لوجوده ومتمم له في كل زمان فردء فالحق أقرب لوجود العبد مته 
إلى ذاته» فكل عبد لا يصرف وجوهه لله؛ إذ الله هو حقيقة وجودهء فقد منع أن يصرف 
ماهيته إلى حقيقتها؛ فهو مماطل» إذ كان من واجب حتق الله أن يصرف وجود الوجود 
الممكن إليه» إذ هو منه وبه وعنه وله وهو يستحقه من كل الحهبات» فإذا ادعى الممكن 
وجودًا لذاته فقد ادُعى ما ليس له ونسب الشيء إلى غير أهله. وماطل الحق في إعطاء 
حقه. وأدى ذلك إلى نفي شيء عن شيء هو له ولثبات شيء لشيء ليس هو له؛ وهذا 
هو الكذب والخيانة» وفاعل ذلك يستحق العقوبة» وأي عقوبة أكبر من الانقطاع عن الله 
تعالى» والجهل بهء وفقد حضرته التي فيها النعيم الدائم» والمشاهدة الكبرى» والبقاء 
الأبدي. فافهم ذلك. 

وأيضًا الحق سبحانه يستحق وجود الموجودات بالذات» والموجودات الممكنة يرجع 


15 رسائل ابن سبعين 
وجودها للواجب بالذات» ورجوعبها إليه صفة نفسء واستحقاقه لها صفة نفس» وصفات 
الأنفس لا تتبدل» ولا يمكن أن تنقلب الحقائق؛ فإذًا الله هو وجود كل شيء موجود 
بالوجه الذي ذكرناء ولا يمكن غير ذلك» ولا انفصال للموجودات عنه أصلاًء فالمطال 
إنما هو وهم في حبر العبد الحجوب, والبعد كذلكء, والحق أخذ وجود من كل الحهبات» 
فلا مطال إذا من حيث الماهية والحقيقة والآنية الثابتة بالله كما ذكرنا. 

فإذن الآنيات والحقائق القائمة بالموجودات مقر لله بالربوبية والمحبة له من حيث 
رجوعها إليه بالذات» كما ذكرناء وذاكرة له من صفات أنفسهاء وراجعة إليه لا يمكن 
غير ذلك فيهاء والمطال في خخبر الجاهل خاصة لا في حقيقته؛ فكأنه نبّه الغافل واللجاهل» 
فاستحقاق الحق له على أن ييصر وجوده بالله» ويلحظ حقيقته بحقه؛ فيزول من وهمه خبر 
الغيرية والإضافة؛ فيجد ذاته عند الله ويجد الله عنده؛ فيكون مشاهدًا لهء ومقيمًا 
بحضرته» ومستأنسًا بهء وناظرًا إليه أبدا؛ فتحصل بذلك سعادته ورفعته وعزته وكماله 
الذي لا يزاد فيه ولا ينقص منهء فاعلم ذلك. 

وقوله 5فه: (ومحَالُكَ مُحَالَ). 

يفسر ذلك ويسدده. فإن المحال: هو القوة والقدرة على ما بلغني من بعض إخواننا 
بالمشرق» وهو ممن يعرف اللغةء وهو الذي يفهم من قوله تعالى: ««وَهُْوَ شَدِيدُ 
الْمحَالِ» [الرعد: 13]» وقول سيدنا 5 في «الرسالة الرضوانية»؛ والله له الحول وانحال 
والطول. 

ولما كان العبد حادناء وممكن الوجودء ولم تكن له قدرة مؤثرة» ولا قوة قاهرة» إذ 
القوة والقدرة حقيقية هي لله تعالى» واستحق ذلك لكونه قديمًا واجب الوجود؛ فإذًا كل 
فعل واقع من العبد: أي في العبدء فوجوده لله حقيقة» إذ هو القادر المؤثر في مقدوره؛ فلا 
تأثير لقدرة العبدء ولا فعل له حقيقة؛ فإذًا لا قدرة» ولا قوة للعبد؛ ولذلك قال: (محالك 
محال)؛ معناه: قدرتك وقوتك وفعلك محال من حيثئكء فإذًا الفعل القائم بك» والتصريف 
الذي تنصرفء والعمل الذي تعمل محال أن يكون لك؛ بل هو لله حقيقة,» وصادر منه. 
وكذلك وجودكء وهذا معنى قوله تعالى: (إوَاللُهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ» [الصافات: 
86]. 

وأيضًا الله خلق العبد في أول ابتدائه؛ وهو معه بالإيجاد والتجديد ني كل وقت. وليس 
هو بمنزلة البْناء الذي يبني الدارء ويتركها زمانين وأكثرء وإنما بسزلة متكلم من 
الكلام كما ذكر سيدنا ذه في «الرسالة الفقيرية»» وفي «البدي, وغير ذلك» فإن المتكلم 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 119 
إذا قطع الكلام انقطع. وإذا تكلم به وجد. 

فإذًا لا وجود للوجود الممكن إلا بالله» والله هو حقيقة وجودهء كما تقدم» وكل عبد 
اذُعى فعلاً لذاته» أو استقلالاً بذاته» أو نسب وجوده فدعواه محال وباطل وزورء فإذا كان 
وجوده لله والعبد لا يغفل عن وجوده. ولا يستريب فيه» كذلك ينبغي آلا يغفل عن الله 
ولا يستريب فيه ولا يطلبهء إذ هو أظهر من أن يطلب فكل من استراب فيه أو وجد 
غيره» أو أنكر وجوده. فهو بمنزلة من قال أن المحال واقع» وأن الحقيقة مجحاز. 

ولذلك قال: تعالى على جبهة التعجب: (إأفِي الله شَلكُ) [إبراهيم: 10]» والبعد هو 
غلط في وهم الجاهل لا في حقيقته» فالحقائق إنما هي بالذات لله وعنده» والآنيات من 
حيث هي مقرة لله بالربوبية» وذاكرة له» وحاضرة عندهء إذ لا يمكن الشيء أن ينكر 
وجوده كما تقدم) ووجود كل شيء لله؛ فالله هو وجود كل شيء حقيقة ولا يمكن أن 
تنكر وجود الله آنية من الآنيات. 

وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: إوَإن من شَيْء إلا يُسَبّح بحَمْدَه4 [الإسراء: 
4] أراد بذلك إقرار الآنيات بوجودها لله الحق» فاعلم ذلك. 

وقوله #5: (والواصل رحمه مبما دعا الله رحمه). 

الرحم: هو النسب من الآباء والأخوة والأعمام» وأولادهم والأخوال» وبئنات الكل 
المذكورين» وكذلك تَطلع بالتركيب إلى الأقرب فالأقرب بالتسب حتى إلى أقصاهم. 
وكذلك في الحيوان على أنحاء ما ذكر في الكتاب والسنة» وكذلك أهل ملتك ودينك 
ومذهبك وطريقتكء وهذا النوع من الرحم ألزم عند السعداءء إذا النسب الأول اختلف 
معك في الدين» فهو نسب عرضيء ويجب عليك قطعه وهجره؛ كما قال كَبْنْ ني أقرب 
النسب: ارون جَاهَدَ هَدَاكَ عَلى أن شرك بي مَا ليس لك به علم فلا تطعْبمًا وَصَاحبْبُمَا 
في الدليَا مَعْرُوقًا واب سَبيل مَنْ أئاب» [لقمان: 15]الآية. 

ومعنى المعروف الذي أمر أن يصاحب الابن فيه آباه: فهو المبرة الظاهرة الجارية في 
عادة الناس» وقد تقدم إن حد المعروف هو ما جرت به العادة, ولم تنه عنه شريعة» ولا 
حكمة؛ ومخالفتهما واجبة في طاعة الله؛ فالرحم إذَا هم الأهل المذكرون والجيرات بشرط 
أن يكونوا داخلين مععك في الدين» والمذهب الشرعيء وكذلك المسلمون, فلو لم يكونوا 
أقارب؛ فهم أولو أرحام بعضهم أولى ببعض. 

فيجب على المؤمن أن يصل أقاربه بالزيارة» ويعود مريضهمء ويواسي فقيرهم 
ويسكن ملهوفهم» ويؤمُن خائفهم؛ ويحارب عدوهم,ء وبالجملة صلة الرحم إنما هي برفع 


10 رسائل أبن سبعين 
الأذىء وترك الأذى» ووجود الراحة بقدر الطاقة» فأولو الأرحام منهم من يبعد» ومنهم 
مّن يقرب» مثال ذلك: الأب أقرب من العم والمسلم أقرب من الكافر» والإنسان المطلق 
أقرب من الحيوان» والحيوان أقرب من النبات» وكذلك تطلع بالتركيب إلى أقصى رتبة 
منك وأبعدهاء وتتزل بالتحليل إليك إلى الوجود القائم بك. 

وقد جاء في الحديث عن النبي يلك إنه قال: «في كل كبد حرى أجر»0"©. 

والحيوان ذو كبد حرى رطبة» ففعل المعروف في الحيوان» والإحسان إليهء وإيجاد 
الراحة له فيهما الثواب» والثواب هو الجزاء من الحق تعالى» وهو من الأشياء المقربة له؛ 
فإذًا فعل المعروف في الحيوان يقرّب إلى اللهء ويلزم من ذلك أن يكون بالأحرى في 
الحيوان أعني: الإنسان وبالأحرى في المسلم وبالأحرى في النسبء والحار من المسلمين» 
وكذلك في نفسك. 

فإذًا الوصول بالمعروف والإحسان يقرب إلى الله؛ وكل قريب من الله رحمة فكل 
وصلة الرحم رحمة» وتقول كل من وصل رحمه بالإحسان والخير هو قريب من الله» وكل 
قريب من الله مرحومء فكل واصل رحمه مرحومء وهذا بالخبر الشرعي» وما وعد الله ني 
الأعمال الصالحة؛ لأنه بما يجب على الله تعالى. وقد قال يَمٌ: «إنما يرحم الله من عباده 
الو حماء»20, 

ثم تقول: إذا كان المعروف عامًا حتى يصل القريب» ويتتهي إلى البعد؛ فهو حسن» 
وإن. كان جزئيًا فيبدا بالأقرب» كما قال يَلِ: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»20. 
ولما كان الحق سبحانه رحيمّاء ورحمته تتعدى إلى الغير» ورحمته صفته؛ كان العبد 
الرحيم المحسن الذي يتعدى خيره إلى غيره مرحومّاء للشبه الذي بينه وبين الحق من صفة 
الرحمة والإحسان؛ ولذلك قال #: (والواصل رحمه مبما دعا الله رحمه). 
وأيضًا المرحوم: هو المقرّب إلى الله وإلى جتتهء والقرب والبعد إلى الله ليس بالمكان 
والزمان؟ وإنما البعد منه بالجهل بهء أو بالمخالفة» والجهل به أصله عدم العلمء وقلة 
الانقياد إلى العلماء» وأصل عدم العلم» وقلة الانقياد حب الدنياء والسعي في كسبهاء وله 
لواحق كثيرة» والمخالفة أصلها طلب الشهوة العاجلة. 


(1) رواه ابن حبان في صحيحه (197/13)» وذكره الأنصاري في خلاصة البدر المنير (141/2). 
(2) رواه البخاري (431/1)» ومسلم (635/2). 
(3) رواه الحكيم الترمذي في النوادر (246/1)» وذكره المناوي في فيض القدير (66/1). 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 1 

فإِذًا الجهل والمخالفة أصلهما حب الدنياء والإمساك بهاء ووصلة الرحم بالإحسان» 
وإيجاد الراحة فيه» وشهادة النفس» وخروج الدنيا من اليد والنسبة الإلحية. 

فأمًا زهادة النفس بها فظاهرة؛ فإن المحسن بماله» وإعطاءه لغيره دل على زهادته في 
تلك الأعيان التي أعطاهاء وكذلك يلزم ني خطواته التي زار إلى أهله؛ وزمانه الذي امتنع 
فيه من كسب الدنياء أو سعيه في مصالحه؛ دل على زهده في ذلك الوقت» وهذا يلزم ني 
فعل المعروف كله. 

وأما النسبة الإلهية» والشبه فظاهر أيضًا؛ فإن الحق يتعدى خيره ورحمته» ويلطف 
بالمنكسرء ويجيب المضطر من حيث يعطى المحتاج من أقاربه» ويشبع الجيعان؛ فهذا شبه 
ظاهرء ونسبة واقعة» وأيضًا هو زاهد من حيث أنه أعطى ما بيده إلى غيره؛ فهو زاهد في 
الدنياء والدنيا أصل البعد من الله» ورأس كل خطيئة كما جاء في الحديث؛؟ فالزاهد فيها 
مقرب إلى الله» والمقرّب إلى الله مرحوم؛ لأنك تقول: الدنيا أصل البُعدء والتارك لأصل 
البعد آخذ لذات القرب, والآخذ ذات القرب قريب. 

وكذلك تقول: المخالفة أصلها الشهوات, والزاهد في الدنيا تارك للشهوات» ونيل 
الشهوات هو المخالفة فترك الشهوات طاعة, فالتارك للشهوات طائع للهء والطائع لله 
قريب منه؛ والقريب من الله مرحوم؛ فالواصل رحمه مرحوم بالقياس الذي ذكرنا. 

فإنك تقول: الواصل رحمه؛ تارك ماله وراحته من حيث أعطاهاء والتارك ماله وراحته 
زاهد في الدنيا بمعنى رافض لطاء والدنيا رأس كل خطيئة» ورافض راس الخطايا طائع لله 
والطائع لله مرحومء وأيضًا المؤمن لا يفعل ذلك المعروف إلا من أجل الله وابتغاء 
مرضاته وطليه لمرضاة الله وفعل المعروف من أجله دل على أنه يحبه» وحبه له دل على 
أنه قد علم جلاله» وكمال صفاته ولذلك حبه على كل شيءء وعلمه بجلال الله» وكمال 
صفاته يضاد الجبل. 

وقد قلنا أن البعد أصله الجبل؛ فالقرب أصله العلم» فالعالم بالله قريب منه» فالواصل 
رحمه قريب من الله مرحوم؛ لأنك تقول: وصلة الرحم من أجل الله وابتغاء مرضاته طاعة 
لله» وابتغاء طاعة الله ومرضاته لم تقع إلا لأجل العلم به فالعالم بالله قريب منهء فالواصل 
رحمه قريب من اللهء والقريب من الله مرحوم, فالواصل رحمه مهما دعا الله رحمه. 

وكذلك القول ني الشبه؛ لأنك تقول: الواصل رحمه كريم ورحيم ورءوف ومحسنء 
والله كريم ورحيم ورءوف ومحسنء فالواصل رحمه يشبه ربه في الكرم والرآفة والإحسان 
والرحمة» والشبيه بالشيء قريب منه» فالواصل رحمه شبيه بالله» فالواصل رحمه قريب من 


152 رسائل ابن سبعين 


الله» والقريب من الله مرحوم. 

وأيضًا نقول: العالم بأسره متمائل في افتقاره واضطراره وحدوثه وانفعاله» والمثل 
لا يعدم فيه ما هو موجود في مثله. والانفعال والاضطرار موجود في كل واحد من 
المخلوقات» والمنفعل من صفة نفسه لا يكون فاعلاً بوجه؛ والعالم منفعل من صفة نفسه؛ 
فالعالم ليس فيه فاعل؛ ولا يكون فاعلاً بوجه؛ فالعالم كله واحد ني الافتقار والاضطرار» 
والحق هو الغني الفاعل فيه على الإطلاق, فإن الحادث لا يفعل في الحادث» والمضطر لا 
يفعل ني المضطرء ولا يتعدى شيء من مخلوق إلى مخلوق» والحق يتعدى خيره وفضله 
ورحمته إلى الموجودات كلها. 

فإذا رأينا المحسن الذي يتعدى خيره. والرحيم الذي تنعدى رحمته: علمنا إن ذلك ليس 
هو من ذاته بما هي مفعولة ومضطرة؛ لكون المنفعل لا يكون فاعلاً كما تقدم والفعل لا 
يفعل ني مثلهء فإذا لم يكن من ذاته؛ فصح إنه من الحق تعالى» إذ هو الفاعل على الإطلاق 
والمحسن والرحيم على الإطلاق» وإنما جرى ذلك محمل العبد على جبة المحاز وهو منه 

ذا كل محسن يظهر منه الخير فيتعدى فضله صفة الإحسان القائمة به هي لله» وإن 
كانت جارية على محل العبد. فهي فيه بالعرضء؛ وهي في الله بالذات؛ فالعبد موضوع لا 
وكأنه كرسي لتصريف الله وقد سلبه عن ذاته من حيث سلب عنه صفات البشر التي هي 
المنع والشر والبخلء ومنحه هو صفاته. ووهبه إياهاء وجعلها ذائًا له وأقام فيه كرمه 
وإحسانه وخيره. 

فَإِذًا العبد المحسن الرحيم ذاته الإحسان والرحمة» والإحسان والرحمة صفة الحق» 
والصفة لا تفارق الموصوف, والموصوف: هو الله والعبد المحسن الرحيم لا يفارق الحق» 
ومن لا يفارق الحق هو معه. ومن كان مع الحق: هو مرحوم وكامل وسعيدء فالواصل 
رحمه مرحوم وكامل وسعيد؛ لأنا نقول: الواصل رحمه تعدى خيره ورحمته» والمتعلاي 
خيره ليس هو العبد الحادث؛ لما تقدم إن المثل لا يفعل في مثله؛ فإِذًا هو الله حقيقة. 

وإذا ظبرت صفات الحق في العبد؛ فقد اصطفاه وشرفه وكمله وجعله خليفته» وكل 
مكمل ومصطفى مرحوم؛ فالوصل رحمه مرحوم. 

وهذا يفهم من قول سيدناق#ه في «لوح الأصالة» قال: مهما سرى حكم من شيء إلى 
شيء فمنه لا من ذلك الشيءء ويفهم من قوله تعالى: (إوَإِنْ الله لَمَعَّ الْمُحْسِينَ 
[العنكبوت: 69]. 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 15 

وقوله تعالى: (إإِنَ الله مَعَ الْذِينَ القَوأ وَالْذِينَ هُم مُحْسِنُونَ) [النحل: 128]. 

ولا يفهم من هذه المعية معية الزمان» ولا معية المكان» ولا معية المرتبة» ولا معية 
الجنس؛ وإنما يفهم منها التخصيص والاعتناء والقرب إذ قد جعل صفته ذات العبد 
المخصوصء وطهره من صفات الشيطان والنفس ونقص العبودية» واستولى عليه هو 
وجعله مجموع أسمائه» واستحقه من كل الجبات» وجعل ذاته آنيته وكأنه هو. 

لأنا نقول: الإحسان صفة الحق» وهي ذات العبد المحسن» فذات العبد صفة الله 
والصفة ليست بزائدة على الموصوفء والموصوف هو الله, فذات المحسن هو الله» ويفهم 
هذا من قوله تعالى: (إِن الذينَ يبَايعوئك إِنْمَا يُبَايعُونَ اللّه) [الفتح: 10]. 

وقوله: ل(وَاللهُ غَالبْ عَلَى أَمْرِه) [يوسف: 21]» فافهم ذلك. 

وأيضًا الرحم منهم الأهل القريب للإنسان؛ والآباء لم يكونوا أهلاً قريًا للإنسان إلا 
لكونهم سبب وجوده. وهم في السببية على جبة المحازء خاصة والرحم القريب حقيقة: هو 
الله تعالى» وهو السبب في وجودهء ووجود آبائه» ووجود كل شيءء وهو السبب الذاتي 
لماهية العبد الممكنء وهو ألزم إليه من كل شيءء وأقرب من كل قريبء إذ لو قدّرنا 
ارتفاعه؛ ارتفع وجود العبد فذهبء وقد يقدّر ارتفاع الآباء» والأهل الأقارب» وتبقى 
ماهيته على ما هي عليه؛ ولا ينقص منها شيءء وهذا موجود في العالم أبداء فهم إِذَّا سيب 
عرضيء وأهل بالعرض. 

وكذلك القول في الحارء وغير ذلك؛ فالرحم حقيقة: هو الله تعالى» وكذلك الجار 
حقيقة: هو هوء إذ لو قدرنا مفارقة إيجاده من العبد لم يوجد. وهو جار؛ لأنه يلازمه من 
كل الجبات حتى إن كل قوة في الإنسان» وكل عضو روحانئي أو جسماني الله؛ هو المقوم 
له والمتمم» وهو الظاهر ني جميعه؛ والموجود ني وجوده حتى إنه يستحقه كما تقدم؛ وبه 
يتأنس ضمير العارف» وله يلحظء وهو الذي ييصرء ومعه يحضرء وهو الحاضر في 
حضوره ومعه وبعدهء وهو يلازمه ملازمة ذاتية» والأهل الذين يتأنس بهم الجاهل. 

وكذلك الحيران هو مفارق هم في أكثر أزمنته» ويذهب عنهم بالسفر والموت» وغير 
ذلك. وقد تخلق له فيهم العداوة والضدية» وغير ذلك» ويكونون أبعد الناس إليهء» والحق 
تعالى يستحيل مفارقته إليه» وكذلك بعده عنه محال» وكذلك التضاد؛ لأنه يصله بخيره 
وفضله وإحسانه؛ ويؤنسه في سفره وحضره. وينصره في اضطراره إذا لحأ إليه» وهو معه 
أينما كان من المراتب والأحوال والعوالم كلباء فإذا وصله العبد بطاعته: والتخلق بأسائه» 
وبمعرفته والأدب معهء وبقطع كل ما سواهء وزوال الغيرية من قلبه وجملته؛ فدعاه بمعنى 


154 |[ رسائل ابن سبعين 
استدعى صفاته إلى محله» وأحضره عنده بالمراقبة والاستيلاء وصرف ماهيته إليه؛ رحمه 
وهو بحضرته ومشاهدته» وإعطاء كماله» وإفادة سعادته. 

إذ السعادة عبارة عن رؤيته ورضوانه» وهذا هو معنى قوله ذه عنه: (والواصل رحمه 
مهما دعا الله رحمه). 

و قوله ضإك: (والعلم للعلو علامة). 

العلو: هو الرفعة» والعالي: هو المرتفع» والعلامة: هي الدلالة على الشيء», كما تقول: 
علامة الماء في الصحراء: هي وجود الطيرء وعلامته الركيزة الواقعة عليه» والحجارة 
المركبة بعضها على بعض الذي جعلت؛ ليستدل بها على الماءء كما تقول: علامة الإيمان: 


موا اظبة المسجد للصلوا أت. 
وعلامة المؤمن كما ورد في الأثر: «إذا حدث لا يكذب, وإذا أؤتمن لا يخون»7) 
الحديث. 


وبالحملة: العلامة: هي التي مها يتعين الشيء المجهولء أو المشكوك فيهء أو المظنون» 
ويظهر ذانه وحقيقته. 

ولمًا كان العلم سبب الرفعة والشرف والكمال قال فيه: (والعلم للعلو علامة)؛ معناه 
حيث ظبر العلم كانت الرفعة والشرفء ولمًا كان العلم صفة كمال وأجل صفات 
الكمال وأخصها وأعمها تعلقًا قال: (والعلم للعلو علامة). 

وأيضًا لما كان الإنسان حده هو الحيوان الناطق» وفصله من الحيوان هو النطق لا غير؛ 
فإن الحيوان يشاركه في الحياة الطبيعية: وفي الحواس الخمسء وفي المشترك وفي القوة 
الروحانية؛ مثل الخيال والوهم وغير ذلكء» وينفصل عنه هو بالنطق خخاصةء والنطق: هو 
إشارة إلى المكونات بالتصوير والتصديق» هذا حدّه عند القدماء» وهذا هو العلم. 

والنطق علم واقع على النفيات بالروية والفكر؛ ولذلك كان علامة العلوء إذ هو الذي 
ينفصل به عن جنس الحيوان» ويرتفع قدره عليه ويشرف, وهو الذي أوجب تفضيل 
النوع على جنسه. فاعلم ذلك. 

وذلك أن العلة ارتفاع الشيء على أقرانه» وتقدمه عليهم بالشرف أو المرتبة؛ لأنا 
نظرنا الإنسان يماثل الحيوان في الحيوانية» ويشاركه فيما ذكرنا من قبل» وينفصل عنه 
ويفضل عليه» ويرتفع قدره على قدر الحيوان» ونظرنا ذلك الذي ارتفع به وجدناه غير 


(1) رواه البخاري (21/1)»: ومسلم (78/1) بنحوه. 


شرح وسالة العهد تبعض تلاميذ ابن سبعين 5 
الجسم إذ جسمه جسم حيوان ميت بالطبع» وهما متمائلان في ذلك» ولا وجدناه من جهة 
التركيب الخاص والحيئة إذ ذلك يرجع إلى كيفيته» والكيفية حال قائم بالجسم لا اعتبار له 
بالكمال؛ فص أنه لم يفضل عليه إلا بالنطق» والنطق علم كما تقدم حدّهء فكأن علمه 
سبب علوه وعلامته. 

وكذلك نقول في نوع الإنسانية: لأنا نجد نوع الإنسانية واحداء وهو يفضل بعضه 
بعضاء ويعظم بعضه. ويرتفع على بعضء ويتقدم بعضه على بعضء ويحكم المتقدم من 
الناس على غيره ممن يمائله في الإنسانية» ولو نظرنا ذلك التقدم والحكم وجدناه راجعًا إلى 
الخنطة والمرتبة القاهرة المرتفعة على من دونها. 

ولو نظرنا تلك الخطة؛ وجدناها من قبيل العمل والأوصاف الفاضلة؛ والعلم شرط في 
العمل والأوصاف المذكورة؛ فإذًا العلم أصل تلك الخطة والحكم والتقدمء وشرط فيهاء 
والشرط هو الذي يرتفع المشروط بارتفاعه» ولو ارتفع العلم ارتفعت تلك الخطة والتقدم» 
فإِذًا العلم هو الذي يرتفع المشروط بارتفاعه» ولو ارتفع العلم؛ ارتفعت تلك الخطة 
والتقدم. 

فإِذًا العلم: هو الذي كانت به الرفعة والشرف في الإنسان على أمثاله. 

فالعلم هو سبب العلو وعلامته» كما قال» فلو قدرنا الرفعة والمرتبة الحاكمة بالسيف 
والمال كما هي في السلطان؛ فنقول: أصلها وحافظها ومدبرها إذ به يدبر أرباب دولته» 
وبه يمشي سياسته نحو الصواب, فلولا ما يعلم الضد من الصديق؛ لكان يقتل الصديق» 
ويترك الضد. ويؤدي إلى فساد خطته وملكه؛ وكذلك بالعلم يدبر الرعية ويرتفع اختلافهم 
ويقمع عدوهم. 

وبالجملة الملك يدبر بالحكمة» والحكمة: هي العلم والعدل ووضع أي شيء في محله» 
فإذا كان كذلكء, فكل خطة ترفع الإنسان على أقرانه» وتقدمه على أمثاله» فالعلم صورة 
مقومة لحا ومتممة؛ فهذه سعادة الإنسان في الدنياء وتصرفه ورفعته لا وجود هما إلا 
بالعلم» وكذلك فصله من الناطق كما تقدم, فالعلم للعلو علامة. 

وأا سعادته في الدار الآخرة فلا يتوصل إليها إلا بالعمل» والعلم شرط في العمل 
الصالم؛ فإِذًا لاسعادة إلا بالعلم» وأيضًا السعادة في الآخرة والكمال والشرف لا يكون إلا 
بحسب القرب من الله تعالى» وبقدر ما يقطع الحكيم من الوسائط التي بينه وبينهء والقرب 
منه لا يكون إلا بعلم ما يجب له. ويجوز عليه ويستحيل في حقه؛ والوسائط لا يقطعها 
إلا بعد ما يعلمها ويعمل على الخلاص منها وجوازهاء فإذًا العمل الذي يقطع به الوسائط 


15 رسائل ابن سبعين 
شرط فيه» والقرب من المقصود الأعظم إنما هو أيضًا بحسب العلم به؛ فإِذًا السعادة 
والرفعة في الآخرة العلم صورتها المقومة والمتممة. 

وكذلك الصوني في سعادته ورفعته إنما هي بحسب معرفته بالله» وحبه فيه» والفناء. في 
تحقيق حقه؛ والتخلق بأسمائه» وذلك كله يرجع إلى العلم؛ لأنه لم يحبه إلا وقد علم جلاله 
وكمال صفاته كما تقدم: ولم يَفْنَ فيه إلا وقد رجحه على نفسه من حيث رضي تلف 
نفسه فيه. ولوه علمه بجلاله وخساستها بالإضافة إلى باريها لم يفعل ذلك» وأيضًا التخلق 
بأسمائه يحتاج إلى العلم بالاسمء والمرتبة الموضوعة له ويحضر أجزاء ماهية المرتبة 
وتصوره وتصديقه. وينصرف إليهاء ويدور عليها بعلمه وتخلقه» ولا يشذ عليه من أجزاء 
الاسم شيء حتى يتجوهر به» ويتصف بالمرتبة حتى تصير له ذائاء وحينئذ يشرع في 
الانتقال إلى اسم ثان. وكذلك يلزم في كل اسم؛ فإِذًا الصوفي لا كمال له ولا سعادة ولا 
شرف في الدنيا والآخرة إلا بقدر علمه بالله وبأسمائه والتخلق مها. 

فإِذًا العلم سبب رفعته وأصل فيها. فنا نقول: أَعْلَم الصوفية بالله وبأسمائه أشدهم حا 
فيه وتعظيمًا له. إذ المحبة على قدر صفات المحبوب تكون قوتهاء وأقواهم محبة في الله 
أشدهم فناء فيهء وتَخلقًا بأسائه. وأشدهم تجوهرًا بأسائه» وفناء في حقيقته أرفعهم 
وأسعدهم وأكملهم وأعلاهم درجة:؛ فالعلم للعلو علامة» وسبب الشرف والسلامة. 

وكذلك نقول في المحقق: فإن المحقق حقق أن الجوهر المستحق لوجوده ووجود 
الممكنات» وجوده عنده أظهر من الوجود الطبيعي له: وألزم من الضرورة» واستقل 
واستغنى» وانقطع شوقه وطلبهء وشاهد الحق بالحق عنده؛ فرج من ذل الوسائط» واعتز 
ووجد كماله عنده بذاته في ذاته؛ فاستحق بذلك الرفعة والعلو الذي لا غاية تقدر له 
والكمال الذي لا إضافة فيه. 

ولا يقال بالكمالات المذكورة عند الصوفية والحكماء؛ بل هو الكمال العزيز الذي لا 
يدرك له كُنْ ولا تحصره ماهية» وهو العلي العظيم» فاعلم ذلك. 

فقد ظهر لك إن العلم للعلو علامة في الدنيا والآخرة» وفي كل صنف من أصناف 
الكمال» وني كل طريقة» وسيادة النبوة والملائكة» وغير ذلك إشا هي بالعلم» فاعلم 
ذلك. 

وقوله #9ه: (والسلم للعدو سلامة). 

السلم: هو الصلح لغدّ قال الله تعالى: (ادْخُلواً في المللم 15 
الشيّطان» [البقرة: 208]. 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 37 

والعدو: هو الضِدٌّ المناقض للشيء بطبعه ووصفه. والسلامة: هي الخلاص من 
الآفات؛ لأنك تقول: سلم فلان من أعدائه بمعنى أنه تخلص من آفاتهم. 

وتقول: سلم فلان من المرض بمعنى أنه تخلص منه» وخلص من آفاته التي هي الموت 
بعد أن أصابه وباشره المرض. 

وقد يكون (سلم) بمعتى أنه لم يصبه المرض مع كونه محله من حيث هو جسم وقابل 
له؛ وتقول: سلم فلان من البحر بمعنى من آفات العدو بعد أن ركبه. وإذا نظرنا العدو من 
حيث المضادة والمباينة في الكيف فهو يطلق على أنحاء. 

نقول: العداوة في الطبائع الأربع» إذ كيفية الصفراء مضادّة للبلغم. 

ونقول العداوة في الأعراضء إذ السواد ضد البياض» وعدوه من حيث الضدية. 

وإذا نظرنا المضادة في الأشياء كلها؛ يطول علينا الكلام فيهاء ويخرجنا عن المقصود 
من شرح المسألة» فنقول: العداوة التي يريد هنا هي المشار إليها ني عرف الشريعة» وهي 
الضدية الواقعة بين الأشخاص الموجودين في النوع الواحد» فإنك لا تقول السبع عدو 
فلان وتريد بذلك العداوة التي تورث مناقضة الشحص لشخحص؛ فإن عداوة السبع لزيد 
هي مثل عداوته لعمروء وهي عداوة النوع منه للنوع الإنساني مطلقّاء ولا هي عداوة 
المثل؛ لأن الإنسان غير متفق معه ني الكيف. ومفضل عليه بالعقل» وقاهره بالصنائع 
العقلية» والفهم الإنساني من كل الجبات, وغالبه بالذات» فإن اتفق أن يقتل أسد إنسائا 
وقنًا فإها تلك غلبة بالعرض» والإنسان غالبه الذات؛ والعداوة لا تكون حقيقة إلا بين 
المئلين وفي المثلية؛ إنما أراد العداوة من الإنسان» مثل عداوة الدين» وعداوة الحسد, وما 
أشبه ذلك. 

ولمًا كان العدو يطلب القهر والانتقام والظفر والغلبة» ولا يمنعه إلا هلاك عدوه. أو 
ما قرب من الملاك؛ كان حتما على الإنسان العاقل زوال عداوته» إذ العداوة توجب فوت 
الراحة» وتؤدي إلى الهلك. وذلك لا يحض عليه الشرع ولا العقل فلا بد من إزالتها إذًَا 
شرعًا وعقلاًء وإزالتها لا تكون إلا بأحد الأمرين: إمّا بالمقابلة والانتصارء وإمّا بالتخلق 
والاحتمال» وإزالتها بالمقابلة والانتصار له آفات: أحدها: ركوب الخطر فإن مقابلة 
العدوء العاقل فيه بين أمرين: إما أن يظفرء أو يظفر بهء فإن ظفر؛ فقد وقع الأذى والهلك» 
وهذه آفة ظاهرة» وإن ظفر به وانتقم منه أو أهلك؛ فقد حرم المنتقم أو المهلك مقام 
العفو والرحمة؛ وأقيم في الانتصار للنفس» وترقية حظوظهاء وهذه آفة أكبر من الأولى. 

وإن توقف الأمر بينهما فقد شغلا الزمان بغير الله» وفرطا في التوجهء وبعد المنتصر 


158 رسائل ابن سبعين 
عن مقام الرضاء وانقطع عن التوحيدء إذ هو في ملاحظة الغيرية» ومكابدة الأضداد بآفة 
الانتصارء والمقابلة ظاهرة في هذه الوجوه التي ذكرناها. 

والموني ليس بسالم فلا سلامة في الانتصار والمقابلة إلى العدو عند السعداء وأهل الله 
تعالى» ولا سلامة في إبقاء العداوة,» فلم ببق من القسمة إلا إزالة عداوته بالتخلق 
والاحتمال والإحسان؛ وذلك الإحسان يودي إلى انقلاب عداوته صحبة» ومنافرته ألفة 
وهذا هو الصلح في قوله: (والسلم للعدو سلامة). 

فإنه قد سلم من أن يبلك أو يبلك وسلم من إشغال الوقت» وملاحظة الأغيار, 
وسلم من نقص الاتتصارء وشؤم الحظ النفسائي؛ فقد سلم دينه وطريقه» وثبت كماله 
وتخلقه بالرحمانية المختصة بالسعداءء والموجودة في الأولياء؛ فقد سلم طريق سعادته» 
وزالت العداوة والضدية من عدوه بالإحسان. وأمن من مكره؛ فقد سلم من خوفه في 
الدنياء وقد ثبتت سلامته: سلامة الدنيا والآخرة» ونقل عدوه من المهالك2» وطريقة 
الأشقياء. 

فقد سلم المتخلق بالإحسان نفسه وعدوه من آفات الدنيا والآخرة بصلحه وإحسانه» 
وهذا تصريف عظيمء وفضل عميم» وحكمة بالغة. 

وهي المراد من قوله: ولا كمنتوي الْحَسَنَةُ وَل السيّةٌ اذْقَعْ بالني هي أَحْسَنْ فَإذَا 
الذي بَيْنَك وَبَينهُ عَدَاوَةَ كَاَنَهُ ولي حَمِيم) [فصلت: 4]. 

وأيضًا الانتصار إذا قدرنا ظفر المنتصر بعدوه وهلكه؛ قد تحدث له من أسباب 
المهالك أعداء كثيرة» ويتسلسل الأمرء وكذلك في أنسابه هو؛ ويؤدى إلى فساد عظيم» 
وهلك الفئتين» وتضييع وقته» وانقطاعه عن الله» وهذا حرمان عظيم وشقاوة لا سلامة 
فيهاء ولو قدرنا العدو من غير دينه» ويجب عليه زوال عداوته شرعًا وقتاله. 

قلنا: إن جذبه بالإحسان والحكمة والسياسة أحمد عند الشرع» وأولى وأحب لله؛ لأنه 
أزال عداوته وجذبه للإسلام» وكان رحيبًا كريماء متابعًا لسنة النبي يَلوْ؛ِ لأنه كان يجذب 
الناس للاحسان مثل جذبه للمؤلفة قلومهم؛ وكذلك بالاحتمال فإنه كان يغفر للمُسيء له 
ويدعو له بالمغفرة» وهذا خير عظيم؛ فقد سلم المصطلح مع عدوه والمتخلق عليه من 
آفات الدنيا والآخرة» وقرب من الله تعالى بالتخلق بأسائه. ومن النبي يلع بتبعيته» وهذه 
هي السلامة من كل الجهاتء والمراد بقوله: (والسلم للعدو سلامة). 

وقوله #ه: (والصلح مع جملتك صلاح). 

إمّا للتأكيد؛ لأن السلم هو الصلح لغةء فتكريره إما للتأكيد» وإمًا جاء تكريره لفائدة 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 159 
الإطلاق من القيد الأول؛ لأنه قال في الأول: (والسلم للعدو)؛ فحض على الصلح إلا أنه 
قيد بلفظ العدوء وأطلقه في الثاني بقوله: (والصلح صلاح)» وتركه مطلقاء ثم أكده من 
حيث حمده بقوله: (صلاح). 

فإن قيل: اللفظ الأول محرر في ذلكء إذ الصلح لا يطلق إلا برفع العداوة» ولا يقال إلا 
على العدو. ولفظ العدو في الصلح يفهم منه أي عدو كانء ويراد به النوع لا الشتخص» 
أو أحد لا بعينه» ودخخل في ذلك عموم الأعداء» ومّن ليس بعدو فلا يحتاج إلى الصلح 
معهء فلا يفهم من العموم إلا عموم الأعداء؛ وقد خلصه اللفظ الأول. 

قلنا: فيه [شعار الزيادة؛ لأن الصلح فيه معقول الصحبة والألفة» ورفع العداوة معّاء 
وقد يكون في الناس من ليس بصاحب ولا مألوفء وإن لم يكن عدواء فيكون الصلح معه 
بمعنى الألفة والمودةء وهذا فيه زيادة ظاهرة» ويكون الإنسان المتخلق يألف عدوه 
وصديقه. والمتوسط الموقوف بينهماء ويحسن للجميعء ويرد الكل إلى الصداقة والمودة» 
وهذا محمود شرعًا وعملاء وفضل بَيْنّ وصلاح جَلِيُ وهو المراد بقوله: (والصلح 
صلاح) والصلاح: هو الفعل المحمود» وهو الفعل المستحسنء والصلاح: هو الطاعة» 
والصالح: هو الطائع. 

وأيضًا قد يريد بقوله: (العدو)» و(الأعداء)؛ أضدادًا موجودة في محل الإنسان الواحد 
من حيث هو إنسان مجموع من روحاني وجسماني» والروحاني: مفارق في غاية البساطة» 
واللجسماني: مركبء والمركب ضد البسيط» وأيضًا الإنسان حده هو الحي الناطق الميت» 
والحي ضد الميت بالضرورة» والإنسان مجموعهما أو مطلوب بانقياد جميعه إلى أمر الله 
والدخول تحت أحكام الشرع. 

فإن الجسماني يطلب عالمه وخواصه اللائقة به مثل الشهوة من الأكل والشرب 
والتكاح واللباس الحسنء وما أشبه ذلك» والروحاني يطلب العلم والمعارف والبحث عن 
حقائق الأشياء؛ فيتلذذ بإدراك الموجودات» وبتفسير الأشياء المحملة بإخراج الأشياء 
المشكلة من إشكاها إلى التجلي والظهور المحضء وقبول الأمور الكليات من جهة ما هي 
كليات» وما أشبه ذلكء والمتوسط يتلذذ بأشياء متوسطة مثل النغمات الحسنة» والألحان 
وما أشبه ذلك. 

فلمًا كان الإنسان مجموع هذه الأنواع» ومقولاً على هذه الجملة» والشرع طالب له 
بالانقياد إلى الله بجملته. احتاج أن يطلب أنواعه بالمهاودة وقواه الجسمانية والروحانية 
بالإذعان والخضوع وأضداده بالاتفاق» والدخحول تحت أمر الله ورسوله. فيترك عقله 


1590 وسائل ابن سبعين 
اجتهاده وبحثه وعلومه العادية» ويتصرف لقبول ما يلقى إليه الشرع؛ فيخرج عن إدراكه, 
ويأخذ إدراك الشريعة» ويترك علمهء ويأخذ علم الشارع» ويترك الجسماني وتصريف 
جوارحه في المكاسب العرضية والبطش في الأمور النفسانية العاجلة» وينصرف إلى عبادة 
الله. 

ويصرف جوارحه في طاعة الله من الركوع والسجودء وليجاد الراحة بالإعطاء 
باليمين» والسعي إلى المساجد بالأقدام» والجهاد» وغير ذلك» وينصرف في المتوسط إلى 
ما يحمده الشرعء ويرعاه الله تعالى» مثال ذلك: السمع الذي كان يوصل له الألحان 
والنغمات الحسنة؛ ينصرف إلى سمع كتاب الله تعالى الذي هو كلامه» وسمع حديث رسول 
الله يِه وسمع المواعظ والأمور المذكرة بالله كَبَكّ. 

والبصر الذي كان يبصر به المتلذذات» ويتنرًه في سطاعة آلوانها وملاحة مهجتها؛ 
يرجع ينظر اختلافها في أنفسهاء وتبدها وقلة ثبوتها؛ فيستدل على موجدها وخالقهاء 
فترجع القوى الجسمانية والروحانية والمتوسطة منقادة لأمر الله» والدخول تحت أحكامه 
والانصراف لطاعته؛ وتتفق على ذلك اتفاقًا واحداء ودخوها في أحكام الله دخولاً واحدا. 

ويكون الصلح المذكور لاجتماع الأضداد والأغيار الموجودة في الإنسان على قبول 
أمر الله» وتتفق في ذلك اتفاقاء فيزول شغبها وتضادها وعداوتماء إذ كان قبل ذلك كل 
نوع يميل إلى طور من اللذات والمطالب؛ لأن طلب الجسمء مضاد لطلب العقل» 
والروحاني ضد الجسمائي؛ فكأن الإنسان مشتبه الماهية» فصار متفقاء ووقع الصلح بين 
أضداده» وتآلفت أجزاؤه» وتوحدت ماهيته بدخوها تحت أمر الله» وانصرافها لمطلوب 
واحدء وأدى ذلك للجمع والاتفاق والاستقامة. 

وهذا صلاح عظيم» وصلح محمود. ويفسر هذا قوله #ه في «الرسالة الرضوانية»: 
وقل جحماتك: يا مركبة من الخير والشرء والمفارق وغير المفارق» والسعيد والشقي» 
هاوديني, وإن لم تفعلي نقابلك بطبيعة الخير» ونتدرع بالمفارق» ونظفر بك بأمر السعيد. 
فإني ناجيته. 

فهذا معنى قوله 4#: (والسلم للعدو سلامة» والصلح مع جملتك صلاح). 

وأيضًا إذا صار العقل داخلاً تحت نظر أمر الشارع» فلا يعقل إلا به» والبصر لا ييصر 
إلا به» والسمع لا يسمع إلا به» والجسم لا يبطش ولا يتصرف إلا به؛ فقد ذهب كل 
نوع في ذاته» وثبت بالشارع التقة, والشارع اتا هو لسان الحق وبصره لأنه بالله ينظرء 
وبه ينطق وعنه» وذاته لله جملة» فذات المنقاد للشرع ترجع لله بالضرورة؛ لأا نقول: 


المتبع لا يعقل ولا يسمع ولا ييصر ولا يبطش إلا بالشرعء فالشرع سمعه ويصره ويداه 
ورجلاه» والحق ذات الشارع» فالحق هو سمع المتبع وبصره ويداه ورجلاه. 

وهذا يشهد له قوله ولك حاكيًا عن ربه: «لا يتقرب العبد إلي بأفضل مما افترضته 
عليه ثم لا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته كنت مبعه الذي يسمع به 
وبصره الذي يبصر به)27 الحديث. 

فإذا كان الحق هو جملة الإنسان من حيث استحقاقه له, والحق واحدء فالإنسان واحد 
فقد ارتفعت الأضداد والأغيارء واتفق المختلفون» وزالت العداوة بالضرورة» وأيضًا العبد 
ممكن الوجود, والموجودات المفعولات كلها ممكنة الوجودء وهي متساوية في ذلكء ولا 
يكون للممكن الوجود سمع وبصر وعقل من حيث هو ممكنء ولا وجود له باللجملة إلا 
ما أعطاه الواجبء وما أعطاه الواجب لا يفارقه ولا ينفصل عنه. 

ذا الواجب سمع العبد الممكن وبصره ويداه ورجلاه» ووجوده بالجملة» والعالم ني 
إمكانه واحد؛ فالله هو سمع كل سميع من الممكنات» وبصر كل بصيرء ووجود كل 
موجود منهاء فلا تقل إذا هو سمع الولي وبصره في وقت استحق الولاية» ولم يكن قبل 
استحقاقها كذلك, ولا تقل هو في وجود الولي ماهية وحقيقة» وني غيره من الممكنات 
مجازًا؛ فيكون وجود الله مع الممكنات ني بعض حقيقة» وفي بعض بجازاء تعالى الله أن 
يختلف وجوده أو يتنوع. 

بل هو المقوم لماهية الولي وغير الولي» وهو ماهية كل ماهية من حيث استحقاقه 
للموجودات استحقاقًا واحداء فإذا كان هو ماهية الماهيات» فهو سمع الأسماع كلباء 
وبصر الأبصارء وهو كذلك دائمّاء إذ لا يمكن أن يكون وجوده مع الممكن في وقت 
مقومّاء وفي وقت منفصلاء ويكون الممكن مستقلاً بذاته في وقتء ومفتقرًا في آخر؛ بل 
هو مفتقر على الدوامء والله هو المقوم لوجودها على الدوام والمتمم. 

فإذًا بطل كونه يكون سمع الرجل في وقت دون وقتء وكذلك بصره؛ بل هو وجود 
كل موجود دائمّاء فإن قيل: ما الفرق بين الولي وغيره إذا؟© 


(1) تقدم تخريجه. 

(2) قال سيدي محمد وفا في النفائس: اعلم أن القطبية على قسمين: قطبية في العلوم اللدنية» وقطبية في 
العلوم الدينية» والفرق بينهما أن الأولى علوم تعريفية» والأخرى تكليفية» وكل واحد ينقسم إلى 
ثلاثة مراتب: الولاية» ثم النبوة» ثم الرسالة» وني اللدنية بالعكس؛ لأن الأولى في الديانات: من 
تولى الله بأوامره ونواهيه» وفي اللدنية: الوليى من تولاه الله. أما بالذات: «فإذا أحبيته كنت هو». 


158 5 رسائل ابن سبعين 

قلنا؛ هذا قريب من الله» وهذا بعيد منه» نقول: الولي عرف بذلك الاتصال» وشاهد 
استحقاق الحق لهء وغيره جهل ذلك؛ فكان بعد هذا من جبهة الحهل لا من جهة الوجودء 
وقرب هذا من جبهة العلم والوجود معاء فهذا وجد ماهيته» وسمعه وبصره معا لله وبه 
وعنده». وشهد الحق بالحق» وهذا ادعى لذاته وجودًا وسمعا وبصرًا؛ فادعى ما ليس له 
وكان بعده بحسب ذلكء وكان قرب الولي بحسب ذلك. 

وكان هذا منعمًا وحاضرًا وشاهدًا وكاملاً وسعيداء وهذا الآخر بالعكسء والحق 
بالقرب معهما على حالة واحدةء وهذا بعيد من حيث غلطه» وانتكس بذلك. الغلط 
وشقي. 

فإن قيل: ما الفائدة في قول: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»؟ 

قلنا: أزال الغلط فشاهد أن الحق سمعه وبصره. وإنه لم يزل كذلكء ولا يزال كذلك 
مع كل ممكن؛ فكان التقديم أو التأخير من حيث العبد وعنده» فاغلم» لا بد من حيث 
الحق» ومن حيث الغلط والجهل؛ لا من حيث الوجود حقيقة. 

فإذًا القرب ذاتي» والبُعد عرضيء والغلط في الضمير يحجب الإنسان عن حقيقته 
فيدعي وجود الله لنفسه: فيكون في الأمانة من حيث أخذه ما ليس له» فلا عداوة ولا 
مغايرة إلا في خختبر الغالط» والحق: هو حقيقة كل شيء» ووجود كل شيء بالوجه الذي 
ذكرناه» وهو كذلك دائماء فلا عداوة إلا بالجهل» فإذا ارتفع الجهل؛ ظهر اتفاق الوجود 
ووحدته» وهذا هو الصلح الذي يرد الأضداد والأغيار شيئا واحداء ويزيل الشتات» ويعلم 
بعد زواله إنه لم تكن قط عداوة» ولا بغض» فصار الصلح زوال الغلطء ورفع الإضافة» 
فاعلم ذلك. 

فبذه المسألة مطبقة على قوله: (والعلم للعلو علامة)؛ ولذلك ساق بعدها: (والسلم 
للعدو سلامة)؛ لأن العلم يرفع الغلط الذي أوجب العداوة» فيظهر الاتفاق والاتحاد» 
والصلح حقيقة ذاتية في كل ماهية بما هي ماهية, فاعلم ذلك. 


أو بالصفات: «فإذا أحيبته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ييصر به». 

أو بالأفعال: «افعل ما شكت مغفورٌ لكي والجمع بينهم كمال لا يدرك والنبوة اللدنية والرسالة 
الينية سارية في أعماق الروحانية بدرجة الخلالة مع الحوية السارية» والله عليم بذات الصدورء 
وإذا فهم هذا النطاب علم الفرق بين الموسوية والمنضرية: والله ولي التوفيق. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميف ابن سبعين 5 

قوله دَيه: (والدعاء بالإخلاص سلاح). 

الدعاء: هو النداء» تقول: دعوت فلائا بمعنى ناديته» وتقول: الدعاء: هو العبادة؛ لقوله 
تعالى: (وَقَالَ ربكم الذغوني أستجبا لم إِنْ اللدينَ يَستكِْرُونَ عَنْ عباتي [غافر: 
0] الآية» وتقول الدعاء إذا كان الله تعالى هو النداء بالمسألة» والتضرع والطلب 
لإحسانه ونعمه. 

والإخلاص: هو تحرير الشيء من الإشابات؛ كما تقول: أخلصني فلان وده؛ بمعنى أن 
وده محرر من الإشابة» ونقول: الإخلاص: هو تحرير القصد من الإشابات والوسائط. 
والسلاح: هو العدة التي يعتمد عليها ني نيل المآربء. ونقول: السلاح آلة يستعان مها في 
تحصيل المطالب» ونقول: السلاح آلة أو عدة يستجلب ما الملائم» ويدفع بها المنافر» 
ويحفظ بها الحامل لها نفسه وجملته. 

ولما كان الله فاعل كل شيء» وبيده ملكوت كل شيءء فلا شيء يبقى إلا وهو 
فاعله. ولا خخير يرجى إلا وهو فاعله؛ فهو الضار النافع» فلا شيء يدفع إلا وهو دافعه. 
ولا شيء يجذب إلا وهو معطيه ومانحهء ولا حافظ للتفس المحفوظة إلا وهو؛ ولذلك 
جعله سلاحًا وشبهه بالسلاح. 

ولما كانت السلاح عند العامة في الظاهر يعتمدون عليها في دفع العداوة» والوقاية من 
الشر وفي استجلاب المنافع والخيرات الملائمة» ويحفظون ما ذواتهم من الضرر والبأس 
ضرب لهم بذلك مثلاء وقربه لأفهامهم بالعرف الحاري في عاداتهم في مواطن المنوف إلا 
السلام؛ فتبهم على الإخلاص والاعتماد عليه في جميع ما يخاف أو يرجيء إذ هو الدافع 
للشر حقيقة» والمانح للخيرء والحافظ لذات العبد من كل الجهات» وهو الذي لا راد 
لأمرهء ولا معقب لحكمه. فهو عدة المؤمن وسلاحه. وإليه استناده» وعليه اعتماده إذ لا 
غيره ينفع» ولا سواه يدفع. 

فإن وجدنا السلاح في الظاهر مثل السيف والرمح» وما أشبه ذلك يدفع به العداوة 
ويحارب بهء وقد يسفر ويقتل» وقد يمنع من بلوغ غرضهء ويدفع شره» ويظهر تأثير 
الحديد والعدة في دفع العدوء وقتله به؛ فذلك يرجع إلى الله بالضرورة» وهو له حقيقة 
وللحديد مجازًا. 

فإن قيل: كيف هو بجحازّاء ونحن نشاهد صاحب السلاح يسلم بمحاربة عدوه» ويفني 
نفسه به ومالهء وقد يظفر بعدوه ويقتله» ومن لا سلاح له يظفر به وينتقم منهء وهذا تأثير 
ظاهر؟ 


كنا وسائل ابن سبعين 

قلنا: ذلك من جبة العادة» ومجعول ني الحديد والسلاح, وليس السلامة والظفر في 
السلاح صفة نفس؛ لأنّا نقول: لو لم يخلق القطع عند الضربة بالسيف؛ لم يقطع السيف 
بما هو سيف» ولو لم يخلق الموت عند وجود الجراح؛ لم يمت العدوء إذ قد وجدنا في 
العادة بحروحين يعيشون» ومضروبًا باللطمة يموت» وأخر يموت بغير ضرب؛ فصح أن 
الموت خلق لله لا بنفس الضرب. 

وكذلك نجد سيفا واحدًا يُضرب به في وقت فلا يقطع؛ ويُضرب به في وقت آخر 
فيقطع» فلو كان القطع له صفة نفس؛ لما تبدلت في وقت دون وقتء ولو كان عدم 
القطع صفة نفس له لم يقطع به أبدًا؛ فصح أن القتل والقطع والوقاية خخلق الله وفعل له. 

وكذلك نقول في الضارب, فلا فعل لمخلوق ولا تأثير» وقد نجد الموضع المخوف 
يجوزه من لا عدة له؛ فيسلم» ويجوزه صاحب السلاح؛ فيهلك» وقد نجد الجماعة 
الواحدة تقاتل العدو؛ فيُقتل أصحاب السلاح لأجل محاربتهم» ويكون سلاحهم سبب 
هلاكهم» ويسلم من لا سلاح له لكونه غير مخوف». ويكون عدم سلاحه سبب سلامته. 

وقد انعكست المنفعة مضرة» وضدها منفعة؛ وهذا جار أبدّاء» فصح بالبرهان أن الله 
هو الذي يدفع الشرء ويقي كل ماهية من البأس» ويحفظ الذوات الممكنة كلها؛ فهو 
السلاح» وإخلاص الاعتماد عليه هو النجاح, ولا خير إلا منه وبه» ولا شر إلا له وعنه. 
فإليه يجب الاستناد والتضرعء وله يصح الدعاء والتضرع» وهو الذي يجيب دعوة الداعي 
إذا دعاه» وغيره لا يجيب ولا يستجيب. 

فإن قيل: قد نجد من يدعو ويسأل الحاجة؛ ولا تقضى ولم تظهر الإجابة؟ 

قلنا: الله قد وعد بالإجابة» ووعده حقء ولكن لم يعين الزمان» ولا عين الحاجة» وإنما 
وعد بالإجابة قطعاء فإن لم تظهر إجابة الداعي ني الوقتء فتظهر في زمان آخخرء ويتأخر 
زمان الإجابة أو يتقدم» أو لم يكن الدعاء بإخلاص ويشوبه الشرك الخفيء أو الضعف في 
الإخلاص؛ واللبس في تحرير القصدء أو يكون العبد يسأل في حاجة يظن أنها منفعة له 
ونعمة, ويعلم الله منها ضد ذلكء فلو أجابه في تلك الحالة أوالحاجة بعينها لكانت عليه 
نقمة وشرًاء فدفعها عنه» وأجابه بدعائه. 

إذ الدعاء لله يستدعي خيره ونعمته وإحسانه؛ والعبد الحادث عاجز عن إدراك مصالحه 
وكشف عواقب الأمورء والقديم سبحانه الكريم العالم بالخيرات النافعة» لما رأى عبده قد 
دعاه بالخير والإحسان. وعجز عن معرفة ما يصلح به من أنواع الخير؛ أجابه بالخير اللائق 
به» والنعمة النافعة له» وأرشده فيما عجز عنه, إذ لو أجابه بعين ما دعاه فيه» وهو يعلم أن 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 165 
فيه مضرته؛ لم يكن محسئًا من حيث علم مسألته يدعوه في الخير والنعمة» ويجيبه بالسيئة 
والنقمة؛ وإشها إحسانه أن يحتار له ما هو خير له ونعمةء ويرشد فيما عجز عته إذ العيد 
الحادث عاجز من صفة نفسه. 

ولذلك قال سيدنا 5 للشيخ أبي عبد الله الدلون #: (ادعٌ ولا تعيّن مطلوبًا). 

فإن قيل: ما الفائدة في الدعاء إذا لم يعين مطلوبه؟ 

قلنا: فائدته الإشعار بالاحتياج والالتجاء إلى الله والافتقار إليه حتى في العجز عن 
معرفة المصالح» وطلب الإرشاد لها منه» ويكون الدعاء هنا بمعنى الذكر والعبادة والدخول 
في العبودية المفتقرة من كل الجهات. 

ولذلك قال رسول الله ين مخبرًا عن الله إنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي 
أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)20. 

وأيضًا النعم الفعلية لا ثبوت طاء ولا هي مطلوبة لذاتها عند السعداء» إذ لو قدرنا عبذا 
منعماء وهو غافل عن الله غائب عن مشاهدة المنعم في نعمه؛ لكانت النعمة عليه نقمة» 
إذ هو غير ذاكر ولا حامد للمنعم. وأدى ذلك إلى كفر النعم؛ والكافر بالنعم شقي 
ومحرومء وكذلك الغافل عن الله؛ فإِذًا ذكر الله هو النعمة الكبرى؛ فإنه يصرف الذاكر إلى 
الله الذي يراد لذاته» وهو النعمة التي لا تقاس بالنعم» والذي إذا ظفر به ظفر بكل نعمة» 
ويستغني الذاكر بمشاهدته في مقام الإحسان» وبحضوره عنده كل .نعمة» كما قال وَل 
«أظل عند ربى ويطعمني ويسقيني»”©. 


(1) رواه الترمذي (184/5)» وابن أبي شيبة في المصنف (34/6)» والبيهقي في الشعب (413/1). 
(2) رواه البخاري (2661/6)» والترمذي (148/3)» وأحمد (377/2) وبنحوه. 
وذلك أنه هله كان يواصل الصوم ويأمر أصحابه بالمواصلة ثم نماهم عن الوصالء» فلما رأوه 
يواصل قالوا: يا رسول الله نيتنا عن الوصال ونراك تواصل. 
فقال ي: «ولست كأحدكم». وسمى بعضهم هذا المقام» أعني ترك الطعام والشراب مدة تزيد 
على مدة الصيام من غير فاصل مفطر مع اشتغال من هذه الحالة حالته بالله تعالى بأن يرجع إلى 
شهود الحق تعالى» ولا يلتفت إلى الأغيار أصلاًء وتكون التجليات القدسية واردة على قليه بحيث 
لا يلتفت إلى ما سواها بمقام. وانظر: كشف الأسرار (ص 213) بتحقيقنا. 
وقال سيدي محمد وفا في المعاريج: وأخبر وَل عن معراج آخر روحاني» فقال لما سكل عن نهيه 
عن الوصالء فقيل له: 
«ألست تواصل يا رسول الله؟ فقال: إني لست كأحدكم - أو قال: كهيكتكم - إني أبيت عند 
ربي يطعمني ويسقيني». 


166 رسائل ابن سبعين 
فإذا كان الذكر أكبر النعم كما ذكرنا؛ فالغفلة والذهول عن الله أكبر النقمء فإذا دعا 
العبد ربه فقد ألهم وأقيم في الذكرء ونبه عليه» ورفعت عنه الغيبة» واليُعد عن الله» وأقيم في 
الذكر والحضور والعبادة فقد أجابه من حيث رفع عنه ضر البُعد ومنعه الغفلة» وكفاه شر 
الشقاوة وأسباهاء وأنعم عليه بالحضور والمشاهدة والذكر والعلم بافتقاره إلى بارئه» 
وأحضره عنده مع الحاضرين السعداءء فقد أجاب الداعي قبل دعائه من حيث أعطاه 
الدعاء من حيث أسعده به وأنعم عليه بجنته ومشاهدته؛ فكل داع لله بحجاب بالضرورة 
التي ذكرناها من دفع نقم الغفلة» وإعطاء نعم الحضور والذكر والمشاهدة؛ فاعلم ذلك. 
وأيضًا الإخلاص27: هو تحرير القصدء وتجريد الغرض لله تعالى كما تقدم رسمهء فإذا 
أخلص الإنسان قصده لله بمعنى إنه أراده لذاته» وأحبه لاله وكماله. قلا يطلب منه 
النعم الفعلية؛ فإنها تشوب إخلاصه. وتبطل كونه مخلصا؛ لأنه قد طلب منه أفعالاء 
والأفعال غير الذات» ووقوع غير ذات المخبوب في قلب المحب إشابة واختلال في محبته. 


وأخبر عن معراجٍ آخرء وهو المعراج الروحي السري فقال: ولي مع الله وقتْ لا يسعي فيه ملك 
مقرّب» ولا ني مرسل». 

وأخبر عن معراجه المحمدي يله فقال: «كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان». 

فهذه المعاريج النورانية للنفس الزكية السنية البهية العروج في هذه الأطوار فلكلٌ منها قسم 
مقسومء ونصيب معلوم. 

قال الله تبارك وتعالى: ند عَلِمَ كل أناس مرتكم4 [البقرة: 0 

وقال تعالى: ظاللَهُ يَصْطفِي مِنَّ الملائكة رسلا وْمنَ الئاس | إن الله سَمِيعٌ يَصِير» [الحج: 75]. 
وقال تعالى: يق ِرَحْمَته من يشَاء وَاللهُ ذو الَضلٍ المي [البقرة: 5 

وهو: «إيؤتي الحكمة مَن يَشَاء وَمَن يُوْتَ الحكمة فَقَدْ 9 خَيْراً بير وما يَذَكُرُ إلا أُولُوا 
الألباب» [البقرة: : 69 

(1) قال الشيخ الأكبر قدّس سّره: (من أخلص) أعماله وأصفاها من شائية الرياء (تخلص) من الأهواء 
والبلاء» ويفوز في الآخرة بالنعماء» ومن أخلص معاملاته مع الحق من الخلق حتى من نفسه 
تخلص من ظلمة الأغيار» ويدخل في ضياء نوره» ومن أخلص قلبه عن السوى بدوام النظر إلى 
المولى تخلص عن الشرك الخفي والأخفى» فالأول للعوام؛ والثائي للخواصض» والثالث لأخص 
الخواص؛ والكل ممدوح ومطلوب قال النبي وَلع: «الإخلاص إيمان كله». 
قال الشيخ دس سره: 

مّن عَامَل الحقّ بالإخلاص قد رَبِحَا 2 وإن تكون فيه شرك فهو قد سمّحًا 
وانظر: شرح الحكم للياني (31) بتحقيقنا. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 17 

فإنا نقول: لو إن رجلاً ادعى محبة الملك لذاته وصفاته الذاتية له وشغف قلبه بجماله 
وكماله» ثم طلب منه ألف دينار؛ لكان ذلك طعنًا فيما ادعاه» واختلالاً في محبته» إذ قد 
دخل في قلبه غير صفات الملك الذاتية» وطلب منه اللواحق الخارجة عن ماهيته؛ فإذًا 
الدعاء بالإخلاص لله هو تعلق الهمة والقصد والجملة بذاته والحيام بجلاله» وزوال الإضافة 
والفناء عن جمع المطالب ومحو الغيرية من قلب المخلص حتى يفنى عن وجوده. ويصير 
شاهده هو مشهودف وعابده هو معبوده. 

فهناك يذهب الإخلاصء ويلقي السلاخ» ويناديه الكمال» ويستجيب في ماهيته» 
ويظهر عليه سراجء وتذهب الأضداد والأغيارء ولا ييقى خلاف يتحفظ منهء ولا عدو 
يقاتل بالسلاح» وهذا هو معنى قول سيدنا ي4: (والدعاء بالإخلاص سلاح). 

وقوله #5: (وإياك من الأمل المبدوم والعمل المعدوم). 

الأمل: وهو تعلق الرجاء ببقاء الحال الحاصل من الخير المحصل» وباستدعاء مثله 
وأحسن منه. وانتظاره في الزمان المستقبل» كما نقول: نؤمل الآن البقاء في الدنيا وكسب 
الأموال فيهاء أو نقول: الأمل: هو تعلق النفس بخيرٍ إمّا حاصلاً تريد ثبوته» وإمّا مفقودًا 
تريد تحصيله أو مجموع ذلكء أو نقول: الأمل: تعلق النفس بحفظ الملكة أو بنيلها. 

والمهدوم: هو الشيء المنْحل بعد تركيبه؛ والمفسود بعد كونه» وبالجملة المبني: هو 
الجسم المركبء والمهدوم: هو الجسم المتحل بعد تركيبه. 

وقد نقول: المهدوم: هو الشيء الذي تفرق اتصاله؛» وانفصلت جواهره بعضها من 
بعضء فاعلم ذلك. 

والمعدوم: هو المنتفي كما ذكره سيدنا 45 في «الرسالة الفقيرية». 

وقد نقول: المعدوم ما ذهب بعد إثباته» كما تقول: فلان معدوم إذا مات وانقرض» 
بالجملة» المعدوم ما ليس بموجود كما رسمه سيدنا دي في «الفقيرية». 

ولما كان الأمل هو تعلق النفس بخبرهاء والخبر ينقسم إلى محمود ومذموم؛ فالمحمود 
منه هو الثابت الذي لا انقطاع له» وهو الجحليل المعتبر بصفات الكمالء والمذموم هو 
الذاهب المنقطع» وهو الخسيس المشار إليه بالنقص والرذالة؛ قيد اللفظ بقوله: (المهدوم). 

ولما كان العمل يتعلق بمكاسب ذاتية وعرضية؛ قيد بقوله: (المعدوم)؛ وذلك الأمل 
ينقسم بحسب متعلقه. وهو واحد ني التعلق؛ فإن الأمل هو الإرادة والرجاءء والإرادة 
والرجاء قد تتعلق بالدنيا ومكاسبهاء وتتعلق بالآخرة؛ ولذلك خصص اللفظ. العام وقيده؛ 
لأنه لو قال: (ولياك من الأمل)» وسكت عند ذلك؛ كان يلزم التحذير عن الأمل في الله 


8 رسائل ابن سبعين 
وني اجأحنة. 

ولو أطلقه أيضًا ويأمر به مطلقا؛ كان يلزم التحريض عن الدنيا والأمر بهاء وهو لا 
يجوزء واحتاج إن قيد اللفظ المطلق» فإن قوله: (ولباك من الأمل) هو نبي مطلق» فلما 
قال: المهدوم» وقع النبي عن الدنياء وبقي الأمل متعلقًا بالله وبالدار الآخرة» ابا على 
أصلهء وذلك أن الأمل المهدوم هو تعلق الإرادة بالأمور الذاهبة المختلة» وهي الدنيا 
ولواحقها. 

ويُسمّى الأمل مهدومًا لأجل ما هو متعلقه مبدوم وذاهبء وهذا من قبيل الشيء 
الذي متتدى اباك متحاقه: كما قول: هه عسييجة إذا كان متعلفها عسلية. ٠.‏ " 

ولما كانت الدنيا سريعة الانتقال» وقليلة الثبوت» ولذاتها تكون في وقت دون وقت» 
وما من لذة تنصور فيهاء ولا خير يتتشي ويتركب» ويوجد في ساعة من الزمان إلا 
ويتحلل ني الثاني» ويذهب ما ثبت منهاء وينعدم ما بقي فيهاء مثل لذة الجماع إنما هي 
زمان فرد ويدخله الألم؛ لأنه لذيذ وجيع» وكذلك الأكل وخيره. إما هو في زمان مناولته 
فقطء وفي عقبه تذهب تلك اللذة» ويبقى الخبر يتلذذ بما يستقبل من مثله في وقت آخرء 
وهذا خبرٌ وهمي» فإنه يتلذذ بشيء غير موجود في الحال» وقد لال يق ور ما املد 
ذلك» ويأتيه ضده؛ ويسلب عنه هوء إما المرض أو بالقلة أو بالموت» وكذلك القول ني 
اللباس يفنى مركبه» ويبلى جديده. 

وبالجملة: نقمتها أكثر من نعمتهاء وقبضها أكثر من بسطهاء وتنقطع بالموت» 
ويذهب وجودها بالجملة» فبي معدومة بالضرورة» والأمل المتعلق مها مهدوم, والعاقل لا 
يتعلق بخير يعلم أنه يفقده. وينفصل عنه بالضرورة. 

فنقول: الأمل المهدوم هو المتعلق بتدبير الجسم؛ لأن الجسم مركب من أضداد» ومن 
بسائط» وكل مركب من أشياء كثيرة ينحل إليهاء والجسم مركب من أشياءء فهو ينحل 
إليهاء والانحلال هو الهدم: والمنحل هو المهدوم, والحسم بحل فهو مجلوة» والأمل 
المتعلق بالمهدوم مهدوم, وبناء الجسم معلوم عادةً وطبيعة وشرعًاء أما عادةً فظاهر لنا؛ 
لأنا وجدنا الأجسام تنحل وتذهب» وأما طبيعة فهو ما ذ كرنا من اتحلال المركب من 
البسائط التي تركب منهاء وأما شرعًا فقوله تعالى: كل مَنْ عَلَيَا ان [الرحمن: 26]. 

وقال في التفوس المدبرة للأجسام: لكل فس ذَآئقَة الْمَرْتِ) [آل عمران: 185]» 
وفي النفوس المتوجهة لله الساعية في مرضاته: ولا كَحْسَبَر الذِينَ قُلُوا في سَبيل الله 
أَمْوَانًا بل أَخْيّاء4 [آل عمراتن: 169]. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميف ابن سبعين 5 

والحكماء الإلغيون يقولون: إن النفس المديرة للجسم هي النفس ال حياتية» وهي فانية 
بإجماع لفناء مركبهاء والنفس المستقيمة عندهم على التوجه؛ وطلب الحكمة؛ والبحث 
عن المعارف والمحبة للباري تعالى» وطالبة القرب منه هي النفس الناطقة» وهي باقية أبدًا 
بإجماع منهمء والذي اختلف في بقائها رجع عن قوله وقال يبقائها. 

فإذًا التعلق والأمر المدبر للجسم هو النفس الحيوانية أو خبرهاء والأمل المتوجه لله 
ولمعرفته هو بر النفس الناطقة» ومتعلق النفس ال حيوانية هو الجسم ولذاته» ومتعلق النفس 
الناطقة ومحبوبها هو الحق» والجسم مهدوم ومضمحل. تأمل النفس الحيوانية مهدوم 
ومنحلء وأملها فو جوهرهاء فجوهرها مهدوم. 

وأمل النفس الناطقة هو الله» ومعرفته ومحبته والنظر إليه» ومعرفته ومحبته والنظر إليه هو 
جوهرهاء والحق دائم لا يزول» فالنظر إليه دائمًا لا يزولء فالمتعلق بالله ثابت» والمتعلق 
بالجسم ذاهب, والذاهب مهدوم.ء والثابت لا يهدم أبداء وهذا وإن كان يحتاج إلى 
مقدمات وإقامة برهان على أن جوهر النفس الناطقة هو النظر إلى الحق» وأن المدبر 
للجسم هو النفس الحيوانية فإنه يحتاج إلى تطويل» ولا حاجة بنا إليه في هذا الكتاب» 
ولكن هو مذكور في كتب القوم» ومقدماته عليه صادقة» وقد ذكره سيدنا ضَإن4 في «بد 
العارف»» وفي «مسائل صاحب صقلية»» فانظره هناك, أو اسألني عنه مشافهة» أو اقنع 
فيه بالآيتين المتقدمتين في النفس التي لا تموت» وني النفس التي تذوق الموت وركب 
عليهما معقول ما ذكرناه» وتفهمه إن شاء الله ويكفيك فيه علمك بأن الجسم فان كما 
ذكرناه» ولذاته تفنى بفنائه» وإن الحق باق واللذة بمعرفته ومحبته تبقى بيقاء متعلقهاء فاعلم 
ذلك. ونقول: النعيم عرض» والعرض إلى ضد ومثل وغير وخلاف. ونعيم الدنيا تخلق 
أضداده وأغياره» والشيء يذهب بضده ويزول بغيره» وكل ذاهب مهدومء فنعيم الدنيا 
مهدوم؛ ونعيم الآخرة تخلق أمثلته» والموجود في المئل هو الموجود في مثلهء فهو دائم 
أبداء وما هو دائم فليس بمهدوم. 

ونقول: العالم بأسره ممكن الوجودء والممكن الوجود لا فعل له» ولا تصريف له 
والواجب الوجود له الفعل والتصريف. 

والأمل ينقسم إلى قسمين: أمل يتعلق بالعالم» وأمل يتعلق بالله» فالأمل المتعلق بالعالم 
لا يحصل له مأمول؛ إذ العالم لا يفعل» فهو أمل مهدومٌ من حيث أن حقيقة تركيب الأمل 
هو نيل مطلوبه فإذا لم يتل مطلوبًا لا تركيب له فهو مهدومٌء والأمل المتعلق بالله ينال 
مطلوبه؛ لأن الله هو الفاعل المتصرفء فالأمل المتعلق به غير مهدوم. ونقول: العالم 


0 رسائل ابن سبعين 


الممكن لا وجود له من نفسه. ووجوهه بالله وعنه وعنده» فهو ينحل إلى فاعله 
بالاستحقاق» وما هو منحل إلى شيء فهو مهدومٌ. 

والأمل خبر عن موجود يعتمد عليه. والعالم مهدوم كما ذكرناء فالخبر المعتمد عليه 
مهدوم, والحق موجود ثابت بنفسه لا يتبدّل» والخبر المعتمد عليه متعلقه لا يتبدل» 
فالمتعلق لا يتبدّل» وأيضًا الوجود هو واحدء وهو الله وهو الوجود المطلق» والعالم لا 
وجود له إلا به وفيه كما تقدم» فالعالم قضايا تنمائل في الوجود المطلق» وهي زائلة في 
أنفسها ثابتة به» فهي أمثلة ومراتب فيه لا تغايره. 

فالخبر المتعلق مها أمل مهدوم؛ لأن الوجود يزيلها ويأخذها استحقاقًاء وكل زائلٍ 
مهدوم؛ والخبر المتعلق بالمهدوم مهدوم؛ والوجود المطلق هو الوجود حقيقة» والمراتب 
لا تخبر عن أنفسها ولا عنه؛ إذ لا وجود ها في أنفسهاء ومن لا وجود له لا يأمل ولا 
يخبرء فإذًا لا خبر ولا أمل إلا في خبر الذي يشعر بالإضافة كلها كذب وخرافة» فلا أمل 
ولا مأمول في الوجود حقيقة» فقد ذهب الأمل» وثبت الحق الذي لم يزل» فالأمل كله 
الخسيس منه والرئيس معدومٌ في الحقيقة» وذاهب لا وجود له. ومن لا وجود له فهو 
معدوم» بل معدوم لعينه» وهذا هو معنى قول سيدنا 4#: (وإياك من الأمل المهدوم). 

وهذه الألف واللام تأخذ في التفسير الأول لتبيين الجنس» وفي هذا الآخر للعبد» وني 
البداية والسلوك خرج عن الأمل مقيدًاء وني هذا الموطن أخرج عنه مطلقًاء بل لا تجده 
من نفس هذا المقام» وهذا هو معنى قول سيدنا #5: (أنعم علي بخير يقطع الأمل)؛ 
لكونه الجامع المانع. 

وهذه الكلمة مذكورة في «وحي الاستخخارة»» تثبته الإضافة والوهم» ويذهبه التحقيق 
والفهم» فافهم ذلك. 

وكذلك القول في العمل المعدومءفإن العمل هو تصريف النفس بالآلات الجسمانية 
والروحانية للكسب والتحصيل» والكسب هو تحصيل الخيرات اللحبوبة للنفس» كما 
كسبت مائة دينار» وكسبت علم الأصول علم وما أشبه ذلك. 

ولما كانت الدنيا بالعمل والخدمة مثل الصنائع والتجارات وما أشبه ذلكء والدنيا 
معدومة وذاهبة كما تقدم» فالعمل لما وفيها معدومء ولما كان العمل ينقسم إلى عمل 
يحمل على السعادة الكمال والرفعة» وعمل تحصيل به الدنيا ومرابتهاء والسعادة والكمال 
باقية وثابتة» والدنيا ولواحقها ذاهبة ومعدومة» أطلق القول في الأول بقوله: «ولياك من 
العملي» وقيده بقوله: المعدوم؛ لأن العمل لا فائدة له إلا تحصيل المطلوب المعمول 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميف ابن سبعين !5 
عليهء والعمل للدنيا والآخرة والدنيا معدومة؛ فالعمل لتحصيلها معدومء والآخرة ثابتة 
وباقية» فالعمل للآخرة موجود ثابت وباق أبداء فنباك عن المعدوم» وبقى الموجود على 
أصله. ش 

فنقول: العمل هو الحركة في تدبير الجسمء والجسم معدوم بالطبع كما تقدّم فالعمل 
في تدبيره معدوم. 

ونقول: العمل ينقسم إلى عمل يستجلب به شهوات النفس الحيوانية» وعمل يحصل 
به كمال النفس الناطقة» والنفس الخيوانية معدومة» فالعمل لشهواتها معدومء والنفس 
الناطقة باقية» فالعمل لكماهما باق أبدًا. 

وأيضا: العمل ينقسم إلى صالح وغير صالح» والعمل الصالح من أخلاق الله والغير 
الصالح من أخلاق الشيطان, يؤدي إلى النسر والشقاوة. 

والعمل الغير الصالح يؤدي إلى الخسر» فهو معدوم من حيث أن لا منفعة فيه» ومعدوم 
من حيث أنه يقطع عن الله والله هو الوجود حقيقة» والمقطوع عنه معدوم. 

وأخلاق الله صفات لا تفارقه» فالعمل الصالح لا يفارقه؛ لأنا نقول: العمل الصالح 
أخلاق الله وصفاته» وأخلاق الله وصفاته لا تفارقه» فالعمل الصالح لا يفارقه» فهو موجود 
أبداء وأيضًا العمل يطلب به تحصيل الخير النافع» والخير موجود ومطلوب يشار إليه» 
والموجود ينقسم إلى واجب الوجود؛ وممكن الوجودء فالواجب الوجود هو الله وهو 
الذي قام بنفسه وقام به غيره؛ والممكن الوجود هو العالم» وهو الذي لم يقم بنفسه ولم 
يقم به شيءء والعمل طلب منه ما يتعلق بالممكنء ومنه ما يتعلق بالواجبء والممكن إذا 
طلب منه الخير لا يعطيه ولا يقدر عليه؛ إذ ليس هو قائم بنفسه. 

فالعمل الذي يطلب به الخير من الوجود الممكن معدوم؛ إذ لا خير له» والعمل الذي 
يتعلق بالواجب يحصل به الخير؛ إذ الواجب الوجود هو المفيض للخبيرات» ومعطيها على 
الإطلاق» فالتوجه للعالم عمل معدوم, والتوجه لله عمل موجود., وأيضًا الله مقوم كل 
موجود ممكن ومتممه: فهو ماهية كل ماهية ممكنة ومستحقهاء فهو ماهية الطالب 
والمطلوب؛ والخير الموجود في الماهية المطلوبة هو بعينه الموجود في الماهية الطالبة؛ إذْ 
هو الوجوة في كل موخود:والوجود لا يتخلف:ببا هو موعودء فب ووابد في كل ماغية» 
والخير المطلوب في مظهر ما هو الموجود بذاته ني الطالب» فالخير إذا حصلء والطلب 
وهمء والطلب هو العمل؛ فالعمل وهم ومعدوم ني الحقيقة على الإطلاق؛ لأنا نقول: 
العمل يطلب به الخيرء والخير هو الله؛ وذاته هي الخير المحضء والله هو وجود كل موجود 


2 رسائل ابن سبعين 
مما هو موجودء فهو حاصل في كل ماهية» والحاصل لا يبتغى» والراغب يرضىء واللجاحد 
لا يسيءء والطالب لا يلقى؛ والباطل لا يبقى» والراكب لا يشقىء والأوج لا يرقى» فحط 
واقلغ» واهرب واجمعء وواصل واقطع. يصح لك ذلك إن أرادك لذلك. 

قوله دإه: «ومن الأمور التي تفسر حكمة العادة وأصول السعادة». 

العادة هي ارتباط موجود بموجود من غير قضية شرعية لا عقلية» والحكمة العلم 
والعدل ووضع شيء في محله. والحد الأول ذكره سيدنا َه في «الرسالة الرضوانية»» وحد 
الحكمة ذكره في «الإصبعية» وغيرها. 

والأصول: جمع أصلء والأصل: ما ثبت حكمه بنفسه. والفرع ما ثبت حكمه بغيره. 

وقد نقول: الأصل هو ما لا يكون محمولاً على غيره؛ كما أن الفرع هو المحمول على 
الأصلء. وهي السعادة المذكورة» فإنه ذكر الأصول إليها السعادة» فالسعادة فرع محمول 
على أصول يأي ذكرها إن شاء تعالى. 

والسعادة هي تحصيل المطلوب المعمول عليه» أو هي اللذة الدائمة الثابتة» أو هي 
كمال الإنسان. 

وأما قوله: (الأمور التي تفسد حكمة العادة). 

فبي الكسل عن التوجه. والغفلة والملل» واتباع الهوى» ونيل الشهوات الحيوانية 
والجهل» فهذه من الأمور التي تفسد حكمة العادة» وهي مما ذكرها هو في بعض الوصاياء 
وإضافة الحكمة للعادة أراد بها التي تخرق مهاء وتقطع إذا قدر على قطعهاء وإلا تضعف 
بالحكمة شيئا شيا حتى تقطع لا أنها تقوى وتزيد؛ لأن قوله: «حكمة العادةم: يحتمل أن 
تقوى بها العادة» أو تضعف وتقطعء فلما علمنا أن العادة من القواطع المهلكة والحجب 
صح عندنا أن السعادة لا تنال إلا بخرقهاء وعلمنا أن مراده الحكمة التي تخرق العادة 
ومحلباء وهو قد ذمها في كتب كثيرة بقوله: «العادة مهلكةي» وقوله: «خوف ما بعد 
العادة حرمان»: فصح أن مراده ضعف العادة وقطعها وزوالحاء والحكمة التي تفارقها 
وتخرقها هي الشرعية؛ لأن العادة هي الاستناد إلى المأمون. والوقوف عنده. والميل 
للروابط» والشرعية تفسد ذلك من صفة نفسها؛ لأن أول وظيفة من الشرعية كلمة «لا إله 
إلا اللهدم» وني ضمنها أن لا فاعل إلا الله. والعادة: ارتباط موجود بموجود., كارتباط الزرع 
بالمطرء والري بالماء. وكلمة: (لا فاعل إلا الله) أفسدت ذلكء فلا الخبز يشيعء ولا الماء 
يروي» ولا المطر ينبت الزرع؛ ولا الأب عادة ذاتية في وجود الولدء ولا شيء يفعل شيئًا 
من الأشياء المتماثلة» فإذا العلم كله قضايا مفردة متمائلة في الحدوث والافتقار» ولا ينفع 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 19 
بعضها بعضاء ولا يضر بعضها ولا ينفعه» فقد انخرقت العادة بأول وظيفة من وظائف 
' الشرع؛ لأن العادة توهم أن الأشياء بعضها من بعض» ومفتقرة بعضها إلى بعضء وعلل 
بعضها في بعضء و(لا فاعل إلا الله أزال ذلك كلهء وجذب الروابطء وصرف 
الموجودات كلبا إلى الله صرفًا واحداء وتضمن أن الحادث من كل الجنهات لا يكون 
مستقلاً بوقت ولا ني وقت من الأوقات» نصح م أن الحادث كله لا يفارق فاعله» وأن 
الفاعل له هو صورته المقومة والمتممة» فهو إذَا ماهية» فصح من ذلك أن الله هو ماهية 
كل موجود وبدهء فإذا كان ذلك قلا وجود إذا لغير معه ولا ماهية» فقد أعطت كلمة: 
«لا اله إلا الله» أن لا موجود إلا الله في النظرة الثالثة»كما أعطت في الأولى أن لا فاعل إلا 
الله. 

فإذًا العادة هي خبر الضمير عن القضاياء وربط إلى بعض في الذهن؛ ولا ارتباط بينهما 
في أنفسهاء ولا اختلاف بينها في الوجود. 1 

فالعادة خبر في الضمير لا غير» ويمنع الضمير عن ملاحظة الوحدة الوجودية» ودفع 
الأغيار» ولأن ملاحظة الوحدة هو الكمال والسعادة الأبدية» والعادة تمنع ذلك فتمنع 
السعادة والكمالء والشريعة تخرق العادة وتزيلهاء فالشريعة تفيد السعادة والكمال والرفعة 
والبقاء الدائم ومشاهدة الصمدية. فالشريعة هي الحكمة التي بها تزال العادة وتُتال 
السعادة. 

وكذلك القول في الصلاة؛ فإن الصلاة تزيل النفس عن شهواتها» وتخرجها عن 
اختياراتهاء وتمحو أخبارهاء وتصرف الذوات إلى مناجاة الله تعالى» والحضور بين يديه 
ومشاهدته في مقام الإحسان؛ لأن العبد المؤمن قد استقرٌ في إيمانه أن الله هو فاعل كل 
شيء وخخالقه. والمحسن للأشياء على الإطلاق» وأن الطائع له يحمله إلى جنته ورضوانه. 
وأنه هو المولى الذي تجب طاعته وعادته» فإذا قام إلى الصلاة علم أن الله قد اهمه ونبهه, 
وإذا صلى علم أن الله قد أقامه فيباء وأعانه عليهاء ورحمه بهاء فعلم أن الصلاة نعمة من 
الله منحه إياهاء ونعمته لا تفارق يدهء وأنه معها بالإيجاد والخلق» فشاهد الحق بالحق» 
وارتفع عنه وهم الإضافة» ووهم نفسه من حيث رأى المصلى له هو المصليء وأن 
شهوده هو الشاهد والشهادة معا. 

وهذا هو معنى قول النبي يَلِكْ: «أن تعبد الله كأنك تراه©» الحديث» فقد اتخرقت 


(1) رواه البخاري (27/1)» ومسلم (37/1). 


174 رسائل ابن سبعين 
العادة في الصلاة» بل ذهبت وزالت0©. 


(1) قال سيدي محمد وفا في المعاريج: وأما صلاة الروح فهو أن تضم لما وصفناه من صلوات الحقائق 
الغلاث. وهم: القلب, والصدرء والنفس» خارجًا عن صلاة الجسم؛ فإن صلاة الأدسم مشهودة 
للأبصار بخلاف الحقائق الثلاث» فصلاة الروح انضمام الفرح والسرور بقدوم أوقات أداء 
الفرائض؛ إذ هي أوقات التجليات والتعصر لات» واعلات الداعي بالبشرى» والتهيؤ للحضور 
للمخاطبات والمكالمات والمناجاة» والتفكر بعد التدبر في أسرار الآيات المنسزلات» والتسوية 
والتعديل لنفحة الرحمانيات» والخروج من حصر التعلقات بنيل الجزاء والثواب» وحلول 
الدرجات» و تلقي الإفاضات الرحموتيات بلطائف العلوم الكشفيات» والقهوم الغيييات» والتنعُم في 
رياض الجنات» فيليس حللاً رضوانيات» ويرقى معاريجًا قدسيات» ويتوج تيجائًا ربانيات» ويحل 
بمقعد الصدق.» ويشرف بمكالمة الحق» ويشهد جمال حضرة الربوبية» ويتمحكض بصفة العبودية, 
فكلما تلا في صلاته آية وتفكر فيها وتفهم معانيها عرج روحه النوراني إلى أفق أعلى» ومقام 
أسبى» ومشهد أضواء ومقعد صدق أزكى وأمهى» فيرى في معراجه ذلك أنه بلغ سدرة المنتهى» 
وألا مقام أعلى من ذلك الأفق الأعلى» فعند انتهائه في نظره وبلوغه في استيفاء رزقه في مرامي 
فكره تنفهق عليه أنوار الآية التي تلي الآية التي قرأهاء وتفكر فيها وتيحرهاء فيرى ما لم يكن 
رأى» ويشهد ما لم يكن له بمرأى» فير جع بيصر بصيرته خاسكا حاسرء فعند رجوع بصره كرة 
ثانية يكشف لَه عن سر معراج الآية الثالثة» فيشهد من انفهاق الأنوار الرحموتية» والأسرار 
الرهبوتية» ما لم يكن في وسع الصفة البشرية حمل جزئه فضلاً عن كله فيفجاً نظره انفهاق 
الأنوار» ولطائف الأسرارء فيستغفر الله كيْنَ مما كان وقف عند ظلهء وبلغ حده فهمه ووهمه, 
ووقر في باطنه أنه الغاية القصوى ني ذلك المقامء والنهاية في دار السلام» ومحل الأمان والإكرام» 
فإذا استغرق المصلي في حقيقة هذه الصلاة الروحانية كملت صلاته الروحية» وفاضت عليه أنوار 
المقامات الصديقية» وهو مقام الإحسان. فعند ذلك ينتبي في معراجه الروحاني» ومنتهى مقامه 
الرضواني. 
وأما صلاة السر فهي أن تضم لما وصفناه من صلوات العوالم الطوريةء واللطائف الظهارية 
والبطانية دوام المراقبية والحضور للمشاهدة والمخاطية» فلا تلحقه غفلة» ولا تمسه لفتة» ولا يتعلق 
بعلاقة روحانية» ولا ملكوتية» ولا جبروتية» ولا نفسانية» ولا جسمانية» فيكون دائمًا على 
صلاته. ذاكرًا لله يَكَنَ في خلواته وجلواته» قائمًا بمأموراته ومنهياته» مستغرقًا في فكر آلائه 
ونعمائه» حامدًا لله تعالى بجميع محامده ومبتغياته» طالبًا منه نوال عطائه وإفضاله» وتتزلات 
إفاضات رحموتياته» طاليًا للفتح المبين في فهم أسرار آياته» مشاهدًا تصاريف القدرة الربانية ني 
براياه ومخلوقاته» مستغرقًا في فهم أسرار ملكوتياته وروحانياته» كاشمًا. نزل الأعمال على 
لطائف جوارح العباد. وعجائب صنعته في مبتدعاته» ملاحظًا تصريف المشيئة الربانية في 
اللطائف السمائية» والحقائق النورانية» وتنزل الأملاك العلوية النورية بإرسال الغيث بالقطر 
النازل» وافتراق قطراته» وحكمة الحق تبارك وتعالى في إحياء الأرض الميتة بوروده ني وقت 
الحاجة» وكفه عند الاستغناء عنه» وإرسال الرياح بين يديه مبشرات بتنزل الغيث» وسوق الماء 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 165 


في البحار والأنمار إلى الأرض الحرز» وما تخرجه من النبات والأقوات» والفواكه المختلفة الطعوم 
والألوان» وما تشتمل عليه من النفع والضر للحيوان والإنسان» وما يكون منها غذاء لأهل اللدنان 
ولأهل النيران» وما لا يدخحل تحت حصر حيطة علم إنسان» ولا ملك ولا جانء ولا يطيق حمل 
معرفته الثقلان» فسبحان الملك العظيم الشأن, فإذا صلى السر هذه الصلاة الطورية» وقام بها في 
السرية والجهرية نال مقام العرفان» وشبد محل الرضوانء وكان للأنبياء: والرّسل من خواص 
الأتباع المحبين الإخوان» تلو العلماء المصطفين من عباد الله المتقين. 

فبذه لطيفة من أبعاض صلاة الأسرارء فمن صِلَّى سره هذه الصلاة المرضية» وقام بحقيقة هذه 
الأوصاف السنية» وبلغ بفهمه الثاقب» ودركه الصائب» ونوره الساطع؛ وحسامه القاطع إلى أفق 
هذا المقام العلي» وسنا برقه الببي» فوقف على باب الرحمة طاليًا إفاضات الفضل الإلي» والرحمة 
الرانية» سائلاً ربه العفو والغفران» والإعانة على المخروج عن التعلّق بحبال اللنزاء والثواب» 
والالتفات لنعيم الجنان ودار الرضوانء فإذا تأت هذه الصلاة بكمالها من أقوالها وأفعالها وأحوالها 
انثالت عليه إضاءات الأنوار الرحمانية البطانية للطور السابع» بعد ختم صلوات العوالم اللست» 
فيبدأً العالم السابع يإتيان صلاته وتمحضه بالخروج عن مقاماته وغاياته» فيرقى في معاريجه 
الإخفائية» والأقعدة الاصطفائية الاختصاصية» بريكا من حوله وقوته بحردًا من أثواب أنيته» ممحرًا 
رسمه واسمه بين العالمين» حاضرًا بحقيقة الافتقار لأرحم الراحمين» وأكرم الأكرمين, متابعًا للقدم 
النبوي المحمدي, موافقًا مرافقًا للطيف الأحمدي, عار من كسرة الأغيارء لابسًا حلل الأنوا 
غريقًا ني بحر الوحدانية» مستهلكًا في زمان الفردانية» معدومًا للأكوان» مشهودًا للرحمن» مسوكى 
معدلاً لقبول فيض النرزلات الربّانية» والانفباقات الرحمانية» ثابثًا تحت أحكام الأقدار فقيرا 
من جميع الأغيارء حاضرًا بالله مع الله» شاهدًا لله بالله» سامعًا كلام الله بالل تاليا للقرآن بالله, 
عالما بالله» كاشفًا بالله» ذاكرًا لله بالله» مصطلمًا في نور الله» آخدًا بكله كلا من الله فلا يرى 
سوى الله ولا يفوه إلا بالله» ولا يشهد في الكون إلا الله» ولا يرى ضرًا ونفمًا إلا من الله ولا 
قبضًا وبسطًا إلا من اللى» ولا ظهورًا وبطوكا إلا لل ففي صحوه يشهد الله وهو بمقام العبودية» 
واضعًا قدمه على أثر القدم المحمدي» والنعت الأحمدي» سامعًا كلام الربوبية بحقيقة العبدانية» 
فَأَرَنْهُ كلامها الرباني» وتنزلها الرحماني بالأفق الأعلى. 

إمَا كَدَبّ القْوادٌ ما رأى» [النجم: 11]» فهو محل لتنزل العلم اللدني» وإلقاء النور الروحي 
في غاية من الكمال والتمام بالاتصاف بحقيقة الفقر لذي الحلال والإكرامء فأخذه من الله تبارك 
وتعالى عطاوه ونواله سرمدي بغير انقضاء ولا انقطاعء ولا حقيقة وصف وامتناع» فصلاته دائمة 
سرمدية أبدية أمدية» نظر إلى حقيقة أوصافه النورانية» ووجهه وجبة ظهارية لباطنية» وكشفية 
لغيبية» وتنزلية لعلمية» وسرمدية لأزلية» سامعه لما قيل للنبي الكريم داود عليه البركات 
والتسليم من الرب الكريم: «يا داود أنا بذك اللازم» فليس لك مني بد فإن حصلت لك حصل 
لك كل شيءء وإن فتك فاتك كل شيء». 

فهذه صلاة الموحدين المخلصين لرب العالمين» رضوان الله عليهم أجمعين» فهذه صلوات الأطوار 


16 رسائل ابن سبعين 


البطانية والظهاريةء والحقائق اللحسمانية والروحانية» والحبروتية» والملكوتية» والنفسانية» 
والنورانية» وهي أوصاف القيام بحقائة ثق الصلوات التي وُصف أهلها بالدوام؛ لدوام المداومة 
عليهاء واحافظة عليها. 
قال الله تعالى: طالْذِينَ هُمْ عَلَى صَّلائهم دَائمُونَ# [المعارج: 23]» فدوام صلوات المداومين 
بدوام ديمومية الدائم» فدوامهم بالل وصلواتهم لله بالل وتقرهم إلى الله بالل شرة القيام بامتثال 
أوامر الله والمخلوص عما سوى الله والسماع من الله» والمشاهدة لله والحضور مع الل 
وملاحظة الأنفاس والنطرات حذرًا من لفتة لغير الله فهو في معراجه آخدًا من الله فيض الله 
وتتزل رحمة الله وأقعال كرائم الل زمري الله. وعطايا الله فتوجهه إقبال معراجي» 
ورجوعه إفضال نوالي؛ فهو خالعٌ ما أفاض الله تبارك وتعالى عليه من حلل الإنعام والإفضال 
والإكرام على عباد الله كاسيهم أثواب رحمة الله» متوّجهم بتيجان الكرائم» مزينهم بأثواب 
المرحمة» وجزيل الغنائم» فهو في عوالمه السمائية نور إفاضي بسطيء وفي عوالمه الأرضية لطيف 
روحانيء وهيكل جسمانيء فيتصرف النفس في سائر عوالمه الأرضية والسمائية» أعني النفس 
النقي الزكي التقي الصفي الوفي النوري البهي» ويرتقي في المقامات القدسية» والدرجات النورية» 
فمن غلبت عليه الصفات الإبراهيمية أتى بصلاة الجسم والنفس والصدرء فكان مسلماء ومن 
غلبت عليه الصفات الموسوية أنى بصلاة القلب» فكان مؤمئاء ومن غليت عليه الصفات 
العيسوية أتى بصفات الروح فكان عيسوياء ومن غلبت عليه الصفات المحمدية أنى بصلاة السر 
مع الصلوات المذكورة فكان محمديّاء ومن شملته العناية الاصطفائية والملائكة الاختصاصية جمعت 
لَه صلوات لطائفه الطورية» التي وصفناها ني ضمنٍ صلاة حقيقة الجا الروحية السرية 
التوحيدية» يحانت صلاته صلاة واحدة» فكان محمديًا أحمديًا عبدائيًا ربايّاء فإذا صلى صلاةً 
واحدةٌ أو سبح تسبيحة 'واحدةٌ أو قال: لا إله إلا الل مرة ةَ واحدةٌ أو ذكر الل كيل بذكر من 
أذكاره دفعة واحدمٌ صلى بصلاته» وسببح بتسبيحه» وذكر بذكره جميع عوالمه وأطوازه من 
الأرضيات والسمائيات» والنوريات» والحجابيات» والملكيات» والملكوتيات» والجبروتيات» 
والروحانيات» تفضّلاً وتكرّمًا من رب الأرضين والسموات» فهذه صلاة من تحقق في أوصافه 
المحمدية, وائصف بنعوت الأحمدية» فكان من الموحدين المقربين» المخصوصين بالمحية من أكرم 
الأكرمين» وأرحم الراحمين» مع أن الصلوات التي وصفناها قد يأتي: العبد بمجموعهاء وقد يأتي 
بصلاة بعض: أطواره. دون تعض ء 'فيتعلر جمع المع يمن على من .لم حصق يخقيقة التوحياب 
فإن الموحد المحمدي الكامل دكن في مقاماته بما خصه من الميراث النبوي المحمدي» فيتصراف 
في عوالمه كيف شاء وحيث شاءء فيشهد الأكوان المفترقة كوا واحدّاء وتجمع لَه المفترقات في 
حقيقة واحدة؛ فهو بين صحو ومحوء ففي صحوه ينظر ويسمع؛ ويتصرف في الأكوان بنوره وني 
محوه وفنائه عن نفسه وعدمه لرمسه ينظر بالل وينطق بالله» ويتصرف باللهء فصلاته لله بالله» 
وذكره لله بالل وسماعه لله بالله» فهو لا يتصرف إلا بالل ولا ينطق إلا بالل ولا يسمع إلا بالله 
من الله فهو غريق في بحر كان معدوم بين الأكوان. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميف ابن سبعين 1 

فالشريعة هي الحكمة التي تذهب العادة» وتفيد السعادة؛ لأنا نقول: الله هو الخير 
الذي يراد لذاته» والسعادة هي نيل الخير وتحصيله» والشريعة تحمل إلى الله كما تبين في 
الكلام على الشهادة والصلاة» فالشريعة تحمل إلى السعادة. 

وتقول: الله هو الموجود الحق» وهو مطلوب السعداء» وبمعرفته ومشاهدته ثتال 
السعادة والشقاوة ني البعد عنه والجهل به. والعادة هي تحجب عن الله» والحجاب هو 
البعد والشقاوة» فالعادة أصل البِعد والشقاوة» فخرقها وإزالتها القرب والسعادة. 

والشريعة تخرقها وتزيلهاء فالشريعة أصل السعادة؛ لأنّا نقول: البعد عن الله بوهم 
العادة» والشريعة تزيل ذلك الوهمء فالشريعة تزيل البعد» والبعد ضد القرب. 

فزوال البعد نيل القربء فالشريعة تفيد القرب من الله. والقرب منه هو الكمال 
والنعيم الدائم» والكمال والنعيم الدائم هو السعادة. فالشريعة تفيد السعادة» وبها هو وهو 
بجاء وهي شرط في نيلهاء وما هو شرط في وجود الشيء فهو أصله. فالشريعة أصل 
السعادة. 

والكلام في باقي الدعائم» وكونها تخرق العادة مثل الكلام على الكلمة» والصلاة وإن 
اختلفت أحواها بالكيف, فهي تتفق بالمعنى والانفعال من حيث تزيل العوائد» وتحمل إلى 
الله وذكرت لك البعض منها؛ لكي يفيدك الأموذجء وتستدل بالنوع على جنسه. 
وبالمئل على مثله؛ والكلام على الدعائم الخمس؛ وتبيين معنى كل دعيمة قد ذكرته في 
كتاب «الأنوار» فانظره هناك فقد تبين لك أن الحكمة التي تزيل العادة وتفيد السعادة 


قهو ممن نيه رسول الله ولك على أنه مقرب بقوله: 

«ولا يزال العبد يتقراب الي بالنوافل حتى أحيه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره 
الذي ييصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي بطش بهاء وقدمه الذي يسعى به..» إلى آخر 
الحديث. 

فالمصلّي بكليته يصلي بصلاته جميع العوالم» والمتمكن يصلّي بجمعيته إذا شاءء وبتفرقته إذا شاع 
ويبعض أطواره إذا شاءء وبظاهره دون باطنه إذا شاءء وبباطنه دون ظاهره إذا شاءء والمتلون لا 
يقدر على جميع الصلوات ني الصلاة الشرعية» وإما يأتي بما يستطيع منهاء ولم يكلفه الشارع 
القيام بحقيقة الجمع فيهن؛ إذ لا قدرة له على ذلك» أعني غير الممكن, فقال يَلك: «إذا أمرتكم 
بأمر فائتوا منه ما استطعتم». 

فالمتلون ضعف عن القيام بما يقوم به المتمكن؛ لقوة المتمكن» فالخطاب للقوي المتمكن من 
الله هن أمره لَه بالإإخلاص» وحقيقة الإخلاص الخلوص من الشرك الخنفي والحلي» قليله وكثيره. 


1 رسائل ابن سبعين 
هي الشريعة: والأمور التي تفسدها هي الشهوات ال حيوانية» ونيلها وتعلق الأمل بنيلها 
وجنسها. 

وقد تقدّم بيان ذلك في الكلام على الأمل المهدوم والعمل المهدوم؛ لأنه جعل الأمور 
التي تفسد حكمة العادة مذكورة ومعطوفة في اللفظ على الأمل المهدوم» والعمل 
المعدوم؛ لأنه قال: «ولياك من الأمل المهدوم والعمل المعدوم؛ ومن الأمور التي تفسد 
حكمة العادة وأصول السعادة». 

والمعطوف يرجع حقيقة إلى الذي عطف عليه؛ وهو هو بعينه» فصح أن الأمور التي 
تفسد حكمة العادة وأصول السعادة هي الأمل المهدوم؛ والعمل المعدوم قد تقدم 
تفسيره» وفرغ منه» فاعلمه من هناك. 

.فنرجع فتقول: الأمل -جبر يتعلّق بالشهوات الجيوانية» ويشخخصها في الضمير وأمله» 
وأشخاص الشهوات في الخبر تحجب الضمير عن مشاقدة الوحدة القائمة به» والحركة 
للنيل تزيل الإنسان عن السكينة التي كان بها مقيمًا في حقيقته» فالشهوات هي الحجاب 
وذات البعد, والشريعة تزيلها وتمحيهاء فالشريعة تزيل الحجاب وترفع البعدء وزوال 
الحجاب هو عين الرؤية لله» وزوال البعد هو عين القرب منه» والقرب من الله ومشاهدته 
هي السعادة, والحجاب عنه والبعد هما الشقاوة» والشريعة تزيل الشقاوة» وتفيد السعادة» 
والمفيد للشيء هو أصل في وجوده. فالشريعة هي أصل السعادة وأحكامهاء ووظائفها 
هي أصول السعادة. 

وبيان ذلك أن العبادات الشرعية بجموعة من نية وعمل» والنية في القلب» والعمل في 
الجوارح» والنية تعلق القصد بالله» وتصور ما يجب لهء فقد انصرف الضمير إلى الله» ونال 
منه أمل العاجل» وأخير الشهوات. 

والعمل الشرعي يصرف الجحوارح كلها إلى الله» معناه: في عبادة الله» فقد تعطل من 
الجوارح كسب العاجل» وذهبت الشهوات العاجلة والظاهر والباطن» وانصرفت الحملة 
إلى الله» واستغرقت الأزمنة فيه بالجملة» والشهوات هي عين البعد والحجاب كما تقدّم» 
فذهاها هو نيل القرب والسعادة والكمالء» وأعمال الشريعة أصل ذلكء» فأحكام الشريعة 
هي أصول السعادة» وحكمة العادة كما ذكرنا فاعلم ذلك» وتصفح الكلام المتقدم 
والمتأخر ينفتح لك معنى ذلك» وتجد ذاتك مقيمة في حضرة ذلك. 

قوله ذأنه: «ومن الود مع الملل» فإنه قبيح في كل الملل». 

ضمير معطوف على النهي المتقدم الذي نهى فيه عن الأمل المهدوم والعمل المعدوم 


شرح رسالة العهد تبعض تلاميذ ابن سبعين 17 
وما بعدء فكأنه قال: ولياك أيضًا من الود مع الملل» فهذا نبي. 

وقوله: (فإنه قبيح في كل الملل) خبر. فنبدا ببيانه فنقول: الود: هو الميل إلى مشار 
ما يقصد ترجيحه على غيره» كما تقول: نود فلاناء بمعنى ميل إليه» ونرجحه على غيره» 
كأنه من أنواع المحبة؛ لأن المحبة بعض حدودها ميل دائم» وقلب هائم؛ ومعنى ترجيح 
امحبوب وتعظيمه على كل ما سواه؛ والود ميل بقصد ترجيح كما ذكرناء لكنه ليس فيه 
الحيام والاستغراق الذي في المحبة» فهو مع المحبة بالجنسء ويتأخر عنها بالنوع والفصل؛ لأن 
المحبة أفضل منه. وأقوى ترجيحًاء وأشد استغراقّاء فهو يطلق معها باشتراك» وكأنه أقرب 
للإرادة» أو هو الإرادة؛ لأنك تقول: وددت فلائاء بمعنى أردته» وتقول: تود أن لو كنت 
في مكة, ومعناه: تريد أن لو كنت في مكة. ْ 

فهو والإرادة واحد بالمعنى» والإرادة تخصص مرادها أيضًا وترجحه على غيرء 
وكذلك الودء لكن الود أخص منها قليلاً وأشرف؛ لأن الود يشعر بالتأكيد في الميل إلى 
الموذودء والأنس به واللذة» والإرادة أفتر منه في ذلك» فكأنه رتبة فوق الإرادة ودون 
امحبة» والملل هو منافرة المألوف بعد الملاءمة» أو هو الاستيحاش بالشيء بعد المؤانسة 
به» كما تقول: مللت فلانًا من صحبته» بمعنى نافرته بعد محبته» واستوحشت به بعد 
الأنس به. 

أو نقول: الملل هو رفض الشيء بعد قبوله. كما تقول: مللت السمك. بمعنى رفضته 
بعد أكله, ومللت المغاني بعد سماعباء وما أشبه ذلك. 

وبالجملة: الملل هو الانصراف عن شيء ومنافرته بالكليةء» ودفعه, والانفصال منه بعد 
مؤالفته» والاتصال به وجذبه. 

ولما كان الحيث في هذا الغرض يجر إلى طلب السعادة والكمالء والسعادة والكمال 
لا يتوصل إليهما إلا بشروط ومقدمات» والشروط والمقدمات تحتاج إلى استعداد 
وأدوات يطول ذكرهاء لكن نذكر منها هنا ما يفيد الأسوذج فنقول: 

قد تقدّم ني غير ما موضع من هذا الكتاب بيان أن السعادة هي المعرفة بالله» والإقامة 
في حضرته ومشاهدته» ونيل رضوانه» وتحصيل الكمال الإنساني» والنعيم الدائم» وما أشبه 
ذلك. 

وهذا كله لا ينال إلا بالقصد الصحيح, والتوجه والصدق؛ واستصحاب الحال الذي 
لا ينفك إلا بنيل مقصوده. والمرشد المعلم الناصحء الخبير بالطريق القاصد الموصل 
للمطلوب بالوجه الأقرب؛ إذ الطرق ككثيرة» ولكن القاصد منها القريب المسافة» والآمن 


15 رسائل ابن سبعين 
من الآفات هو الذي يطلبه السعيدء فلا بد من المرشد ضرورة؛ إذ الطالب القاصد 
لمطلوبه المتوجه إليه لا بد له من دليلء وهو المرشد الحامل على الطرق المذكورة» 
والدليل لا بد للماشي خلفه من تبعيته وتقليده» وتسليم أموره كلها إليه» وترك كل شيء 
من أجله. والعزم واللحد في المشي وراءه والتبعية» حتى يبلغ التابع إلى المقصودء ويقيمه في 
حضرة مطلوبه ومعبوده» وهذا كله يحتاج إلى الود وعدم الملل؛ لأنّا نقول: القدوة المرشد 
لو لم تختره؛ لأنك تعتقد عنقا آله اعرف للنانن بالطريقة واتصحيم وتعظمه وترجتحه على 
كل شيء لم تقعد به وتقلده» ولا تسلم نفسكء وأحوالك إليه؛ إذ لو رآأيت بدلاً منه لم 
تختره هوء ولا انحصرت إليه» فإذا ما اخترته إلا وقد عظمته ورجحته؛ وتعظيمه وترجيحه 
والانحطاط إليه هو المحبة؛ لأن المحبة حدها وجود تعظيم في القلب يمنع المحب النظر إلى غير 
محبوبه» فهذا الود والمحبة شرط في الاقتداء» والاقتداء يوجب تسليم الأمور وتمليك النفس 
المقتدى به. 

وهذه أيضًا المحبة والود؛ لأن المحب من شأنه إيثار الحبوب على نفسه. وانحبة والاقتداء 
تحتاج الثبوت والملازمة» والملل يوجب الانفصال والانصراف؛ إذ حده هو منافرة 
المألوف بعد ملازمته» والانفصال عنه بعد الاتصال به» وهذا يفسد الاقتداءء ويققطع 
السالك عن محبوبه» ويحول بين القاصد ومقصودهء ويؤدي إلى الشقاوة والهلك» ولا شيء 
أقبح من اهلك والشقاوة في كل ملة؛ إذ المحب إذا مل محبوبه نافره» وتعود لذة المحبة ألماء 
وتذهب لذة المحبة» ويقع ألم المناقرة فلا اشيء أقبح من الملل» وأيضًا المرشد دليل يحمل 
المسترشد إلى سعادته ومطلوبه» فإن مل من اتباعه وملازمته ذاته» والمشي على آثره» 
وانقطع في الطريق وفاته مطلوبه وسعادته» وفوت السعادة هو البقاء في الشقاوة, ولا شيء 
أشنع من الشقاوة» ولذلك قال: «ولياك من الود مع الملل؛ فنإنه قبيح ني كل الملل»0”. 


(1) قال الصدر القونوي قلس الله سره: اعلم أن المحيوب إنما أحب المحب لكونه سبيًا لاستجلاء كماله 
فيه» ونحلاً لنفوذ سلطنة جماله وبسط أحكامه؛ فالمحيوب عراة الخنب ويستبدائ فيها اسن تقنيه 
المستجنة في وحدته قبل تعين المحلي؛ لأن القرب المفرط والتوحّد كانا يحجبانه غن ذلك» فإذا 
استجلى نفسه في أمرٍ أخبر بحصول ضرب من البُعد والامتياز قريب من الاعتدال» ورأى محاسن 
نفسه في الحلى؛ أحيّها حُيّا لا يتأئى له ذلك بدون المحلى» والامتياز المشار إليهما لما ذكرنا من 
حجابية القرب والوحدة. 
وأيضًا؛ فنسخحة الحقيقة الإنسانية تشتمل على ما تستحق أن يحب كل الحب؛ وعلى ما ليس 
كذلك؛ بل يقتضي النفرة بالنسبة لما يضاده من الحقائق ويقابله. فإذا تعين محلي يتميز به وفيه من 


الإنسان ما يستوجب المحبة صفة كان أو فعلاً أو حالات أو أمرًا مشتملاً على جميع ما ذكرت أو 
بعضه؛ وارتفع حجاب القرب المفرط وغيره من البين؛ ظهر سلطان الحب طاليًا رفع أحكام 
الكثرة والمغايرة بتغليب حكم ما به الاتحاد على حكم ما به الامتيازء فأحب نفسه فيما يغايره 
من وجه وباعتبار مقتض للتمييز المذكور بالصفة الذاتية التي فيه الطالبة كمال الدلاء والاستجلاء» 
فإن هذه الصفة هي المستدعية إيجاد العالم. 
والمقصود من الإيجاد ليس غير ما ذكرناء وكل ما ذكر في ذلك من موجيات الإيجاد فرع وتبعٌ 
لكمال الجلاء والاستجلاء» فافهم. 
فحُكم هذه الصفة؛ أعني كمال الحلاء والاستجلاء مشتركٌ» وسار في كل محب؛ فيوجب له أن 
يحب ما ذكرناء وإن اختلفت الوجوة والاعتبارات» وكذلك حكم حجابية القرب المفرط» 
والإدماج الذي يتضمنه هو أمرٌ مشتركٌ بين المحب والمحبوب من كون كل واحد منهما من وجه 
مما ومحبوبًا من آخر كما ذكرناء غير أن بينهما فيما ذكرنا فروقًا متعددة منها: إن «الغحيوب» 
مرآة ذات المحب من حيث ما يقتضي أن يحب؛ فهو يستجلي فيها نفسه» ويستجلي أيضًا بعض 
محاسنها بالتبعية. 
ودانحب» مرآةٌ كمال جمال الحهوب» وحل نفوذ أحكام سلطنته كما مرٌ. 
وبهذا الحكم سار في كل محب ومحبوب دون استثناء؛ وإن شان الحق سبحانه مع خلقه هذه 
المثابة؛ فنحن من حيث حقائقنا التي هي عبارة عن صور معلوميتنا الثابتة في علم الحق أزلاً» مراء 
لوجوده المطلق الذاتي» وحضرته مرآة لأحوالنا المدكثرة ة وتعدداتناء فنحن لا ندرك إلا بعضنا 
بعضًا؛ لكن في الحق؛ فنحب منا به ما نستجليه فيه» وليس غير الصفات والأحوال؛ وهو يحب 
نينا نقيد عن حت الم روهة القسبة لي حرا اتشاوزة لدا جز اوج لقالف روه المسنة في ينه 
لنفسه؛ بل لا رؤية هناك ولا تعدّد؛ لأن المرآة المغايرة من حيث أنْها محل التجلي المتقيّد مها تبدي 
فيما ينطبع فيها حكمًا لم يكن متعيئًا حال رؤية الشيء نفسه لنفسه. 
وهذا سن م من اطلع عليه عرف سر الذوات: والصفات والأحوال» والمرايا والمحال» وان العالم 
بحقائقه وصوره مرآة للحق من. وجهء والحق من وجه آخر مرآة للعاله وقد ست على 
الوجهين» فتذكر. 

ثم اعلم أن أكثر الأولياء» وكثيرًا من الكمّل أدركوا الوجه الواحد من الوجهين المذكورين» ورأوه 
الغاية» ووقفوا عنده ولم يتعدوه. 
وطائفة منهم وققوا عند الوجه الآخر؛ وكلا الأمرين أَبَديُ الحكم واقع ني كل زمان دون توقيت 
ومناوبة. 
وذكر لي شيخنا وإمامنا ضيه بإخبار من الحق لهء ونص صريح أنه لا أعلى من هذا الذوق» ولا 
أكمل منه في نفس الأمر؛ فمن منحه فقد أدرك من الحق ما لا يمكن أن يدرك وينال أحد أتم منه 
فاعمل الهمّة وابذل المحهود, فعلى مثل ليلى يقتل المرء نفسه. 0 
وقد حصل لنا ذلك بحمد الله ومنه عناية وموهبة» فاجتهد يا أخي في أن يحبك الحق لا غيرء فإنه 


152 رسائل ابن سبعين 

والنبي إما عائد على الملل الذي يرفع الود لا على الود؛ إذ الود محمود شرعًا 
وعقلء وهو حامل كل قاصد إلى مقصوده؛ إذ القاصد لولا وده في مقصوده ما تحرك 
إليه» ولو لم يتحرك إليه لم يصل؛ الود أصل في تحصيل كل مطلوب» والملل قاطع لكل 
مطلوبء وآفة كل قاصد وراغبء فهو قبيح بالجملة» وأصل كل آفة وعلة. 

فنقول: الود هو حركة الضمير إلى المحبوب المراد» والانصراف إليه» واستصحاب الود 
يثبت قدم التوجه» وثبوت التوجه يوصل إلى المطلوب المحبوب. والمحبوب هو الله» وهو 
الخير الحضء والوصول إلى الخير اللحض هو السعادة» واللذة والملل يمنع ذلك كله فالملل 
أقبح ما يكون في الملل؛ لأن الملل زوال الودء وزوال الود يعطل التوجهء وتعطيل التوجه 
يوجب عدم الوصول إلى الله تعالى» وعدم الوصول إلى الله هو الشقاوة» فالملل يوجب 
الشقاوة» والشقاوة مكروهة وقبيحة في كل الملل» فالملل قبيح في كل الملل. 

وذلك أن الملل هي القوانين الموضوعة على ألسنة الرسلء وهي الشرائع الحاملة إلى 
الله» والسعادة هي طرق يسلك عليها المتوجهين» وأصل السلوك عليها هي المحبة لله 
والوسائل الحاملة إليه» والملل يزيل المحبة» والمحبة أصل السلوكء فالملل يمنع بطبعه السلوك» 
وعدم السلوك يوجب الشقاوة» ويمنع تبعية الرسل؛ ويصد عن الله؛ ويؤدي إلى سخخط الله 
وهذا أقبح ما يكون ني كل الملل. 

فنقول: الملل كلها تطلب الله وتحمل إليه» والملل يقطع عن الله» فالملل قبيح في كل 
الملل؛ إذ الانقطاع عن الله يضاد ما جاءت به الملل؛ إذ الملل تحمل إلى الخير اللحض» 
والخير امخض حسنء والملل يقطع عن الخير» والانقطاع عن الخير إقامة في الشرء والشر 
قبيح في كل الملل فالملل قبيح في كل الملل فاعلم ذلك. 

وأيضًا الود هو الميل إلى مشار ماء وترجيحه على غيره؛ والأنس به ومحبته» والملل هو 
منافرة ذلك المشار» والانصراف عنه وتركه ومحبته هي الأولى» ولم تكن إلا لأجل توهم 
الخير فيه» أعني ذلك المشار إليه؛ إذ النحبة لا تتعلق إلا بالخير» وملله والرجوع عنه لم يقع 
إلا لعدم تعين الخير في ذلك المشار؛ إذ الخير لا ينصرف عنه من ذاتهء» فدل على أن الخير 


إذا أحب الحق شيئًا ناله وأناله» وأما غيره فقد يحب ولا ينال» وإن نال أمرًا مما يحب فلا يقدر 
أن ينل غيره ما لديه؛ لأنه قد لا ينقل ولا ينقال؛ بخلاف الحق سبحانه فإنه على كل شيء قدير» 
فافهم والله أعلم. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 15 
لم يكن في ذلك المحبوب إلا بالعرض؛ إذ لو كان بالذات لم يتبدّل» والخير العرضي لا 
يكون إلا في الأجسامء والأجسام هي التي يعود ودها مللاً. 

فقوله: «وزياك من الود مع الملل» ني عن محبة الأجسام» والتعلق بها إذا هي متبدلة 
ومنقطعة. 

وأيضًا: الله هو الفاعل لكل موجود.ء والمقوم لماهية الأشياء على ما هي عليه 
ووجوده في كل ماهية بما هي ماهية» وهو المحبوب الأعظم, والخير المطلوب الذي لا 
يطلب معه خير» ولا يوجد خير سوى خيره. 

فلا محبوب إِذَا إلا وهو المحضء والمحبوب الأعظم عنده بل هوء فلا محبة؛ إذ المحبوب 
هو المحب بعينه» والواحد لا يحب ذاته وهو هوء فصح من هذا أن الود وهم قسم الوجودء 
ورجج بعضه عاق يبعض) ورفض: الحق الحاصل واتجنهء .:وفرض_الباطل» :وذل. تعبت ذله 
وصار عبده؛ فلا ود إذا ولا ملل. 

فخخرج من هذا أن الود خبر يشعر بالإضافة» ويميل إلى مظهر لا وجود له خارج 
الذهن» ولذلك وقع الملل؛ لكون متعلق الود ليس له وجود.ء فالود والملل خبران متوهمان 
في الضمير» يستران التحقيق» ويعلان التصديق» ولذلك نهى عنهاء والملل نكث تقرر وهم 
الحاصلء: وتدقع وهم الباطل: فاعلم ذلك. 

قوله 5: (والسعيد هو المصلح أعماله, المطرح لله تعالى ماله). 

السعيد: هو الظافر بالخير المحضء والخير المحض هو الله فالسعيد هو الظافر باللهء 
والظفر بالله يكون بأمرين: أحدهما بالمعرفة به والآخر الشبه» والمعرفة به هي رفع 
النكرة. وقد نقول: زوال الجحهل. والشبه هو التخلق بأسمائه» وزوال التوجه يكون بالتوجه 
والبحث» وملازمة المرشدء والنظر في العلوم النافعة الموصلة» وهذا يحتاج إلى الاشتغال 
والملازمة» والتوجه في الأزمان كلباء ويؤدي هذا إلى ترك البطالة» ورفض الكسب 
الغرضي» والزهد في الشهوات العاجلة.بجملتهاء فترك الدنيا مقدمة صادقة في التوجه إلى 
معرفة الله» والتشبه بالله هو التخلق بأسمائه كلما تقدّم» وهو الاتصاف بالرحمة والعفو 
والمغفرة والكرم والوهبة والحود .والإحسان وما أشبه ذلكء والكريم هو الذي يعطي 
بالمسألة» ويعطي البعض, والوهاب هو الذي يعطي من غير مسألة ويعطي الأكثرء والجواد 
هو الذي يعطى كل ما عنده بالمسألة وبغير المسألة» والعفو هو الذي يعفو عن الزلات 
صغائرها وكبائرهاء وهذا يؤدي المتخلق ببذه الأسماء إلى ترك حقوقه بالجملة» والاحسان 
المطلق» وهذه المقدمة صادقة أيضًا في التخلق بالأسماءء والتارك لحقوقه قد أطرح لله ماله. 


1 رسائل ابن سبعين 

والمقدمة الأولى التي قلنا أنها الزهد في الشهوات» والشهوات من خصوص النفس 
وملكتهاء فالزاهد فيها قد أطرح لله ما له» ومن ترك حقوق وزهد في شهواته» فقد 
صلحت أعماله» وأطرح لله ماله» ونيل الشهوات هو سبب الشقاوة» فالزهد فيها هو 
سبب السعادة» فالزاهد في شهواته سعيد. 

فنقول: ترك الشهوات يؤدي إلى استقامة التوجه» والتوجه هو الانصراف إلى الله 
بالصنائع العلمية والعملية» والعلم والعمل الذي يوصل إلى الله حكمة, وعمل صالحء 
والعمل الصالح يفيد السعادة» فالمتوجه مصلح أعماله, والمصلح أعماله سعيد. 

وأيضًا التوجه يحمل إلى معرفة الله» ومعرفة الله هي السعادة؛ وكل عمل يحمل إلى 
السعادة عمل صَالُ» فالتوجه عمل صالحء فخرج من هذا أن المصلح أعماله هو المتوجه 
لله والمطرح لله ما له هو الذي أطرح الدنياء وزهد في شهواتها كلهاء وهو واحد من 
حيث أن من توجه لله فقد اشتغل عن الدنياء وها عنهاء فنفس التوجه هو بعينه ترك الدنيا. 

والمصلح أعماله هو بناته والمطرح لله ما له. وهذا يشرحه قول سيدنا ه في 
«الوصية» التي أوها: «اعلم علمك الله حكمتهح حيث قال: «والاضراب عن الشيء 
النسيس هو بعينه الإقبال على الأمر الرئيس». 

فقد تبيّن لك أن إصلاح الأعمال هو التوجه إلى الله» وإطراح المال هو طرق 
الشهوات العاجلة» ونفس التوجه الصادق يقتضي من صفة رد الشهوات» ورفض 
الشهوات للتوجه لله يفيد معرفة الله ومعرفة الله هي السعادة, وهذا تفسير قوله: 
«والسعيد هو المصلح أعماله. المطرح لله ماله». 

وأيضًا الحق تعالى ليس بينه وبين الموجودات مرتبة زمانية ولا مكانية» وأنه مع غيره 
بالإيجاد والتجديدء ووجوده مقوم لوجود العبد على ما هو عليه فهو أقرب من العبد إلى 
ذاته» والبُعد إنما هو الحجاب الموجود ني قلب الغبد» وحجاب القلب هو بجموع صور 
الشهوات العاجلة وسكونها.فيه» فرفض الشهوات زوال الحجابء وزوال الحجاب يكشف 
حقيقة وجود الحق في ماهية العبد» ووجود الله عنده هو الكمال والسعادة والرفعة» فرفض 
الشهوات هو بعينه نيل الحقيقة» وهذا يفسره قول الرجل الذي قال لعيسى اكليلا: حين قال 
له: اعبد ربك وهو راقذء قال له: عبدته بأكبر العبادة» قال له: وما هي؟ قال: تركت 
الدنيا لأهلهاء قال له: إذَا فنم» ويفسره قوله تعالى: وَأُمًا مَنْ حاف مَقَامَ رَبّهِ 
[النازعات: 40] الآية. 

فاقطع حظوظكء وصل عهدكء تجد شاهدك هو بعينه مشهودك. فافهم ذلك» 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 15 
وكذلك القول في التخلق بالأسماءء فإن المتخلق بالأسماء تارك حقوقه كما بيّناء وترك 
الحقوق خروج عن حظوظ النفسء» والخروج عن حظوظ النفس هو الظفر بالحقيقة» 
والظفر بالحقيقة هو السعادة الأبدية, وأيضًا الحجاب عن الله هو النفسء» والنفس هي 
الأخلاق المذمومة عند الصوفية» والتخلق الأسماء يزيل الأخلاق المذمومة» فالتخلق 
بالأسماء يزيل الحجاب» وزوال الحجاب يكشف الحقيقة» فالتخلق بالأساء يكشف 
الحقيقة» فقد تبين أن إصلاح الأعمال هو التجوهر بأساء الله. 

وإطراح المال هو الخروج عن النفسء؛ وهنا هو المفهوم من قولهم: اترك نفسك 
وتعال» وهو الفناء الذي تشير إليه الصوفية» والبقاء بعد الفناء هو بوت الحقيقة بعد رفع 
المجاز وظهور الوحدة الأزلية بعد رفع الغيرية» وخرج من ذاك أن الله هو وجود كل 
شيء» وهو الوجود وحده. والغيرية وهم أثمره الحجاب؛ والحجاب خير الضمير عن صور 
الشهوات وسكونها إليه» ولا حقيقة له من خارج الذهن؛ فاعلم ذلك. 

قولة ذ: «ولا تخالط إلا من قامت به الأوصاف المذكورة قبل إن استطعت, وإلا 
الأمغل فالأمثل». 

الخلطة هي المعاشرة والممازجة» والأوصاف المذكورة قبل هي ما ذكره من أول 
العهد إلى هنا من الكمالات وأسباهاء والتجوهر بمدلول الإمكانات الأهلية» ومعرفة العلوم 
الضرورية والأعمال» وفهم علوم الحكماءء وتحصيل الحقيقة الجامعة» والدخول تحت 
أحكام الشرع بالجملة» وما أشبه ذلك مما قد فرغ من تفسيره. فهو يقول: لا تخالط من 
الرجال إلا من قامت به الكمالات كلبهاء وعرف أسباهاء وتجوهر بمدلول الإمكانات 
الإلهية» وتصرف بما يجبء؛ واتصف بالحكمة التي تفيد الصورة المتممة والمقومة؛ ودخل 
تحت أحكام النبي اطي من كل اللحبات» بمعنى ظهرت السنة المحمدية عليه علمًا وحَالاً 
وذوقًا وفعلاً ووجوداء ويكون وارنًا على الحقيقة» وعرف العلوم الضرورية» والأعمال 
الواجبة» وعلوم الفلسفة كلهاء وحصل الحقيقة الجامعة لكل شيء» وعلم التحقيق الذي لا 
يُنال بالكسب والاجتهاد» ولا يشذ عنه شيءء ولا يفقد: منه ما هو موجود في غيره» 
وبالجملة كل شيء موجود ومعلوم يوجد عنده حاضرًا بالقوة والفعل» وهذا لا يكون ني 
العالم إلا فيه 4 وهو الذي قامت به هذه الأوصاف, فكأنه أحالك على نفسه؛ وأحال 
العالم على ذاته» ونبههم عليه. 

ولما كان مطلوب العالم هو الخير المحض» والسعادة الثابتة» والخخير المحض هو اللهء ولا 
يوجد ني غيره» وإن وجد فهو له ومنهء أو هو ني المظاهر محازاء وفيه حقيقة. وهو فيه 


156 رسائل ابن سبعين 
وبه له من حيث: «إليه يَرْجِعْ الأمْر كُله4 [هود: 123]. 

فالله هو الخير المطلوب على الإطلاق للعالم كله فالوجود الممكن طالب للوجود 
الواجب بالذات» وخيره ولذته ووجوده في الواجب. فالعالم كله طالب لله والله لا يظفر 
به ولا يوجد ولا يعلم ويعرف إلا بالنبي كه فصار النبي يله هو مطلوب العالم ومقدمتهم 
ودليلهم إلى السعادة والخيرء والنبي يَهٌ لا تعزرف ماهيته وحقيقته وكماله وجلالته إلا 
بالوارث؛ والوارث: هو المحقق» وهو الكاملء وهو الوسيلة إلى النبي يَلٌء: والعارف به 
ونبي يَةٌ: هو الوسيلة إلى الله والعارف بهء والله هو مطلوب العالم. 

قال لك: لا تخالط إلا الوارث الذي هو شرط في الوصول إلى النبي كلو والنبي وَل 
شرط في الوصول إلى الله قن والوصول إلى الله قَبْنَ1» هو مطلوب السعداء والعقلاء 
فالوارث هو مطلوب العقلاء والسعداء ؛ فالوارث هو المحقق, فالمحقق هو المطلوب 
للسعداء والعقلاء بأسرهم لأنا نقبول: العقلاء يطلبون السعادة واللذة الأبدية» والسعادة 
واللذة الأبدية لا توجد إلا ني معرفة الله والوصول إلى الله لا يكون إلا بالنبي ين والنبي لا 
يعرف إلا بالوارث» والسعادة لا تحصل إلا بمعرفة الله» فالسعادة لا تحصل إلا بالوارث. 

والعقلاء يطابون السعادة» فالعقلاء يطلبون. الوارث» ويحتاجون إليه». والوراث هو 
المحقق فالعقلاء يطلبون المحقق ويحتاجون إليه بالضرورة. 

وهذا هو معنى قوله ه: (الكل من أصحابنا)» وقوله وه: (الوقت والحهاد سبعينية لا 
غير)» لما رأى من إحاطته وإفراط اضطرار العالم إليه» ثم نقول الحق هو الخير المحض» 
والعالم كله يطلبون الخيرء والنبي يَعٌ شرط ضروري في وصوهم إليه» والوارث شرط في 
الوصول إلى النبي يل فالوارث شرط في وصول العالم إلى الخيرء والعالم يطليون الخيرة 


(1) قال سيدي محمد وفا في الشعائر: اعلم أن طرق الوصول إلى الله على طريقين: طريق جذب 
واجتباء؛ وطريق جد واهتداء. 
فالأول: محبّة ذاتية» وجذبة [هية» ومئة لدنية» وهي طريق المقربٍ السابق» المستهلك في عين 
الحقائق؛ لأنه قرب من حيث الوجوب لا من حيث الإمكان؛ وسبق. من حيث المكون لا من 
حيث الأكوان» فهو إذَا لا هو وقد شبد الله أنه لا إله إلا هو. 
والثاني: لا كالأول؛ لأن الحضرة حضرتان: حضرة قرب: وهي من الله إلى الله وحضور اقتراب: 
وهو من العبد إلى مولاه» فهو يرجو بعمله الظفر بمؤملهء باذل المحهود في تحصيل المقصودء وهو 
أمر لا يحصل لغيره» ولا يظفر به سواه. 
ومن هنا يعلم أن المقرب هو حياة روحانية البارء وقوام عمله وحقيقة أمله. وبما كانت العين 
التي يشرب بها المقربون» منها يكون مزاج كأس البارء وحياة الأرواح والأسراز. 


شرح وسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 15 
فالعالم يطلب الوارث». والوارث هو المحقق» فالعالم يطلبون المحقق ويحتاجون إليه 
بالضرورة. 

ثم نقول: الله يعطى خيره وإحسانه للوجود الممكن كله. والنبي يِه هو الواسطة الذي 
يوصل خير الله وإحسانه؛ والوارث هو الواسطة الذي يأخذ عن النبي فَلِهْ ويفيض على 
العالم» فالوارث هو الفياض على العالم بالجملة» والعالم يقبل الخير ويناله» وكل ماهية 
يصلها منه بقدر نصيبهاء وما جعل فيها من المقبول فما من ماهية تقبل خيرا إلا والوارث 
هو معطيه لها بالذات» والوراث هو المحقق, والمحقق: هو المدبر للعالم بالذات. فمن كفر به 
فقد جحد نعمته. ومن جحد النعمة شقي أو منكر لأصله. 

وهذا هو المفهوم من قوله #: (أنا هو الوجود في كل مكان أنا). 

وقوله لابن غيلان: (والله ما نجري منكم إلا محرى الدم), وقوله في . «الفتح 
المشترك»: (والمقرب هو عين الخير وكل الكون ومالك كل لون)؛ وإخراج الأدلة من 
كلامه على هذه المرتبة ونصوصه التي نعلمها ونخرجها من كتبه يطول علينا ذكرهاء ولا 
يسمها هذا التقيبدء وهذا فيه الكفاية فاقتنع به. 
' فلمًا رأى تلك الأوصاف يحتاج إلى معرفتها العاقل» ولا تنال إلا من الرجل الحليل 
الحامل لها أحالك على الحامل لماء ولا يحملها على كماها إلا هو فأحال العالم على ذاته 
وهو الحق» وهو مفهوم من قوله ني (التوجه): «لو أنصفت لسعد العصر وأهله؛ ومهد 
ووعر العلم وسهله» ويفهم من هذا الكلام أن من لا ينصفه يشقى. 

ولما علم أن العقول العادية لا تفهم منه القبول في غير زمان» ولا تعرف اتصاله 
بالذوات» ولا تقدر على الاستفادة منه في عالم الذوات المحردة» ولا تدري إلا المشافهة 
والتعليم باللسان» وذلك لا يكون إلا بمباشرة مظهره الجسماني» ومظهزه الجسماني لا 
يمكن أن يعم أفق العالم ومساحته: ولا يمكن العالم باتساع مقداره أن يجتمع كله عند 
مظهره الجسماني» فخلص مظاهر كثيرة» وبددها في الكون, وأحال عليها. 

فقال: إن استطعت الاتصال إلي» ومباشرة مظهري فهو الأولى» والا عليك بالأمثل. 
فالأمثل» يعنى: القربب إلي هذه الكمالات» والعارف بها والذي عنده منها نسبة فهو مني 
ويقرب إلي؛ وكذلك تتنزل من القريب إلى القريب أيضًا إذا لم تجد المظهر القريب؛ 
فكلها مظاهره. إلا أنه يظهر فيها بحسب أنصبتهاء ومثال أولاده معه مثل ما ضرب لنا من 
مثاله مع النبي وَلِ: فإنك تجد النبي #لهْ هو الرتبة الأولى اللازمة للحق تعالى» والمحقق 
الوارث هو اللازم للنبي يو وكذلك الوارث المحقق هو لازمه والعارف بهء وكذلك وارث 


155 رسائل ابن سبعين 
الوارث. 

وتنزل بالتحليل إلى أدنى الرتب» وتطلع بالتركيب إلى أقصاهاء وخذ العالم نظامًا 
واحداء والرتب الحزئية أجزاء ماهية الرتب الكلية تجد الرتب بعضها في بعضء وبعضها 
أعمء وبعضها أخصء وكلها ترجع إلى الله الذي هو النظام المطلق في الكل والمحيط بالكل» 
والمحيط الثاني النبي يد والثالث المحقق» وكذلك وارثه محيط رابع» وكذلك تنزل إلى أدنى 
الرتب» وتعقل المحاط به في جوف المحيط. 

وهذه المراتب قد بينتها لك وكشفت لك أمثلة النظام القديم» وحقيقة الوجود. وبينت 
لك إن الشيخ لم يفارقك قط ولا فارقته» وكذلك النبي يل وكذلك الحق تعالى إن فهمت 
الذوات والرتب المذكورة مجردة عن الزمان والمكان. 

افهم أن المحاط به في جوفه المحيط. وانزل بالتحليل إلى المركز الأدنى واطلع 
بالتركيب في الإحاطات والذوات إلى المحيط الأعلى» وفضل الرتب بعضها على بعض 
بحسب قربها منه» وانسبها في الإحاطة والاتصال. ولا تفهم منه الاتصال الجسماني 
واجتماع جوهر مع جوهرء وإنما هو اتصال مفارق للمادة ونسب الرتب المعلومة التي 
ليست بأجسامء وإما هو روحانية مفارقة. 

وهذا هو المفهوم من قوله 4 في آخر «الفتح المشترك»: (ؤكلمة الحق منوطة 
بالأنبياءء وأرواح أصحاب المحقق منوطة به» والاخوة منوطة هم بحسب نسبتهمء ومن 
شروطها أن يضاف القوى للضعيفء وأن يفرق المثل من المثل. 

فافهم القوى والضعيف بما ذكرته لك من المحيط والمحاط به» وقس هذا الكلام ما 
ذكرته لك من النسب أعني من اتصال النسب بعضها ببعض» وعلوها بعضها على بعض. 

وهذا تفسير قوله 4#5: (ولا تخالط إلا من قامت به الأوصاف المذكورة قبل إن 
استطعتء وإلا الأمثل فالأمثل)» فافهمه والله يفهمك بمنّه وكرمه. 

قوله 4 (وحبيبك من يدبر أمر آخرتك ويعينك عليها ويذكرك بها ويبجرك 
ويصلك من أجلبها ). 

الحبيب: هو الذي تتعلق به الإرادة» وتنصرف إليه همة المحب» وتميل إلى محبته تأكيداء 
أونقول: الحبيب هو الذي غلبت صفاته على قلب المحب» وانطبعت صورته فيه بحردة 
ومنعه ذلك الانطباع من قبول صورة غيرهاء ونقول: الحبيب هو الذي يملك حسنه 
وكماله قلب المحب وجملة عوالمه» وأبقى منه صفاته ونعوته حتى يظهر الحبيب في ذات 
محبه وجملته؛ ولذلك رسم المحبة عند الفقراء: اتحاد النعوت. 


شرح رسالة العهد لبعض تلاميذ ابن سبعين 19 

والتدبير: هو التصريف في الشيء المدبرء ونقلته من الأحوال التي هو فيها إلى أحوال 
أجل منهاء ونقول: التدبير [خراج كمال الشيء المدبر من القوة إلى الفعل» أو نقول: 
التدبير زوال صفات النقص من امحل المدبر» وإقامة الكمالات بدطا فيه. 

والآخرة هي الدار التي يسكنها الإنسان بعد الموت. 

ونقول: الآخرة هي الرتب التي يرتب فيها الإنسان بعد الموت. 

ونقول: الآخرة خروج النفس الإنسانية عن الأعراض المادية» ودخولها في الأعراض 
الروحانية» والآخرة: انفصال النقص من الأكوان المتبدلة واتصاها بالذوات الثابتة» ونقول: 
الآخرة بحسب مذهب الصوفية: هي انفصال الإنسان من صفات التقصء واتصاله 
بصفات الكمال. 

ونقول: الآخرة بحسب مذهبهم: ترك الصوني صفاته وأخلاقه» والتجوهر بضفات الله 
وأسمائه. 

ونقول: الآخرة عندهم: هي الفناء عن الوية الحادثة» والبقاء بالآنية القديمة. 

ونقول: الآخرة عندهم: ذهاب الآنية المحازية» وثبوت الهوية الحقيقية. 

ونقول: الآخرة عند بعضهم: زوال الحجاب» وكشف الحقيقة» ونقول: الآخرة رجوع 
الوجود المقيد للوجود المطلق» ونقول: الآخرة استحقاق الموجود المقيد للوجود المطلق» 
ونقول: الآخرة استحقاق الوجود الواجب للوجود 'الممكن وأخذه ماهيته وإعطاؤه لها به 
لا مهاء ونقول: الآخرة هي رد الأمانة» و[سعاف السلام» وإنصافه في رد السلام ونيل 
السلامة» ونقول: الآخرة فصل معلل وعهد مدلل وكمال مرسلء وتأخر تقدمه لم يزل» 
ونظام جامع وغيور على حقه؛ ومقيم على رتقه. ومناد يجيب نفسه. وعالم يعلم عزه. 
فافهم والزم والله يفهمك بمنه وكرمه. 

والإعانة: هي الإقدار على الشيء» والمعين: هو المقدر عليه والتذكير: هو التأبية على 
أمر سكتء والتذكير: كشف ما كمن في النفسء. والهجر: قطع مواصلة المحب, والهجر:. 
هو ترك إسعاف الطالب» والوصل: هو انعطاف المحبوب على ممبه» والوصل: جبر 
المنكسر ومواصلة المقطوع. 

ولما كان الإنسان حيوانا ناطقاء والإنسان مكلف ومطلوب» وهو من حيث :هو 
حيوان يدبر ويحتار ويجذب الملائم ويدفع المنافر؛كان له كل ملائم حبيبّاء وكل منافر 
عدراء ومن حيث هو عاقل وطالب للسعادة ومكلف بمعرفة باريه وبالعمل على الوصول 
إلى جنته وتحصيل رضوانهء وهو ذو نفوس كثيرة وذو شهوة حيوانية ومطالب روحانية 


10 رسائل ابن سبعين 
فمن حيث شهواته الحيوانية يطلب الدنيا ويحب الملائمات المحسوسات, ومن حيث نفسه 
الناطقة وعقله يطلب الآخرة ويميل إلى الخيرات الدائمة» وهو قابل للتدبير وذو أدوات 
تكفيه في نيل ما يريده ويختاره من الأمورء وعاجز عن إخراج ما في. قوته إلى الفعل» 
ومفتقر إلى العلم والمعين على تحصيل مطالبه. 

فلا بد له من المرشد الذي يهديه إلى نيل الخيرء ويعلمه كيف يحصله. وبماذا يحصنه 
فخير الدنيا لا بد له من معلم يعلمه الصنائع والأسباب التي تحصل بها الدنياء ويدربه 
ويعينه ويدبره حتى يشتغل بذاته في كسب دياه» وتحصيل شهواته العاجلة» وكذلك 
يحتاج في تحصيل الآخرة إلى المعلم والمرشد» والمفيد الذي يدبره ويهذبه» ويبين له 
الطريق الحادة المحصلة لرضوان الله وإلى جنته وإلى معرفته حتى يكمله في ذلك ويوصله إلى 
حيث يستقل بذاته في عبوديته. 

فالإنسان إذن له مدبران: مدبر الدنياء ومدبر الآخرة» وهو يحب الخير ويميل إليه من 
صفة نفسه» ويحب الوسائط التي توصله إلى الخير» وتعلمه طريقه. وتعينه على تحصيله؛ 
فهو يحب مدبر الدنيا ويحتاج إليه؛ ويحب مدبر الآخرة» وبحسب ما غلب عليه طلب 
إحداهما يغلب عليه حب وسيلة ذلك المطلبء وإن كانتا متساويتين في خلده يستوي 
حب الوسيلتان بحسب ذلك؛ فله إذن مدبران»كل مدبر له منهما هو والد له. ومدبر له 
وله عليه حق, وله في قلبه محبة وني نفسه مودة؛ فصار والد الدنيا ومديرها والد الجسماني 
منهء ومدبر الآخرة والد الروحاني. 

ولمًا كانت الدنيا ذاهبة ومنقطعة وغير باقية؛ كان خيرها بالعرضء ولمًا كانت الآخرة 
دار البقاء والقرار والدوام الذي لا انقطاع له؛ كان خيرها بالذات» وهذه دار يرحل منها 
فني أيسر وقت ويذهب نعيمهاء. والآخرة يقام فيها ويثبت لاء ولا يفقد نعيمها أو ضده. 
قال الشيخ #: (وحبيبك من يدير أمر آخرتك): 

معناه الذي تحتاج أن تتنخذه حبيبك وتعتمد عليه وتتبعه: هو المدبر للآخرة؛ ومدبر 
الدنيا لا تعتمد عليه ولا تتبعه ولا تلازمه بالجملة» وإن أحببته فتحبه بالعرضء كما أن خير 
الدنيا الذي كان هو سببها بالعرض» وإن كان يحضك على ترك الآخرة» أو يوقع عندك 
الفترة منهاء فلا تحبه بالجملة؛ إذ هو عدوك بالمعنى» فإن أحسنت له وتبره؛ فيكون ذلك 
ني الظاهر مكافأة لتربيته الأولى ومراعاة لصحبتهء وني الباطن لا تحبه ولا تأخذ عنه: 
وتصاحبه بالمعروف الحاري بين أبناء الدنياء وتنفصل عنه باعتقادك ومذهيك وعلمك. 
كما قال تعالى: لإوَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أن تُشرك بي ما لَيْسَ لَك به علْمٌ قلا تطْغْبُمَا 


شرح رسالة العهد لبعض تلاعيذ أبن سبعين 191 
وَصَاحبْبُمًا في اليا معْرُوقًا وَائبعْ سَبيل مَنْ ألاب» [لقمان: 15]؛ فالله سبحانه قد 
أمرك بمخخالفة الأب الجسمائي الذي لا يحض على الآخرة» وأمرك باتباع الشيخ الذي 
يدبر الآخرة ويحض على الله وعلى معرفته» فاعلم ذلك» ولا يخدعك وهم الظاهر» 
وتحمل الآيات على غير مقاصدهاء وتسمع ما جاء في الوالدين من النصوصء وتعتقد أنها 
تحض على طاعتهما من كل الجبات»: وإن مخالفتها لا يجوز بالجملة» ويحملك ذلك إلى 
ترك السعادة» والتفريق في جانب الله؛ فتهلك وتقول على الله ما لا تعلم. 

وإنما أراد بذلك مبرتهما والإحسان لمما في حق التربية والصحبة» فإذا عارضهما 
القصد الإلهي وطريق الآخرة والسعادة: وأداء حق الله تعالى؛ تغلبه عليهما من كل الجبات 
ولا تنظر إليهما فيهء وافهم قوله تعالى: قل إن كَانَ آبَاكُم وَأَبْتآؤْكُم4 [التوبة: 24] 
الآية» وقوله في حق إبراهيم الكتلة: (أقَلَمَا كبَيْنَ لَه ألْهُ عَدُوٌ لله برا منه6 [التوبة: 114]» 
وقوله تعالى لنوح اكت : (إِلَهُ ليس من أهلك إِلَهُ عَمَل غَيْرُ صَّالحٍ) [هود: 465]. 

وقوله ي: «لا يكمل أحد حقيقة الإيمان حتى أكون أحب إليه من أهله وماله»7» 
الحديث» وقوله: وسلمان من أهل البيت»©, 

وهذه الأهلية ليس هي من النسب الحسيء وإنما هي من القصد الإلهي والدين والأبوة 
الروحانية» فإن كان كذلك؛ فصح إن المعلم المعين في الدار الآخرة والمدبر للها هو الذي 
ينبغي أن يحب ويلازم ويتخذ رأيه وفعله له يجعل قدوة: وهو قول سيدنا ذه في بعض 
«الألواح»: ما عظم الحكماء مشايخهم وفضوهم على الآباء إلا لكونهم كانوا سبب الحياة 
الباقية, والآباء سبب الفانية. 

إلا إن كان الأب من كل الجهبات» وهو الذي أراد بقوله هنا: (وحبيبك من يدبر أمر 
آخرتك)؛ تقديره إن كنت عاقلاً وسعيدًا فلا تحب إلا من يدبر آخرتك؛ لكونك تحتمل 
القبول محبة الدنيا ومحبة الآخرة» وفي ماهيتك ذلك» إذ أنت مجموع من الروحاني 
والجسماني» وكل قسم منك يطلب نوعه؛ فأمرك أن تضرب عن النوع العرضيء وتهمل 
وسائطه» وتخصص الذاتي وتحب وسائطه ووسائله» وقد نقل عن المسيح الكلكلة إنه قال: 
(لن يلج الحنة من لم يولد الولادتين) يعني: الروحانية واللجسمانية. 

ولا نظئن أن الإشارة هنا بذكر الولادتين لما يخصص الدنيا والآخرة» وإنما علم أن 


(1) رواه البخاري (14/1)»: ومسلم (67/1). 
(2) رواه الطبري في تفسيره (133/21)» والحاكم في المستدرك (691/3). 


1 رسائل ابن سبعين 
الولادة الأولى التي هي الجسمانية متقدمة بالطبع في ماهية الإنسانية» والروحانية متأخرة 
عنها في ذاته» وأن النوع الإنساني محمول على الولادة الجسمانية بالنظر إلى ترتيب العالم 
من حيث الحزيئات: فإنه ما يكون عاقلاً إلا بعد ما يكون حي ولا يكون إنسائًا إلا بعد 
كونه حيواناء وإن النفس الناطقة محمولة على النفس الحيوانية» وإن الولادة الأولى قد 
صحت لا وفرغ منهاء وإن الحنة لا تنال إلا بإدراك الروحاني. ولا توجد إلا في عالمه. 
وإن السعادة والكمال والدوام لا تكون إلا في معرفة الله والقرب منه. وإنه لا يعرف إلا 
بالجوهر الروحاني المفارق للمادة. 

فنبههم بعد وجود الولادة الأولى على الولادة الثانية» وجضهم على الانفصال من 
الأولىء وأعلمهم أن الجحنة في الولادة الثانية» وأن الكمال هناك فكان ذكره للولادتين 
تنبيبًا على الثانية التي بها سعادتهم؛ وذكر الأولى لكونها موجودة عندهمء ولا يعرفون إلا 
إياهاء وعرّفهم إنهم إن وقفوا معها لا يدخلون الحنة التي هي في الولادة الثانية» ونبههم 
على صفاتهم الأولى ومَبّدئهم الأول»فاعلم ذلك» ولا تتوهم إن لفظه يقتضي تخصيص 
الاثنتين» وإما أراد به تخصيص الثانية الغابة عندهم» فاعلم ذلك. 

وقد نؤخذ من الأسماء المشتركة» وتطلق الولادة بتشكيك وتصرفها باستعارة الألفاظ 
إلى الولادة الواحدة الروحانية التي فيها سعادة الإنسان» وكماله وني أبوته من حيث 
الإفادة» وتجعل الولادتين من أجزاء ماهية النسبة الواحدة, والعالم الواحد المفارق» وتجعل 
الولادة من حيث تولد الشيء عن الشيء من جبة السبب والمسبب؛ لأن الإنسان في 
التوجه إلى الكمال يحتاج إلى عمل جسماني وبحث روحاني» وهو سيب الاثنين» وهما 
متولدان عنه وصادران منه وإليه يكون الوصول هما؛ فكانت معرفته بذاته ووصوله إليها 
نتيجة عن المقدمتين اللتين هما العلم والعمل؛ فمن حيث هو نتيجة سمي مولوداء إذ 
المولود نتيجة الأبوين في الظاهرء وهما سببان له ومقدمتان. 

فلما كان تجريد الإنسان وإدراك حقيقته نتيجة عن العلم والعملء» كان العلم والعمل 
شبه الأبوين» وكان هو شبه الابن الذي هو نتيجة عن المقدمتين» وفى معرفته لذاته 
وإدراكه ها كانت جنته وكماله. فقال: (لن يدخل الجنة من لم يولد الولادتين). 

معناه: من لم تظهر ماغيته وتحصل له حقيقته بالسببين: العلم والعمل» إذ هما شرط ني 
ختروج الإنسانية من القوة إلى الفعل» وخروجها من القوة إلى الفعل هو الحنة» وهو 
الكمال» وقد يكون أراد به إدراك حقيقة المبدع الأول» والتجوهر به والاستيلاء على 
خاصيتي الإفادة والاستفادة» وتكون الولادتان في ماهيته الواحدة ماهيتهء فإن المولود هو 


وسالة الإحاطة 153 
الصادر عن الشيء» ويكون والدًا من حيث يفيد لغيره» وتتولد عنه النفس الكلية وما 
بعدهاء فهو والد مولود معاء ويكون له شرفان: شرف التسبة والخلافة في التصريف 
والفيض على غيره؛ وشرف القرب من المبدع الأول وقبول الزيادة منه والنظر إليه» وهذه 
سعادة عظيمة ورفعة» فقال: لن يلج الجنة من لم يولد الولادتين. 

معناه: من لم يصل إلى هذه المرتبة» وهذا الجوهر هو المخصوص فهذا الشرف عظيم. 

وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي أردناه في التفسيرء ولكن هو منه وداخل معه 
بالمعنى فترجع» فنقول: الحبيب حقيقة هو الذي يدبر سعادة الإنسان في الآخرة» ويتمم 
جوهرهء ويخرج ذاته الروحانية من القوة إلى الفعل» ويستدرجه بالصنائع العملية والعلمية 
والأحوال الكسبية والخلقية حتى يبلغه إلى غايته» ويعطيه كماله وحقيقته التي لا يمكن أن 
يزاد فيها وينقص منها؛ وهذا هو مطلوب السعداءء والذي يفعل لهم ذلك هو الذي 
يتحذونه محبويًا وقدوة ووالد إفادة ودليلاً إلى الله ووسيلة إليه؛ وهنا هو الشيخ. 

فالمشايخ: هم الآباء حقيقة» وهم المحبوبون لذوى العقول الراجحة والنفوس السعيدة» 
وأكملهم في ذلكء وأولاهم بذلك الوارث المحقق الذي هو والد المشايخ والمريدين» 
وقدوة المفيدين والمستفيدين» وهو الذي قامت به الأوصاف المذكورة قبل» وهو الذي 
ذكرنا في تفسير المسألة التي تقدمت قبل هذه التي فيها قوله: (ولا تخالط)» فهو المحبوب 
للكل والكامل حقيقة. 

وأمّا قولي لك: هو شيخ المفيدين والمستفيدين؛ فقد فسرته لِك في المسألة المذكورة 
قبل حيث قلت: إن كل آنية محاطة ترجع إلى آنية محيطة» ويرجع كل محيط ومحاط 
بالتركيب إلى الإحاطة الكبرى التي هي الوارئة المذكورة قبل» فهو إحاطة الإحاطات» 
ومفيد المفيدين والمستفيدين» وشيخ المشايخ والمريدين» ومحبوب الحبين والمحبين» مثال 


ذلك في العقول أن نقول ا 
بسم الله الرحمن الرحيم 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 


كلام مشير بوجه ما يشبه كلام البشرء وإشارة ناصح في كل الوجوه يعقل قدر الأثرء 
قلت: إن كان تحصيل الكمال الإنساني» والمقصد الأقصىء والشيء الذي هو من قبيل 


(1) إلى هنا انتهى المنقول في المخطوط» وبه وقفة كاتبه. 


35 رسائل ابن سبعين 
الشيء الذي ينال بعد نيل الشيء الذي يشترط فيه سر المسجد الأقصىء. ويخطف بعد 

عجز الدبِيء ويُقطف من شجرة (وَأَنْ إلى رَبك الْمُسَبَى) [النجم: 42] لا من شجرة 
طوبى وسدرة المنتهى» مما يمكن في الإنسان من غير أن يبحث عنه بالعلوم العلمية 
والعلمية ويقتصر على تصوره وتصديقه وعلى ما يتم ويقتضي فيهاء ولا يمتحن نفسه 
وعادته بالحكمة التي تقبل المعنى النافع حسب ما يعطيه ويقئضيه طبيعة البرهان» ويصح له 
بها ما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجبء ولا يكون بالجملة باحثًا ولا 
مثالها فهوء والله أعلمء في الانصراف إلى ما يجده الإنسان من نفسهء ومن القوة الشاعرة 
بالقوى التي فيه المتوهمة التي تنصرف إليها المعلومات والمدركات كلهاء وهي مثل 
الكليات التي أحاطتها مهاء وكالمركز بالنظر إلى جذمها إباهاء وكالصور المقومة بالنظر إلى 
وجودها معها وكالصورة المتممة ار إلى تار فالسعيد الظافر مها. 

وهذه القوى ترجع إلى قوة تُسمى الكلمة الجامعة المانعة المحيطة. بكل ما يتوهم أو 
يتحقق أو يتوسط في أمرهء وهي هس المشار إليه والمعول» بحول الله تعالى» عليه. وأول 
تلك القوى: هي القوة النزوعية الحاذبة الدافعة» وإن شعت قلت: الإرادة» وقوة التعلق 
التي تربط في الوهم الصفة بزائد على المحل» وتكون داخل الذهن وخارجه؛ وإن شئت 
قلت: الإدراك والقوة المحدثة التي يتكلم مها الضميرء وتتأتي مها المخاطبة ني الخلدء وهي 
لسان الوارد والإلهام وبعض أنواع الوحي» وهي الهاتف أو محله بوجه ما. 

وإن شكت قلت: المفصلة والخبر» فإن جميع ذلك يرجع إليهاء وقوة الملكة» وهي 
المعرفة المحركة والباردة والمسكنة. 

وإن شكت قلت: القدرة والحيلة محمولة في جميعها أعني: القوة المذكورة غير ١‏ 
عارضة لاء أو شبيهة بالعارض بالنظر إليها مبحردة» ومن وجه وجودها الرسمي فقط 

وتلك القوة المتقدمة التي قلنا أنها جامعة مانعة تحركه ولا تحرك» وتحرك وتحرك 
بجهة وجهة» ثم تحرك ولا تحرك, ثم الجميع؛ ثم تكون لا ساكنة ولا متحركة» وهي التي 
تفزع وتدرك وتخبر وتقدر وتحدء والذهن فيها ومها كأنه محيط مها بثبوت غير معين ولا 
يمكن أن يكون معبا شيء لا قبل ماهيتهاء ولا بعد ماهيتهاء ولا مع ماهيتها؛ بل لا يمكن 
أن يفرض فيها القبل والبعد والمعية» وجميع هذه القوى هي التي يجدها الإنسان في ذاته 
خاصة» فدع عنك هذا البحث عن النفس الحزئية والكلية» وعن العقل الكلي. وعقل 
الكل؛ والعقول الثواني. والذوات المختلف فيها بين المشائين وغيرهمء وبين الشرائع 
والنواميس الوضيعة؛ وسائر المذاهب» والروح الكلي على مذهب الصوفية والمراتب 


رسالة الإحاطة 155 


المتوجه إليها على رأى بعض أهل الحق» وبالجملة الروحاني واللجسماني. 

فجميع ذلك إليها ينصرفء وهي له كالأنموذج أوكاهيولى7" بوجه ما عند الضعفاءء 
وهي الكلي عند القوي المدركء ثم إذا نظر إلى ضميره وصرف الأربعة المذكورة إلى القوة 
المتقدمة المحيطة بالكل؛ وكذلك يفعل في جميع أموره الواجبة واللازمة والعرضية ولا يترك 
شيا من المعلومات الأربعة أعني: الواجب والممكن والعدم والمحال» وجميع ما أدركه 
الحس أو تطرق إليه الوهم أو دل عليه الدليل» أو علم بالبديهة» ولا الوجود المطلق 
والمقيد والمقدرء إذا أراد أن يقف على الحق ويعاين مرغوبه بعين كامله وحقيقته إلا 
صرفه إليها؛ فتأنس بصيدها بالشرك الذي رسمنا في «التوجهم». وو«الفتح المشترك»» 
«والرسالة الرضوانية». 

ومما ينتفع به تصور الحياة السارية في الموجودات» والسكون المستند إلى الوجود وإلى 
وحدته. 

فإن تأنستء وإلا تأمل الذات العريّة عن المادة صحبة سكينة وأشخاصء ثم الثبوت 
مها بشيء لا كالمستند إلى الشيء» ولا كالمرتكر فيه» ولا كالمربوط عليه. ولا كالملتحم 
به» ولا كالحال فيه حلول الماء في الإناء؛ ولكنه وجود يسيل ولا يقف» ويستمر ولا 
يختلف ويشار إليه صحبة مجموعة الأول والآخر والظاهر والباطن إشارة من شخخص فيه 
فكان ثم كان ولا مكان, ثم كون المكان ودبر الزمان. 

فإن تأنستء وإلا أكثر من فرض الاتحاد ع الوهمية مع.علمك بأنه لا يصح في 
الواحد من كل الجهات؛ لكنك تنتفع به» وبه تخضع القوة المعللة إلى قوة الخبر في قوة 
التحقيق» وتلك القوة المعللة مع التحقيق كالقوة الخيالية مع العقل والبرهان في العلوم 
النظرية؛ فإن العقل يقطع بالمعلوم ويحصره؛ والخيالية تتحرك وتطلب ما وراء المنحصر 


(1) قال سيدي علي وفا في المسامع: الأجسام بموجوديتها القابلية المسمّاة بالميولى قيولاً» وبالمادة 

اللاهوتية قابلأ» هي باستعدادها لتجلّي الروح المفارق فيها كالمرايا» والمنطيع فيها بذلك العجلّي 

هو النفس المتجسمة والروح المجسدة الحالة ني المدارك دري وهي ظل الروح المفارق 

والمدد. أعني استمرار العجلي باقيًا ما دام مانع القبول منفيّاء فإذا وقع المانع زال ذلك الظل 

بروال التجلي» وذلك هو الموت» ومفارقة الروح للبدن. وذلك المانع قار يكون من طبيعة 

اجدسم فهو كالصدأ للمرآة» وتارة بأسباب جارعية كالعوارض المانعة للتجلي في المرآة» فمن 

تصور أن 6 هو الموت جعل الموت وهم بويا ومن تصوره انتفاء التعجلي الحاصل بذلك 
المانع جعله عدميًا. 


156 رسائل ابن سبعين 
واختبر ذلك بما وراء العالم وبالخلاء والملاء» وما أشبه ذلك» ولا تساعده من صفة 
نفسهاء وفائدة الاتحاد ضبط النفس بغبطة ما وهمية عسى أن تقل حركتهاء وتنفذ مباحث 
عادتها وتفرح بذاتهاء ويصح لك الشعور في الضمير بالوحدة المخخطوفة بالقوة النازلة من 
القصد إلى فيض المهوية التي يلحقها الحق المفروض المسمى بالروح والواسطة» والرب 
المألوف والصفة كما يلحق الحسن الصورة. 

فإن تأنستء وإلا فاجعل [همال البرهان الصناعي والأقيسة الصناعية والنفسانية» وجميع 
أنحاء المتقدمات التي ما بين الناس والقضايا الحملية والشرطية مقدمة» والتوحيد الذي لا 
يصح معه توحيد بل يكفر به توحيد من لا يعلمه» نعم! وبواحد وموحده وتوحيده مقدمة 
أخرى» ويكون الحد الأوسط هنا خير الأمورء والأصغر الوقار» والأكبر التفريد» والنتيجة 
الغبطة» والقياس الاستخخارة» والبرهان انتظار الفتح فاصبر على هذا الاصطلاح بقدر ما 
يظهر لك بالوهم بسلب السلبء وإيجاب الإيجاب؛ بل بسلب الإيجاب» وإيجاب السلب 
أو تترك الجميع صحبة ثبوته» ولا تجمل ما تجده من جهلك بنفسك» ولا تخف من 
جنونك في هذا الوقت» فإنه عالم أكمل وهو الذي يُسمّى أكبر في كل لحظة» وعندما 
تذكر صورة هناك وبه تصل. ومن صفة نفس هذا العالم الجهل بالأول. والجهل بما يحتوى 
عليه. 


فإن تأنستء وإلا تصفح أحوال الملة» وأحوال وضعها وأهلهاء وخذ نفسك بالتقليل 
فيها لا بالتصريف؛ لأنك تريد أن تنال الإدراك المتوحد الذي لا ينال بزائد عليه» وهو 
مدرك ومدرك معًا من كل الجهات. 

فإن تأنستء وإلا فافرض على وهمك تصور الفيض لكي ينقطع عنك الاستناد العلمي 
وتتصل بالصورة الحاضرة» فإذا وقفت هذا المؤقف ولاحت لك نكتة الاتصال» فاصرف 
الفيض إلى الوهم؛ والصورة إلى أوله. والحض إلى آخره» والوقوف والاتصال إليك؛ تجد 
أنك ما غايرت ولا غويرت» ولا تنبت على هذا الحال» وانظر فإنك أكبر. 

فإن تأنستء وإلا فارحل إلى رجل يدبرك بخواص الأسماء القائمة به» فإن نلت ما 
تريد وإلا فارحل إلى غيره يذبرك بالتصريف» ولا تقبل العبارة في هذه المرتبة» ولا 
الإشارة» ولا اللطيفة» ولا الدقيقة» ولا الحقيقة إلا من جهة الشعور خاصة: والنصيب 
الإلمي ولا تقل: نعلم الوجود. ونحيط بالموجودات؛ بل تقول: نجد الوجود» ونتصرف 
في الموجودات» ونحتاج أن نصل إلى دار يستجيب فيك الجميع» ويكون المخالف عندك 
أكثر من المألوفء. وتتبع ذلك حتى يكون الأمر بالعكس» ولا تقنع حتى تجد الذوات 


رسائة الإحاطة 157 
المجردة من تطورك؛ والممكن من وهمكء والمحال من خبرك؛ والواجب عينكء والرب 
المألوف حرفًا من حروف دينك الذي فرضته» لا الذي فرض عليك» فقد كان ذلك 
ونسخ بالمضمارء وعاد كلامه هَْنَ افتقارك إلى تعين ماهيتك حالاً وخبراء ومشاهدته 
بسكون أخبارك هوية وآنية» وتوحيده وقوفك على رشدك الثابت المعصوم بوجه ما. 

فإن تأنستء وإلا فاعلم أن أمرك من فوق التصرف. والعلم الثاني» والثالث الذي لا 
حاجة للمقامات فيه ولا مدخلء ولا يجد عند الخواص» نعم وعن الأسماء الحسنى, فإن 
المقامات لا تصح مع جميع الموجودات في وحدة محضة؛ ولذلك الخواص لا تفرض في 
معنى فيتعكس قبل فرضه ويتنوع من صفة نفسه من حيث يثبت» والمعلوم من كل 
الجبات لا اسم له يميزه عن غيره» فإن ذلك ممنوعء فقل: ولا حاجة لي بالصورة» ولا 
منفعة في التوحيدء ولا خير عندي في الفيض, ولا سعادة في الحلول» ولا فائدة في الاتحاد» 
ولا شوق إلى مقام» ولا غبطة باسم يغاير أو يتردد في أمرهء ولا يحتاج إلى خخاصة» ولا إلى 
الخنواص الذين أعمالهم منحطة وأحكامهم واقفة. فإن الحق قبل ذلك كله. بعد ذلك كله 
عند ذلك كله عند آخر ذلك كله وسلم على «ابن العريف» وعرفه لا بتعريفه» وخطه 
على عريفه» ونكرة معرفته» وكفر معروفه» وسرى معروفه؛ وسد معارقه. 

ثم انظر إلى الإحاطة”")» وتأمل ما فيهاء وحرر القول فيهاء وعندك أن تحصيل الحاصل 
محال» والعدم من كل الجهات لا يظفر ولا يظفر به» وإن قولك الحق والوجود والشيء 
والأمر والذات» وما أشبه ذلك من الأسماء المترادفة مع الإحاطة» وقد يقال معها بتواطق؛ 
بل هي الكل» وإن صح أن يقال: كل الكل والعموم والخصوص والفرد والزوج والعدد 
والمعدود, ثم غير ذلك من حيث هي ذلك. 

وبالجملة» افرض أن المطلوب في شيء واحد ليس إلا وهو واحد وأكبر من أن يُقال 
له واحد باجنس أم بالنوع أو بالشخخص أو بالفرض أو بعدم الانقسام أو بعدم المثل أو 
بالواحد الذي لا نظير له بالقوة ولا بالفعل» أو الواحد الذي ذكر فيما بعد الطبيعة؛ بل 
الذي ذكرته الصوفية» بل الذي وجدته في أذواقها فإن ذلك كله انجرار الوهم. 

وكذلك الصورة التي يُقال فيها إنها هو وإن اللجميع جزء ماهيتهاء وكذلك الواحد 


(1) قال سيدي محمد وفا في الشعائر: الإحاطة هي تكثير الواحد بالتجلي في هيئات متنوعة؛ كالماء 
ينعقد بردًا. 
وحقيقة الإحاطة أن يكون المحيط بالذات محاط به بالشخخحص في العين» وفي المعنى أن يكون المحيط 
بالعلم محاط به بالمعلوم الأول بالوجود والاستغراقء والثاني بالشهود والاستهلاك. 


5 رسائل ابن سبعين 
الذي يظبر أنه كالعارض للماهية» ويشبه الوجود» وأن الواجب هو هذاء والغير كالماهية 
المتقدمة» وقد يتوهم أن الممكن» وأن سوى هذا الوجود أو الموجود له وجه ذاته» وهو 
الافتقار امحضء ووجه إلى هذا الوجود به هو موجود, ولا توحيد الجنة ولا توحيد أهلها 
ولا توحيد من قال: «جل جنات الحق أن يكون مشرعًا لكل وارد». 

ولا توحيد من قال: «ما وحّد الواحد من واحد». 

ولا توحيد من قال: «لا يرى لا بدوره ولا يشهد إلا بحضوره». 

ولا من قال: «كيف يرى من به يرى». 

وبالجملة: الواحد منحصر في أربعة أجناس: الواحد بالاتصال» والواحد بأنه كل 
وتمامء والواحد الأول البسيط في جنس جنسء والواحد الكلي المقول بتقديم وتأخير على 
جميع ما عدد فيما بعد الطبيعة. 

فجميع ذلك, خلاص فيه ولا خالص من حيث الكمال الذي فيه جميع الكمالات 
الثلاثئة أعني: الكمال الذي يقطع الوهمء ويحقق الحق» ويستجيب الجميع فيه لا على ما 
ذكر ويمكن» ونكتته تنحرك وهو يتحرك معهاء وغبطته مقصوده كذلك» ويشبه 
بالمغناطيس الذي يلزم فيه الدور لمن فهمء وضرب هذه الكلمات ثم صرفها. 

وهذا العلم في الخلد قبل التصور والتصديق لا بعدهاء والجاهل الحكيم هو الذي يقول: 
الحياة شرط ني العقل؛ والعقل شرط ني العلم» والعلم شرط في العمل» والعمل شرط في 
الفضلء» والفضل شرط في السعادة؛ والسعادة شرط في الخيرء والخير شرط في الكمال» 
والكمال شرط في الوحدة» والوحدة هي شرط ني المطلوب؛ والمطلوب هو الذي يقال 
بترادف مع الأشياء» وبتواطؤ قبلهاء وباشتراك بعدهاء وبترجيح معها له وباشتقاق فيها 
إليه» وبارتحال عنها منهء وباستعارة فيها له. 

والفاضل العليم يجعل الشرط في مكان المشروطء والخليفة الحكيم يجعل الشرط 
المشروط من غير تقدم ولا تأخير» والحكيم العليم لا يجد ذلك لكونه ذلك. 

خذ واحفظ الوقت واصرف ذلك إلى الوهم وإضافته ثم إلى المعنى الحاصل من غير 
تعليل ولا توقف ولا إهمال» فنرجع إلى الإحاطة المذكورة فتقول: إن الخارج عنها ممنوع 
ومعدوم لما قدرناء والداخل فيها قد أحاطت به هي حتى بقول داخل وخخارجء فإنها لا 
تحيط بأعداد ولا بذوات مميزة» ولا هي كالمكان.. ولا يمكن فيها المكانء ولا الزمان» 
ولا العدد ولا الإضافة, ولا الأخبار؛ لأنها إذا كانت الكل كانت بمعنى واحد ليس إلاء 
فهي إحاطة تدور على شبه السلب في الوهم الأول؛ لأنها تجذب وتصرف وتحيل العدد 


رسالة الإحاطة 199 


إلى الواحدء ثم تمنع زمان الإحاطة وزمان الجمع وزمان التفرقة» وكأما يكن قط شيئًا 
مذكور' إلا آنها الذاكر والمذكر والمذكور. 

وبالجملة: هي واحدة في في الكل واحد واحد بحسب ما ذكرء فكيف بحسب ما يراد أم 
كيفما يوجد؟ وهذا لمن تصور الوجود والعدم» وقال: كذا وكناء وهذا وذاك» وأنا وآنت 
وأنتم» وما أشبه ذلك» ثم تدور حتى تمهل المخصص وتخصص المهملء» ثم تدور حتى 
يصمت المسائل» وتنوب هي عنه لأنها هوء والمراد بذلك آلا تخاطبه ولا يخاطبهاء 
والمراد بذلك قطع التتابع والانفصال؛ ثم تدور عليه حتى تكون الحق» ثم تدور عليه حتى 
يكون الحق والباطل فيهاء ثم تدور عليه حتى يحقق الحق والباطل يبطل» ثم ترجع له دائرة 
وهمية يفعل فيها ما شاء» ويصرف من شاء عن من شاءء ويصرف إليها ما شاء كما شاءء» 
ثم تدور عليه وتكون مصمتة صمدية لا جوف لماء وتكون حضرة يكون فيها الحق ولا 
شيء معه. 

والأول: كالعرشء والثاني: كالكرسيء والثالث: السمواتء الرابع: العناصرء المنامس: 
المولدات» والسادس: الحركات» والسابع: الأكوان» ارقن الحياة العادية في الجميع» 
والتاسع: الحي» والعاشر: الصورة الجامعة» والحادي عشر: الكبير بالقول» الواحد بالوضع» 
وهذا كله هو فيهاء وهذا كل من فرض المتكلمء ومن قبيل الشائع ني العرف الحاري» 
وبالنظر إليها هي تدور عليه وتديره حتى عن قوله إيه» ومعنى تدور: تحيل الأشياء إليهاء 
ومعنى تحيل الأشياء إليها لكي ينقطع الوهم» ومعنى ينقطع الوهم: أن تكون هي عندك 
الأشياء بجملتهاء ومعنى أن تكون عندك الأشياء بجملتها: أن تكون هي أنت» ومعنى أن 
تكون هي أنت: ألا تكون أنت ولا هي. 

وهذا يكون من حيث الفرض والعدد والوهم لا من حيث الوجودء فإن الواحد من 
كل الجهات لا يصح فيه إلا ما قلناء فترجع ونع جميع ما يفرض فيها أو يهجس أو يعلم 
وما أشبه ذلكء لا يقال فيها لفظة لأنها غير منسوبة لشيءء ولا موضوعة في شيء» ولا 
يقال فيها كالحزء من الخطء ولا تجعل في الوهم مفروضة: ولا كاليذر للنبات» ولا في 
سطح شيءء ولا في وسط شيء» ولا على شيء» ولا من شيء»ء ولا تمئل باللجوهر الفرد» 
ولا فقدها قط الفردء ولا تكون مكيالاً للتعدد. ولا مفهوم الواحد الأول» ولا هي حرة 
عن ذلكء ولا كالدائرة» فإنها لا تحيط بما يفرض عليها أو فيها؛ لأن النقطة منها تشبه 
الخطء والخط يشبه الدائرة؛ بل كل ذلك خطء وكل ذلك نقطةء وكل ذلك دائرة» 
والأبعاد الثلاثة في الواحد منها كالواحد الثاني من كل واحد منهاء فلا أبعاد فيها على كل 


20 رسائل ابن سبعين 
حال من حيث الحال المتوجهء ومن أثبتها فقد جاز الأبعاد. 

وبالجملة: لا تمتد ولا حركة فيها؛ لأنها لا تبدأ من شيءء» ولا تمر على شيء» ولا 
تتصل بشيء» ولا تفتقر إلى محرك» ولا تكون محركة؛ لأنها ذلك بكليته» والشيء لا يتعدد 
في ماهيته من حيث الماهية المستقلة لا من حيث أجزاء الماهية» فإنها ماهية لا تفتقر إلى 
حدٌّ ولا يصطادها الحادٌ بالحدء فعينها أينهاء وأينها كونهاء وكونها كلباء المقولات نقطة 
منهاء والنقطة عندها كالخط». والخط عندها كالدائرة فيهاء والدائرة فيها دائرة عليهاء ولا 
وسط ها ولا قطب. ولا يفهم الحكيم والقطب. فهي بالله في الوهم. وهي الله في الحقيقة. 

إيه! ومن الأوهام حتى قولك: تدور وتكون. وما أشبه ذلك. 

وبالجملة: المراد بهذا التنبيه إنما هو كالصوت الذي يوقظ النائم لا كالكلام الذي 
يطلب في مدلوله الفائدة» فحيّ بن يقظان فيهاء والجاهل من الناس بل الحيوان والنبات 
والمعدن كالشيء الواحد. 

إيه! ثم نرجع ونقول: المطلوب الخارج عنها باطل» والداخل فيها مثلهء كذلك لما 
أصلناه قل أن يكون من قبيل تحصيل الحاصل» وهو من المحال؛ لأنها لم تغاير شيئاء ولا 
غايرها شيء» ولا ماثلت شيئًا ولا خالفت ولا خُولفت فبي كل شيء؛ وذلك الشيء كل 
شيء» فصح للظافر مبذه الحالة أنه الأول والآخر والظاهر والباطن. 

فإن كان ذلك خبره فقد أفيد المقصود وهماء وإن كان في خخبره وحاله معًا فقد أفيده 
تصريفاء وإن كان في ماهيته لكونه كان في غير ماهيته فهو وجود واجبء فمّن أراد أن 
ينلها بالجملة ينصرف إلى الله العليم» بل إليه هو أعني: القديم الحكيمء وتحيله على التوجه 
والذكر لا على التعليم والفكرء والله يسهل من جبة واحدة لا من جهة وحدته. 

وبالجملة: من كانت ذاته في الخبر كان الكل وهماء ومّن كانت ذاته في الحال كان حم 
وقنًا ماء ومن كانت ذاته في السكينة والتأبيد والوجود الجائز كان الحق المنسوب بوجه 
أنقص, ومن كانت ذاته الحق المنسوب بوجه أنقص كان الحق المنسوب بيوجه متوسطء 
ومن كان الحق المنسوب بوجه متوسط كان الحقيقة بوجه أكملء ومن كان الحقيقة بوجه 
أكمل وجد الله» ومّن وجد الله بوجه أكمل أو بما يجد ذلك «كان الله ولا شيء معه»0. 
ووجد الأشياء في ماهيته غير منفكة» ووجدها قد قبلت على ذوات وهمية» ومُسمّيات 
خبرية» ومستدركات منصرفة» فسبحان الكبير بالقول الذي يقال فيه شيء وأشياء بالوهم 


(1) رواه الحكيم الترمذي في النوادر (104/4)؛ ونحوه في البخاري. 


رسائة الإحاطة 201 


الواحد بالمعنى» والوتر بالفرد» والفرد بالوضعء وهو واحد حتى في وحدتهء ويحق لكائن 
أن يقرً: (إقَسبْحَانَ الذي بيده مَلَكُوتُ كُل شيء وَإِليه ُرْجَعُونَ) [يس: 83]. 

لبه! من علم العبودية حقيقة علم الله 5يْنَ وهمًاء غلاف العالم الأول وأعوانه الذي 
يقولون: «من عرف نفسه عرف ربه»”2, وهيبات المعروف الذي إذ نظز إلى وحدته 
صحح أنها واحدة حتى في العدد والمعدود, إذا انقسم لم يعلم» فلا تقديم ولا تأخير فيه إلا 
وهمًاء ولا شرط ولا مشروط» ولا سبب ولا مسببء ولا علة ولا معلول» ولا واجب 
لغيره» ولا ممكن في ذاته» ولا محال فيها محال تابع لماء فاقبض وابسطء وحلل وركب؛ 
يصح لك. غير أنه إن قلت كل ذلك لم تكن قلت الحق» وقيل لك كذبت» وإن قلت 
ذلك في واحد والوهم منصرف؛ قلت الوهمء وقيل لك: صدقت. 

إيه! فمن علم الأمر بكماله علم الروح» والروح هنا شيء ما لمعنى؛ لأنه فاعل أو 
منفعل» ومن كان ذلك كان نور الله المظلم» ومن كان نور الله المظلم كان روحه القائم 
في الأشياء وبه قامتء ومن كان روحه القائم في الأشياء كما قيل كان نور الله الكاشف» 
ومن كان نور الله الكاشف؛ كان روحه القائم بذاته» ومّن كان روحه القائم بذاته كان هو 
الأشياء بوجه أنقصء ومن كانت الأشياء هو بوجه أنقص؛ كان الإحاطة الصمدية» ومّن 
كان الإحاطة الصمدية كان هو الأشياء بوجه أكملء ومن كان ذلك بجملته؛ كان الكامل 
المذكور الذي ذكرناه في قولنا: إن كان تحصيل الكمال الإنساني إلى آخرهء وكان 
المكمل لما سواه. فكان الحق المصطلح الذي يظفر به بالجملة الحاصلة المذكورة» ويصح 
له بعد ذلك أن يظفر بالحق الذي يظفر به» واختبر ذلك بطريقة القياس وأسباب العادة, لا 
بحقيقة القياس وعرف العادة» قدر أنك لا تلتفت إليها وتشرع في تقسيم المعلوم إذَا إلى 
الأوهام التي ذكرناها قبل» وتقف عند الموجودء وتحقق الوسائط والآلات والأمور 
والروابط بين الممكن والواجب والعلة والمعلول» وقصد إلى القصد الأول والثاني» 
والفصول المشتركة» وعالم العقل الذي يذكره أفلاطن في قوله: إن العلة الأولى في فصل 
النوع الأخير. والعماء”© الذي تذكره الصوفية0» والأمثال المعقولة والكليات والمبادئ 


(1) ذكره العجلوني في كشف الخفا (343/2)» والقاري في المصنوع (189/1). 

(2) وقد ورد في الخبر: «كان ربنا في عماء ما فوقه هوائ وما تحته هواء» رواه الترمذي (288/5)» 
وأحمد (11/4)» وابن ماجه (64/1),” 

(3) قال سيدي علي وفا ني المسامع: هذا العماء هو صورة كون الإنسان التي بالتعلق العقلي تعين فيها 
الرب الرحمن» وغاب في ذلك التعين بالتنزيه الفرقانئي عن أعين عقول الفرقان» وتلك الصورة 


202 .رسائل ابن سبعين 
والمراتب والتقديم والتأخير والقدم والحبروت والآنية والحوية» ومن هويته آنيته» ومن 
هويته غير آنيته» ومن يعرض للشيء؛ ومن حيث يكون ذلك الشيء موجودًا بالعرض 
المذكورء ومن لا يكون وجوده عارضًا لماهيته» ومن تكون ماهيته لا كما ذكرنا بالجود 
هو حيز ما ذكرء وتحقق الدهر والحركة والزمان» وما صدر من العلم والنسبء» وما كان 
بالقصد والسبب» وما كان في الشيء الذي لا وجد لمشيتته» ثم تأخرت ولم تزل» 
وتقدمت ولم تكنء ثم ألزمها الحدوث في خبره والقدم في علم مخبره» والوجود شبه 
الواسطة أوكل ذلكء» وتحقق حق النقطة والمبدا. 

وتقول: الموجودات التي حصرها هذا الوجود عشرة» أو محمول وموضوع., ثم تقسمه 
وتقول: الوجود ينقسم إلى موجود قديم بغاية» وإلى قديم بغير غاية» فهذا الذي لا غاية له: 
هو الله الواجب الوجود العلة التمامية» خواصه حمسة عشرء وهو يوصف ولا يرسم ولا 
يحل إلا بالفرض الملائم أو بملاحظة القائم» أو الخبر من قبل الهائم» وأسماؤه الأول تنقسم 
إلى أسماء ذاتية: كالحق والواحد وأزل» وما أشبه ذلك, وأسماء صفته: كالعليم والسميع 
والبصيرء وما أشبه ذلكء. ومن أسماء فعله: الخالق والرازق» وما أشبه ذلك» وأسماء 
تنزيهه: كالقدوس والحليل والعزيز» وما أشبه ذلك» وأسماء التعظيم: كالقادر والقاهر 
والغني» وغير ذلك من الأسماء المشتقة» تمتد بامتداد المعلومات والمضمرات» وتصل إلى 
الحق من ألفى» فلا نهاية لها بوجه ما. 

والمشتركة والمرتجلة مائة وواحد عند بعض الناسء والمنقولة تسعة وتسعون. والاسم 
الأعلى مذكور في سورة (النساء)ء ومكتوب في (الأنعام) ومقروء في (الأعراف)» 
وموجود ني قوله تعالى: (سبّحَ اسم رَبك الأغْلّى» [الأعلى: 1]. 

ثم تصرف هذه الأسماء صفات» ثم تنظر هل تكون زائدة عليه» أو ليست بزائدة» أو 
يكون في كل واحد معنى كل واحد» أو هو هي أو هي هوء أو البعض منها هوء والبعض 
هوء والبعض ليس كذلكء ومنها ما يقال فيها لا هو هيء ولا هو غيرهاء ومنها ما يجعل 

الآدمية هي عرشه الكائن على ماء النطفة المنوية» وهذا العماء في شخصيته المفارقة الخيالية ما 

فوقه هواء وما تحته هواء: أي ليس تحته شيء» ولا فوقه شيء» فلا فوقه ولا تحته» وفي شخصيته 

الإحساسية هو كما ترى» ف(ما) بالمعنى الأول نافية» ونافية أيضًا إذا كان (هوى) بمعنى سقط» 


وبالثاني موصولة» وهواء بمعنى فراغ» أو جوهر هباء» وكل صحيح في حكم عالمه ودائرة 
حاكمه. 


رسالة الإحاطة 203 


غيرًا محضاء أو يكون كالقوى الزائدة. 

ثم تنظر إلى ما لقدمه غاية» وتقسمه إلى جوهر وعرض»ء وإلى فتن منها؟ وهو 
الجسم ثم تنظر إلى الأكوان وتقسمها إلى الاجتماع والافتراق» وتقول: الجسم هو 
المؤلف, والجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأء وهو الفرد إلا من مثله. وهو الذي يأخذه 
قسطه المساحة: ويمانع ويقبل العرض من كل جنسء وتقوم به الأحوال المعللة وغير 
المعللة» وله جرم واختلف فيه: هل خلق ساكتّاء أو متحركا؟ والأظهر فيه السكون» 
وكذلك اختلف في شكله ني تقسم العرض إلى غير وخلاف ومثل» وتقسمه إلى مدركات 
الحواس وقد وصله بعض الناس إلى أربعين» وإلى أكثر من ذلك. 

وقد يحصر ذلك ويقال: الله وأفعاله» وتحرر العبارة فيه ويقال: الوجود والمقيد 
والمقدرء ومنهم من قال: الوجود الأول الذي لا أول لوجوده؛ ولا سبب له مقوم لما 
بعده» ومنهم من قال: كل شيء يحتاج أن يخرج من القوة إلى الفعل؛ فهو القائم المقوم 
المتممء وقد يُقال: الحليل المعتبر الذي يترد الذهن في ثبوته» ويعجز عن تصوره؛ لكنه 
يشير بمعناه إلى جلالة مطلقة» ويشعر ما لها ني ماهيته هوء وهذا الشعور: هو وجوده وبه 
كان» وقد يقال الله كما قيلء ثم الهباء» والذرة والقلم» ثم اللواحق والأجناسء ثم الأنواع 
والأشخاصء وقد يقال الملائكة المطلقة» والوجود المتسع» والتسعة والتسعون وسيلة 
والمنوط مها وما وراء ذلك» ويحمل على أكثر من واحد وقد لا يحمل. 

وإن شكت قلت: الجوهر ينقسم إلى الجسماني والروحاني» والروحاني: هو الذي لا 
يكون متحركا ولا ساكتّاء وهو ينقسم إلى عقول ونفوس سارية في الأجسام الفلكية 
والطبيعية» وإلى الصور المحردة» وإلى الحيولى الأولى بحسب مذهب ماء وقد يقال العقل» 
والنفس الكلية عند من أثبتها. 

والفلك ينقسم إلى تسعة أشخاص بحسب رأي الأكثر: فأول الأشخاص المذكورة 
الفلك الأطلس الحامل الذي يتحرك الحركة اليومية» وحركته من المشرق إلى المغرب» 
وكذلك رأس الجوزهر خاصة» ثم الفلك المكوكبء وكواكبه ثابتة» وفيه المنازل والبروج 
المنسوبة إليه بالصورة» وإلى الأطلس بالمحاذاة والقسم والحصرء والصور والكواكب المنيرة 
وغير المنيرة» والثمانية والأربعون صورة منها شالي» ومنها جنوبيء والقطبين اللبنوبي 
والشمالي؛ واحرة والعيوقات واليمامية؛ ثم الأشخاص الباقية المتحركة» كل كوكب منهم 
له خمسة أفلاك: الممثلء والفلك المائل» والفلك الخارج المركزء والحامل» وفلك التدوير» 
وتقاطع الجوزهرات والنوهرات وذوات الذوائب» والصحيح أنها تحت مقعر فلك كما 


20 رسائل ابن سبعين 
برهن عن ذلك أرسطو في «الآثار العلوية»» وأثبت أنها من بخار يصل إلى هنالك. وكيف 
بداية هذا الكون على كلام بلنياس في تكوين الكون من محدب فلك الأطلس إلى مركز 
العالم» وكيف دوام الحركة في طول الأزمان حتى ظهر المزيد مما يطول شرحه في كميته» 
وكيفيتهاء وأن الشمس تطلع على قوم دون قوم» وتكون في ساعة على قوم نهار وعلى 
آخر ليل» والمركز ساكن بسرعة حركة المحيط. وظهور المعدن والنبات والحيوان» وينقسم 
المعدن إلى ما يذوب ويحترق» وإلى ما يذوب ولا يحترق» والنبات مما ينجم ويشجر 
ويقوم على ساق» وينقسم الحيوان إلى ما يتكون ويلد ويبيض. 

فإذا اطلعت على علم الحيئة وتخلصت لك هذه القسمة» وجميع ما حللت وقسمت 
لكي تتبين به طمأنينة التأنيس» وترجع بعد خلاصك من القسمة المذكورة إلى قبل نفسك 
تجمع فيها جميع ما ذكر بوجه ألطف, وهي له شبه أنموذجء فتعود إلى الإحاطة المذكورة 
التي خرجت عنهاء وأضربت عن تصورهاء ثم تجد خبرك كأنه الكل» ويحتمل الكل 
وتسمع أمثلة الجميع فيه وكأنه إحاطة أخرى. 

ثم تنظر إلى ذلك تجده يفتقر إلى معنى ما غير معين لكنه يعمه» وذلك المعنى هو 
الإحاطة المذكورة» ثم ترجع فتنظر إلى القسم المشار إليه المدرك خارج الذهن؛ وإلى 
القسم داخل الذهن؛ فتجد روح العالم الكلي وجسمه المطلق يحكمك في أمرك, والوهم 
الذي في هذا الموطن تجده كأنه محيط بالإحاطة المتقدمة» وهو من حيث يحيط وهما 
يمائلك: فإن الأعم والأخص والأصغر والأكبر لا يمنع الشبه» ولا يصل المثلية عن 
طريقهاء وإن تغاير المثلان بوجه ما من جبة المكان والزمانء فلا يتغاير الوجود الذي 
يقال عليهما بتواطق. 

ثم ترجع إلى الوجود الذي ظهر عنه هذا هو فيه أو منه: أما ما يمكن فيه» أو وجب له 
فتجده أعم من الثلاثة» فتكون إحاطة الإحاطات. 

وقد يقال إحاطة حقيقية تحيط بكل إحاطة وهمية» وهذه الإحاطة مع المتقدمة قبلها 
كالقوى المتقدمة مع الإحاطة المتقدمة» وهي التي انصرفنا إليهاء وهي هي فقط ليس إلاء 
ثم ترجع إلى خبرك فتجد الجميع فيه وهو مع هذا يتحرك إلى أكبر وأكبر مما يقال له 
أكبرء وهو الكبير المتعالي الذي يخضع له الوهم المحيط المحاط به» ويسجد له من حيث 
الاستحقاق جميع ما ذكر؛ بل يعلم بوجه ما من جبهة ثبوته ني المغايرة لا غير» وبهذا يشهد 
الحق المطلق بالكلمة الجامعة المانعة الذي تقدم القول فيها وتوسط وتأخر. 

وهذا هو الشرط الذي يدفع به كل شيء من طرفه إلى وسطه» والوسط الذي يجمع 


رسالة الإحاطة 205 
الكل مضافا إليه» ويسلم له في إضافته الوهم الأول والآخرء والظاهر والباطن؛ ويقول كل 
شيء؛ بل كل إحاطة وهمية؛ بل كل إحاطة ثابتة» بل الجميع الذي لم يقف القول فيه 
هالك إلا وجهه الذي لم يمكن أن يئبت معه شيء» ولا يبلك معه شيء؛ لأنه لو ثبت معه 
شيء غيره لكان الوهم ثابثًا بنفسه. والاحاطة مختلطة» والتوحيد مبهلكاء والكنه مختلاء 
وانحال واقعا. 

ولو كان في وقت ماثم زال» لزم أن يكون الحق مؤقنًا والتوحيد والكنهء وما قبل هذا 
ممنوع لا خخير فيه. وقد تبين لك بهذا كله ألا ينبغي لك أن تخرج عنهاء ولا يمكنك ذلك 
لكونك ذلكء فأينما تول فإليها يكن وجهك حتى إلى جهة الإضرابء وإن عين البعد من 
عين الاقتراب» لأنها المتعلق والمتعلق معًا؛ فاجتمعت عليكء» وانجذبت إليك؛ لأنك إذا 
صرفت وجهك عن الوهمية تقع في الأخرى, فإن صرفته عن الأخرى التي هي الحقيقة لا 
تقع في غيرها؛ لأنها جامعة» وحيثما تجد الضمير فيتتقل من الإفكة الصغيرة إلى الإفكة 
الكبيرة حتى يقف الحال بهء فالتي تحصر الجميع حصر الدائرة النقطة» وكالاعتراض 
الشديد السقطة, اعلم أن ذلك في الأوهام المنتشرة المنجرة» وأنه قد حاد عن صراط 
الذين أنعم عليهم الذي لا شيء أرق من نسبته ولا أحد من ستته» فسبحان الذي يتوجه 
به اليوم» ويتضرع لديه وعليه» والعارف يحط رحل خخطته بطويته على الإحاطة» ويقرأ 
على كل خخطة قوله تعالى: (وَقُولُوا حطةٌ) [البقرة: 58]. 

وكما لا يمكن أن يتخطى بالخطوة محيط خط السماءء ولا يبعد المركز أن يتخطى 
بطبعه سطحا ماء كذلك الإحاطة لا يشذ عنها شيء»ء ولا يفوتها شيءء ولا تحمل على 
شيء؛ لأنها حصرت الأشياء» ولا تحمل على شيء؟؛ لأن الواحد في نفسه لا ينقسم في كل 
شيء» ولا شيئًا شيا واحدة من جهتها من ذلك الشيءء وذكر الأشياء وهم من الأوهام 
ذكر هناك للبيان» واضطر إليه بين الثنوية بين مخاطب وعخاطب» فإذا فهم المقصود 
انقطعت العبارات والأوهام في سجن الكافر الذي كفر بعبادته» ولم يصل إلى مقامه. كما 
أن الدنيا سجن المؤمن السالك؛ فمّن علم هذه الصورة» وحفظ بحافظته هذه السورة» 
وأكل من صورة البر؛ بل طاف به صور البر» وحكم موج البحرء وفوج البر وينال على 
هذه النعمة الحمد للعليم بخفيات الصدور الذي يجيب المضطر إذا دعاه» ويثيب على 
كظم نفئات الصدورء ومن خواصه التشتت والاتفاق والإيمان اللحضء ثم الاتفاق. 

تارة يقول: ذمام الدنيا مذموم» وهمامها مهمومء وأخرى يقول: البصير الذي لا يرفل 


206 وسائل ابن سبعين 
في أثواب اللاهي, ولا يغفل عن ثواب الله» وتارة تسمعه يقول: من صحا وصحح أسراره 
محا الله إسراره» ثم الحق لا يعرف معروقاء ولا يفعل منكرًا ولا معروفاء ويخزن سرًا باح به 
معروقاء ويجيب: هذا متح من البحر معروفاء وتبصره في وقت ما على شيء تضحك منه 
في السنة والفرض» وفي أخرى يبكى عليه فيه من أجله إذا فقد السموات والأرض» 
وتبصره قد يخلق بالعلل والكسلء وتخلل بحمله الخلل والذلل» وتصرف في الضروري 
بالملل» وبأقبح ما يكره فيه كل الملل. 

هذا مما يظهر له من جهلهم بدلاً من قبيح يفعله حقيقة؛ ولا من جهله بربه» ومع هذا 
يقول: صل رحمك تجد الله تعالى قد رحمكء» يستقيم في النكرةء ولا يقام عليه الحد» 
ويخلف ني المعرفة» ولا ياخذه الرسمء والحد يمات في الشرء ويحبى في اير ويبعث» 
ويستخلف في الجميع فيبحث» ويحض على سيره إذا سأل عن العارفء فيقول: الله ولا 
شيء معه» من إذا قضيت وفاء لك خخانه الأمل وفاته» رجل يجمع بين الضدين» وينكر 
النجدين؛ ومع هذا يحتاط على محاله احتياط البخيل على جواهر النقدين» تريد تتخلص 
من هذا كله؟ قل: رب مالكء وعبد هالك؛ ووهم حالك» وحق سالكء وأنتم ذلك! 
اختلط في الإحاطة الزوج مع الفرد» واتحد فيه النجو مع الورد» واتفق فيه السفر مع الفرد 
وبالجملة» السبت هو يوم الأحد» والموحد هو عين الأحد» ويوم الفرض هو يوم العرض» 
والذاهب من الزمان هو الحاضرء والأول في العيان هو الآخرء والباطن في الجنان هو 
الظاهرء والمؤمن في الحنان هو الكافر والفقير هو الغني. 

وهذه وحدات حكمية لا أحداث وهمية» والمؤمن الكافر هو الذي يقول: سبحان من 
جعل من كل فرد زوجين اثنين» وجعل من زوج فردين» وجعل من كل فرد زوجين اثنين» 
ولم يكن قط في الوجود ثاني اثنين؛ بل يقول: سبحان الفرد الزوج الحضيض الأوج ثم 
تخرج عن هذا التوحيد المثالي» وتفر عن هذا التجريد الخيالي» وتتصرف إلى قانون 
العبودية المكتفية. وتقول: الكامل الكافر بوجه ما يضر نفسه بمضرتين» ويلدغ من جحر 
مرتين؛ لكونه يريد أن ينفعها بذلك منفعتين؛ لأن الخائف من لدغة الوهم الأول في العالم 
الأول الذي يحجب بالوعيد العبيد الأشقياء» ويضر بالوعد السعيد الصم الأتقياءء حرم 
نفسه الإعادة ففاتته السعادة, وظلمته فتنة العادة بخرق العادة» وا السالم هو الذي يلدغ 
فيموت» ويعدم فيفوت» ويكون بعد ذلك حيّا لا يموت» قسم الوهم أنفع للسالك» 
وحجره أجمع للبالك, وكل ذلك أكمل للمالك؛ لأنه إذا قتل فقدء وإذا حقق فقدء وإذا 
أضرم أوقدء لم تكن النار أوقد. 


رسالة الإحاطة 207 


وبالجملة: إذا نقص إدراكه كمل دراكه؛ فالتوجه إلى هذا اللجحر خيرء والإقامة ني 
الجحر شرء فإنما ما جاء نهى المعصوم عنه وَللْهّ من جهة التكبرء أو من جبهة التعجب. وما 
أراد الكافر إلا على الفاقد الحاحد لنكال الآخرة والأولى» أوكان منه نيا للمتوسطين من 
باب الآخرة والأولى» وكانت كلمة دبرت للضعفاء بحسب عرفهم وأمثالهم ومكالمتهم 
لأمثاهم. 

إيه! الكمال كنه الكائن» والجمال رسم الكامن, والجلال اسم المكين؛ والجليل رب 
التلوين والتمكين. 

إيه! هذه الكلمات كنز من كنوز الجنة؛ بل هي ذات الرضوان والمئّة غير أن ذلك 
لا يصح إلا بفهم الواضعء وبقدر ما يفهم من كلام الوحيد الواضع. 

إيه! إثبات السعادة في التوحيد المحض محض الحرمان. ونيلها في الموحد بكونها كنه 
رضوان الرحمن. 

ليه! لياك أن تنوهم في هذا الرجل ما لا يجمل به ولا يصح في حقه؛ فتكون من 
الخاسرين» والأصلح أن تكون من الحاسدين بالحسن الذي يستحسن بين السعداءء الذي 
تركبت ماهيته من الغبطة» وطلب التشبه بالأعلى» وطلب الأخرى والأولى» لقوله تعالى: 
(وَللهِ الكل الأغْلّى4 [النحل: 60]» والذي يبغي لك أن تعتقد فيه أنه متوسط بين 
الخليفة المستقل» وبين الكيس المنتقل» وهو يستدل من حيث يمتئل» ويمتئل من حيث 
يستدل» وأنه جاز على المعلوم المحسوب. وتوسط في الوجود المنسوبء وتوجه إلى 
الواهب المحبوب, لا بالمكتوب ولا بالمكسوب, وبلغ سبب الأوهام المرشدة» والأفهام 
المنشدة: وهتك الحجاب. وقهر الحُجّابء وفتح الأبواب» وسلم الأسباب» ورحل عن 
مكانها؛ لكونه كان من كيانهاء» وصح له بهذا أن يكون كنه الإمكانات لا كنه الكمالات» 
وأسقط التركيب والتحليل» وبذلك تسمىء وسلم الكنه الكامل باحترامه للمسيء» وهجر 
الحد والرسمء ووجل الوصف والاسمء وتعلق بالأعظم. رغبة في الاسم الأعظمء وألزم 
طبيعته الطيبة المطمثتة الأدب» وجد في الطلب والسبب» وفي نيل الأرب» يغيب تارة 
ويتوحد» ويحضر أخرى ويتعدد؛ ثم يغيب عن كل ذلك, ثم يعود كذلك. 

وجميع الأمور التي سعتني نذكرها عنه التي هي من جنس ما يذم عادةٌ وعقلاء ويحتقر 
فاعلها فرضًا وفعلاء وتتوهم فيه من جبة الإضافة لا من جبة الانفراد؛ لأن القبيح لا 
يسكن في اعتقاده. ولا يتعلق بمراده» وهو يتوجه على تطوراته» ويستقيم في تصرفقاته» وما 
عصى الكريم» ولا أطاع وهماء ولا نسي أصلاء ولا جهل علماء فمتى أبصرت بحر 


208 رسائل ابن سبعين 
البصيرة يتحرك؛ أبشر فإن درته تصعد من حضيض ظلماته إلى أنوار أوجه» ومن مده 
وجزره إلى ساحله وموجه. واحذره أيضًا فإنه كما يدفع يجذب» ومن حيث يوجد 
يُسلبء وتنشد ماهيته بلسان حال حاطاء هذا الخبير الذي يستدعي حصر الذوات» هو 
الحكيم الذي يستوني كنه الهيئات. 

إيه! فإن كان من بعض من كان, فهو الملك في ملكه المكان» وإن كان قد أو ثم من 
بعد» فإنه الملك المكين في الكلمات. 

إيه! الخارج في بقيته المشتغل بالأوهام بعد محاسبته» وجميع ما رفع في مخزن التلف» 
وذمته مستعارة أو بالسلف تسعة أوهام: العقولء والعلم» القياس» والحد» والنفس» 
والعادة» والإضافة» والزمان» والمكان. فإن عجز عن دفعها قبل السفرء ولا يدفعها 
للإحاطة ولا للصورء ويمتنع أن يتوسل في أمرها بالسور أو بالسفرء ويسوف نفسه في 
حرمء ويموت في صفر يخاف عليه أن يعذب عذابه ني لظى أو في سقر. 

إيه! الإحاطة شبه مغناطيس» والموجودات كالحديد» والنسبة الجامعة بينهما هوية 
الوجودء والذي فرق بينهما هو وهم الموجود. 

إيه! العارف يعطف ويتعطفء والمحقق يُسَتَعْطّف ولا يستعطف. 

إيه! من صادر الأوهام سقط حظبها عنده» وكان عظيمها عبده» ومن عكس انتكس. 

إيه يا هذا! أنت به. فإنك له وبه. 

إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! إيه! 

هذه تنبيبهات روحانية» وما بعدها مطلوبها داخل الذهن» وكشفت به المناسبة الإلهية 
وحصاته الأحوال الإلحامية» وني تخالف ما فيها ني المشروع» وتمائله في الموضوع» 
تشارك الضمير بما عنده» وبما يجد صحبتها من الحق الصريح من غير أن يشاركه في ذلك 
عقل العادة. 

. ولما كان هذا التنبيه يشبه الإحاطة؛ ويأتم مهاء أردنا أن نلحق فيه ما هو من هذا القبيل 
وجعلتها تسعة تشبيهًا بشيء ماء وهذه التسعة المذكورة تكلم عند رسمها المتكلم المذكور 
بكلمات» وزعم المغتبط بها يصلها ويسمعها منه» سواء غاب أو حضر أو صمت أو 
مات» فإن الحقائق لا تفقد ولا تفتقر إلى كتبء ولا تفقد بفقد الكاتب» ولا تظهر 
بظهوره؛ ولا تنشر في مسطورء والحقائق إذا وصلت إلى هذا الموضع ينطق عنها الوجود. 
ويحفظ الواقعات. فاحفظ أنت ذلكء» وحافظ عليه. 

إيه! ما تقول الإحاطة المستلزمة في شعر شاعر شعر بشعوره؛ ولم .يشعر بشاعره» 


رسالة الإحاطة 209 


وشك في نائمه وساهرهء وتحير في أمرهء ووجد في ظفره ما لم يجد في خخبره» وتعلق 
بجائزة وطمع في خيره» ثم تشفع بشمائل تشبهه فاستوحشء» فشفعه بالشفيع فتشوشء ثم 
عقله بالوتر فتأنس» ثم عكس وما اتتكسء وكشف المشعور به والشعور والشاعر وما 
تحسسء ولا تجسسء وتوحدت منه النفس والنفيس وأنشد: 
من كان يُبصِرٌ شأن الله في الصور فإله شاخص في أنقص الصور 
بل شأنه كونه, بل كونه كُنْبُهُ لأله جملةٌ هن بعضبا وَطَرِي 
إيه فََبْصرنيء إيه! فأبصرثة إيه! فلم قلت لي: النَفْعُ في الضرر 
قالت له الإحاطة المذكورة: وصلت فالزم» وهمت فاعزم. 
قال لما: العزم في الواقع غير جائز ولا نافع» وقد كنت فكرت في عزيمتي؛ ولذلك ما 
أدبرت في هزيمتي. 
قالت له الإحاطة المستلزمة: جميع ما جاء بواعظة الفكرء وكل ما قيل صحبة القواتي 
والفقّر متصرف إلى محسوب علي» والوهم عيّنه ووقته وأنه. 
قال ا: قد علمت ذلك في الشعور الأول وفرغت منه. 
قالت له: من فرغت منه كنت عنه. 
قال لها: فما المعمول إذَا؟ 
قالست له: قطع التوجه هو الوجه الذي به ترانيء وذلك الوجه توجهه دار إلي؛ فما 
أفتح ضد هذ المقابلة! وما أَمْلحَ جَذب الوهم بالمقابلة! ثم أنشدته؛ وها أرشدته 
وذكرت له بيت لبيد”»» وقرأت عليه قوله تعالى: (وَمَا رَبك بظلام لَلْعبيدِ» [فصلت: 
6 ففهم عنهاء وبذلك كان منهاء وظفر بأمنيته» وزهد في زور الوهمء وكذب أمنية 
واتحد واحده بواحده؛ وتوحدوا بفضل من حضيض العدد إلى ذروة الأحدء ثم نظر إلى 
ماهيته الثابتة في معناه العدمية التي يشار إليها من هويته العرضية الوجودية التي هي آنية 
الممكن عند الفلاسفة» ومبدعة عند الأصولية» وشبه ذلك عند المعتزلة» ومعيدة له عند 
بعض الصوفية» ومقومة عند بعضهمء وهو ولا هو عند الأكثرء وعند بعض المحققين نقطة 
مستقلة ثم قضية مفردة, ثم ما ذكرناه قبل؛ فانكشف له أن الوهم أوهم لواجده حتى لحقه 
الوهم في وحدته. وقسمها قسمين فصار القسم الواحد للآخر كالجاحد, ثم زاد الأمر 
وانقسم.ء ثم صار أكثر من واحد حتى احتاج إلى شاهد؛ وعسر وجوده فإنه موجده وهو 


(1) إشارة إلى حديث: أصدق كلمة قاها شاعر... وقد تقدم بتخريجه. 


2 رسائل ابن سبعين 
بعينه معتده فطليه الشاهد من العلم فامتنع» ثم طلبه من العمل فارتفع» فانصرف إلى 
الشاهد وطلب منه الشاهد فوجد عنده الشهادة» ومات على هذه الشهادة فخضع له 
وطاب وانطبع» وحكم له الحق فجمع القسمين في واحدء وقال له: لم تكن قط أكثر من 
واحدء فعند ذلك قالت ماهيته لهويته: أنت أنا. فسمعتها الآنية» فقالت لهما: أنتما أنا؛ 
فاستجابت لا الإحاطة. وقالت: أنا آنية الآنيات» وهوية المهويات» وماهية الماهيات0"), 
وكل ذلك قل أو كثر معنى واحدء وذلك المعنى هو أناء ومن قال معي أنا أوقعته في العناء 
إلا إن قالهها من حيثئي» ويصرف الشاهد والمشهود إلى جميع الأوهام؛ ويدور بالسلب من 
أجلي, على حينئذ يكون أنا قال لهها: قد كان ذلكء قالت له: فأنت أناء وأنا أنت» وأنت 
وأنا معناه أنا. 

وهذه كلمات نافعة إذا لم تقصرف إلى الافتقارء ولا تنطور في مرآت الوهم 
والافتخارء وتتصرف باللهو واللعب» وتكون مكانتها من الوهم والكذب, ولا خير ني 
خطة غالطة» ومكانة باطلة. 

إيه! جميع ما تسمعه من الرجال يذكرونه في حق المؤمن الكافرء والكافر المؤمن 
حاصله: هو الذي يكفر بما لم يؤمن بما أنزل الله على عبادة الذين اصطفى» وبما 
يجدونه فيما أنزل على نبيه المصطفىء ويكفر بأحوال الرجال وبكونهم يطلقون الكفر 
بتقديم وتأخيرء وباشتراك الاسم» وبجهة وجبهة؛ ويكفر بمّن ينكر طول ظهورهم» 
وتطورهم ومنازلهم ومنازلاتهم وطبقاتهم؛ ويؤمن بغيبه الذي يغيب فيه الغيب» ويحقق فيه 
البذاءة الأصلية والعيب» ويصدق بجميع المراتب» وبكل ما يتعلق بالدور الراتب» ويغتبط 
بإمام أمام أسوة ذي الذهن الثابت» فسلام على عباده الذين اصطفىء ومنهم ممُحب هذا 
الجليل» وارث محمدء وحسبة آدم» وقرة عين الخليل» ولمثله يقال عبد الحليل. 

ليه فقطا! إيه الملة أعظم من أهلها! إيه عز على إيه ليت شعري إيه! فَهمَ البعض 
وجهل الكل بوجه ما. 

ليه للحروف معنى! إيهء وللأسماء أسماء! إيه» والعادة مبهلكة! إيه» ومن انصرف إلى 
نفسه فس عته» الدور عجيب! إيه القرآن كنه الكامل. 


(1) قال سيدي علي وفا ني المسامع: الماهيات هي المراتب القابلة لتجلّي الهويات بما فيها وعليهاء لا 
بحكم الزيادة في كل مقامٍ يحسبه. والمادة كبي لكن بشرط الزيادة» فهي فابلة لحويات عارضة ها 
تُسمى الصور والهيولى استعداد قبول المادة لمقبولاهاء وهي قائمة بالمادة لا بحكم الزيادة» 
فالمادة ماهية اليولى» وافيولى هوية المادة في كل مقام بحسبه. 


رسالة الإحاطة 211 

إبه الله فقط. لا شك في ذلك, إيه! أردت بإيه إن هذه المخاطبات نشأت بين مخاطب 
طابت أنفاسه, وبين مخاطب طيبة أنفاسه! إيه الوهم يضر وينفع الخاطر القوي. 

يقال التوجه شيخ البصير, ذكر أن المطلوب في الخلد محبة الشوق يهدىء ملازمة 
الدعوة عون الله الوحدة حضرة الواحد» وغبطة المتوحدء رسول الله لا ينفك عن 
القصد. ولا يفك أسره خوف. ما بعد العادة حرمان» والوقوف معها نكسء والخروج 
عنها بأس شديد, والاستعانة بها بؤس جديد» وإحالتها مما يجب جد المجيب استجلاب 
الفونسة 

ماهيته الهمة السنية» الأسوة بالواجب: هو التحرق الأكبرء الترفع الكثير ذات الشقاوة 
والنوف والتكذيب والاصطلام عين البعد. 

إقامة الحق في جميع الأمور حكمة محضة مبشرة» لقاء الرجال طبيعة الخير» استسلام 
السالك أصل المناسكء, وقتك من أجزاء ماهيتك» فلا تعامله إلا بالخير وأحوال الحياة 
والسعادة والصعود. 

إيه! الله نقطء لا شك في ذلك. 

ليه! قبح الله الوهم! حرم الذهن والفهم وشغلهما عن تصحيفه وقلبه حتى حال بين 
المرء وقلبه؛ يعقد على المرء حتى يقسم نفسه إلى غير وخلاف؛ ويجعل وحدته تجبر بعد 
الحصول الطبيعي إلى الائنلاف» فمنع الواحد من وحدته» وصرف المستقيم على حيدته» 
قاتله الله هو الضد الغاضب والحق الغاصبء ومن جملة ضرره تغاليطه لمن لم تُحَدقه 
العلوم,ء ولا أدبته المعارف» ولا انقاد برعونته قط إلى عارف, وألفى عنده أن الوحدة 
المطلقة» والواحد من كل الجهات هو هو لا كما يجب, ولا على ما يجبء ولا بما يجده 
في تصوره وتطوره؛ بل بوهم غير محصل كسبه إهمال رتبة للرجال» وإفادة شيعا تستعيذ 
من فتتته فتنة الدجال. ثم يعود بعد ذلك به إلى العبدء بل هو اللهو بل هو السهوء بل هو 
الوهمء بل هو البهمء وهو لا يهمله وني ذاته لا يهمله» وكذلك كل شخص ركب من 
الجهل والعادة ومن البلادة» وبعد العبادة يسوى في التخحسيسء ونفخ فيه روح سلب 
التخصيص. 

إيه! قل أعوذ بالله من ثم أعوذ بالله عن, ثم أعوذ بالله لن. 

ليه! هذا الوهم هو الملك, وهو البحر والفلك؛ وهو الأرض والسماءء وهو القصد 
والعمىء وهو الذر والباء والماء والبرزخ طبيعة البسيط» والممكن والممكنات طبيعة 
المركباتء والإحاطة التي قلنا فيها كبيرة وصغيرةء وآفلة وثابتة» ورئيسة ومرءوسة, 


2 رسائل ابن سبعين 
ومحيطة ومحاط مهاء وعامة وخاصة طبيعة مشتركة» فلا وهم إلا الوهمء ولا إله إلا الله؛ بل 
ليس إلا الأيس فقطء وهو هو الله الله الله الله الله الله الله! هكذا وردء وهكذا وجدء 
وهكذا رُسِمء وهكذا قسمء وهكذا كان وهكذا هو. 

إيه! هذا تقييد قيل فيه الحق» وظبر فيه الحق» وإملاء عبد الحق» وبالضرورة إن الفرع 
محمول على الشجرة» وبالاتفاق قامت شهرة الواضع من ضرب سبعة ني عشرة. 

والسلام على المتكر والمسلمء والغالط والمتغالط» والمهمل والمغتبط» والغافل 
والمتغافل. 

فالسلام علي إذَاء ثم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله: وعلى الجامع الحقائق الأكوان بالقصد الثاني» وعلى 
الوسيلة المرتكزة بالقصد الأول» وعلى طالبها بالقصد الثالثء ثم ذلك وما أشبه ذلك 


وعلى آله وسلم تسليما. 
كمل كتاب «الإحاطة» للسيد الشيخ الوارث العارف سيدي عبد الحق بن سبعين. 
د عد عد 
رسالة النصيحة أو النورية 


وله طند, وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم كثيرا 

نسصيحة نصحها من يحض على الله» ويستجلب حمده لمحل القابل لهاء وتستلزم 
الكمالات. وتعطى أسباها بسعادتين وحكمتين وخبرين باعتبارين وجهتين وقصدين» 
يُحَصلبًا من هي عنايته تجذب الواجب لذاته المرحومة بالذات» ويتردد في مدلوها 
ويتخلق بها من يمكن منه أن يتعرض للخير بالعرّضء وقصدها وجه مدلول شرحها 
ووؤْضعت للعام والخاص» فإنها صالحة بالجميع؛ وهي موضوع الشريعة» ومحمول الحقيقة 
وماهيتها مركبة من الأنس بالله» وسبب الأنس به واللذة الروحانية» والعبادات القلبية 
والسمانية. 

وبالحملة: جملتها صالحةء وتجارتها رابحة» وسعايتها ناجحة والله هو أوها وآخرهاء 
وظاهر قصدها وباطن مجحدهاء وقد حان وقت بَثهاء فنبداً فنقول: 

ياأيها الباحث عن تحصيل كماله» واستجلاب ما يجب كما يجب في الوقت الذي 
يجب ممن يجب بمن يجب على ما ينبغي» عليك بذكر الله الذي علمك وأرادك. وعلمك 
وحَكمك من كل الجهات» وهو بُدّكَ اللازم» ووجودك الثابتء والمنقلّب, وهو الذي 


وسالة النصيحة أو النورية 213 


الكون المهلك والممكن القابل المنقلب» وتحكمك في الرحمة والوجود المطلق» وتصرفك 
في المقيدء وتطلعك على المقدرء وتبلغك إلى أقصى الإنسانية من جبهة التخصيص» 
وبحسب الأمور التي لا من جنس ما يكتسبء ولا من جبة العادة والعلوم المألوفة 
الشريفة والأحوال المذكورة» فاعلم. 

ومن جملة خيراته العزيزة ذكره لك عند ذكرك له في حضرته مع أهله.ء ومن جملة 
فوائده الكريمة ما قال رسول الله يله «خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا 
الله , 

ومن بعض فضائله كونه يفضل الدعاءء ويزيد خيرٌ المتصف به على خير المتصف 
بالدعاء» ومن نوره ونعمته قول الله تعالى: (قَاذْكروني ذْكْرْكُم) [البقرة: 152]. 

فجمع في هذه الكلمة بين الأمر والحزاء والارتباط وشرف الحكمة والكرم المحض» 
أوجب على جلاله ما لا يجب عليه والقطع بالسعادة» إذا حصل هذا الأمر بحسب ما 
ذكرناه؛ لأنه إذا ذكره إنما يذكره مع السعداء فلا سبيل إلى شقاوته» وقد يتفسر هذا بقوله 
تعالى: (هل جَرَاءِ الإحْسّان إلا الإحْسَان» [الرحمن: 0 بوجه ماء ومن نوره وجلالة 
قدره قوله يِلهِ: «من قال الحمد لله رب العالمين فله ثلاثون حسنة»!©. 

وجميع ما جاء ني أم القرآن إما هو لكونها احتوت على كليات القرآن؛ والأسماء 
المظبّرّة والمضْمّرّة والمشتقةء ومن شرفه الأحاديث الواردة في الذاكر وما يعطاه» وما جاء 
في ذكر اليوم والليلة والأحاديث المنقولة عنه يله في الذكر وأوقاته ومواطنهء والظاهر منه 
والباطن» والخفي واجلي» وعدده. 

وما جاء في أسمائه وني ذكره بها وني حفظهاء وما أعدٌ الله في ثوامهاء وهو يسهل على 
الطباع مع كونه يصحبه الأنسر00, ويكاد يمتد مع الأنفاسء والذاكر الصادق هو له 


(1) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (38/6)» والمباركفوري في تحفة الأحوذي (08/9). 

(2) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (288/2). 

(3) قال الشعراني 45 في «القواعد الكشفية» في الكلام على الأنس بالله: إن ذلك لا يصح لأحد من 
الأولياء؛ لما تقدم من الحهل بكنه الذات. 
وقد قال الولي الكامل سيدي علي بن وفا رحمه الله: (لا يصع الأنس بالله تعالى لأحد من 
المحققين» وما أنس إلا بما منه من التقريبات لا بذاته تعالى). 
قلت: وقد أجمع أهل الطريق على ما قاله سيدي علي بن وفا رحمه الله تعالى» وقالو: الأنس لا 


2 رسائل ابن سبعين 
كحياته ووجوده بقدر ما يَُدّر له من العمر والأزمنة له في الذكرء وأمًا إذا وقع التحقيق في 
هذه المسألة فإنه أكثر من الزمان المحسوب لهء فإنه بحسب نيته وخبره» فهو مع كل نفس 
يقول: (الله)! (الله)» ويعتقد فيه ألف ألف» فالله ا يشيع لهنما بريه والكريم لا ينهم في 
أخلاقه. وأيضًا هو يذكره بلسانه» وهو الذكر الذي قلنا فيه يمتدٌّ امتدادّه. 

وآمًا ذكر قلبه فهو الذكر الذي لا يأخذه الحصرء فإنه بالجوهر الذي لا يدخل تحت 
الزمان» فافهم. 

وأيضًا إذا ذكره العبد وبالشيء الذي بعلمه المحقق لا نظير له في الأعمال والفضائل» 
وكل فضيلة يتعب فيها ويطول أمرهاء ويحتاج في سلوكها إلى زمان ليس باليسير والكل 
دونه» ولو فرضناها فوقه في الوصف الواحد لكان هو بسرعته» وما جُعل فيه من الثواب 
يعطيها من صفة نفس وجوده في المكلف. 

مثال ذلك: إذا قدّرنا الصلاة المفروضة صلاة العصر تفضل (لا إله إلا الله) الكلمة 
الواحدة أو الثلاث كلمات أو أكثر بكذا كذا حسنة» أو نجعلها تزيد عليها مائة حسنة؛ 
لكان الذكر أجلء فإنه يقول بطول يومه» بل ببعضه ما يصح به إدراك المائة والمائة ألف. 
فكيف والأمر قد جاء في الذكر بأكثر من هذا! فكيف والذكر هو الصورة المقومة 
والمتمّمة لجميع الوظائف الشرعية! ولا تصح وظيفة شرعية إلا به ومن جملة بركاته: 
طهارة الوقت مما لا يصلح» وإهمال السيئات» وموافقة الملائكة» ونور الله في ذلك الوقت 
وني ذلك المحل من ذلك القلب» وحفظ اللسان وساير الخوارح على جبهة الموافقة 
والإلزام» ومن جملة فضائله التشبه بالله فإن الله يذكر ويصح منه ذلك ويطلق عليه» ولا 
يصح منه الفكرء ومن فضيلته: أنه معقول في القدمء فإن الله تعالى كان يثني على نفسه 


يصحٌ إلا بالمشاكلة والمناسبة» وليس بين الخلق ورءهم مشاكلة ولا مناسية» تعالى الله عن ذلك 
علوًا كبيرًا ام. 

ثم قال: إياك أن تقول أنك أنست بالله تعالى عيئًا؛ فإن ذلك لا يصحٌء وقد سمعت مرة هاتفًا 
يقول: 

(إذا كان كل شيء خطر ببال عبدي فأنا بخلافه» فكيف يصح له:مناجاتي على الكشف والشهود 
والأنس بي) اه (ص 58). 

وقد قال سيدي محمد وفا 45 وعنًا به ني تعريف الأنس: الأنس هو ظهور علامات تشعر النفس 
بنيل المراد» وحقيقته: مد يد الأطماع إلى اقتطاف شر المواصلة» وغايته: تصرف العيد في ملك 
الرب؛ اعتمادًا على التحقيق بصحة اللحبة التي توجب رفع علل المغايرة اهمس. 


رسالة النصيحة أو النورية 2 
ويخبر عن جميع معلوماته» والفكر وسائر الأعمال حادثة إلا ما كان من هذا القبيل» ومن 
فضيلته: أنه من أسماء كتاب الله ون ومن فضيلته: أنه المراد بالقرآن» والقرآن كله هو 
الذكر الأعلى» وهو أجل معجزات النبي فل فإنه صفة «ذات» الله ويد وما عداه من 
المعجزات صفة «فعل) الله وهو من المعجزات الباقية» وغيره من المعجزات الذاهبة 
بذهاب وقتهاء وهو معجزة كانت وبقيت ومن فضالله: أنه هو الذي 21 بعد الموت 
وفي المواضع الضيقة وفي وقت الخاتمة» ومن جملة جلالته أنه في الحيوان العاقل وغير 
العاقل0'): 
وفي كل شيءلهآية تدل عللىائهواحذد 

قال تعالى: (إوَإِن من شَيْء إلأ يُسَبْحْ بحَمْده) [الإسراء: 44]. 

وأمًا من أثبت نطق الموجودات فأمره أعظم في حق الذكرء وأما من أنكر ذلك فقد 
زم ذكر لسان الحال» ومن فضيلته: ثبوته بعد الأعمال في الحنة» وإن كان غيره من 
المقامات يثبت مثل ثبوته» ومن فضيلته: كونه في كل مقام بالقوة؛ لأنه يمشي ويتصل 
حيث تنصل النية لأنها هي القصدء ومفهومه الخبر الصادق» والعزم الثابت» والتصديق 
الخالص» ونحن قد ذكرنا أنه ينقسم إلى ظاهر وباطنء والكلام هو المعنى القائم بالنفئس» 
وهو الدائر ني الخلد بحسب مذهب ماء وكل كلام هو لله أو من أجله أو يذكر به أو 
بوظائفه فهو ذكر. 

وأيضًا إذا قلنا: مقام التوبة» أين الذكر فيه؟ قلنا: التائب يدعو ربه؛ فقد ذكره بلسانه 
وقت نوافله وخلوته. وبقلبه حيث يخبر عن عزمه على الفرار من العودةء وإخباره عن 
الندم» وجملة هذا كله هو حال التضرعء فإن قلت: هذا مقام الدعاء غير مقام الذكر فلا 
يدخل أحدهما على الثاني» قلت له: الدعاء هو الذكر إن لم يقرن مع الطلب» فإذا حرر 
القصدُ وجُرّد الغرضّ كان الذكر الأكبرء وإذا وقع الاشتراك ضعف الذكرء ومقام التوكل 
ذكر الله وذكر القلب مما فرغ منه» فهو يذكر صفته أعني: علمه؛ ويذكر قدره وقضاءه» 
أعني: إرادته» ويذكر قدرته. 

ومقام الرضا يذكر فيه صاحب ذلك المقام حكمته وعدله وحبه في كل حال كان 
عليه» وحينئذ يصح له مقامه» ومقام التوحيد يذكره في وحدته وفي كونه واحد الوحدة» 
بالتصفح والسبر والتقسيمء تجد ذلك كما وجدته أناء ومن فضيلته: أنه يذكر بالعهد 


(1) القائل هو: أبو العتاهية كما في الأغاني (35/4). 


48 رسائل ابن سبعين 
الأول ويظفر بالصديقية» ومن فضيلته: أنه يتطور في القوى النفسانية» وهذا الذكر المحمود 
هو الذي يقع على ما يجب ويتعلق كما يجبء لا الذي يصدر من غير المعتقد أو يتوؤهم 
به الممنوع العقلي أو الشرعيء وإنما الذكر المراد هنا المحمود من كل الجهات» وإن كان 
الذاكر من العلماء أو من المتوسطين أو دون ذلكء. الخير فيه إذا تم على سداده من جهة 
معقولة» ومن فضائله عناية ربنا وَبََ بالمؤمنين بقوله: إيَا أَيبَا الذينَ آمنُوا اذْكُرُوا الله 
ذكْرًا كَثيرا [الأحزاب: 41]. 

ومن فضائله كون رسول الله يله ذم آخر الزمان بعد الذكر فيه بقوله: 

دلا تقوم الساعة على أحد يقول: الله! الله!» (©. 

ومن فضائله قول رسول الله يكَلةِ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم 
وأرفعها في درجاتكم» وخير لكم من إعطاء الذهب والورق» وخير لكم من أن تلقوا 
عدوكم فتدقوا أعناقبم؛ ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى! قال: ذكر الله0©. 

فهذا المختار قد اختاره لنا؛ لأنه قال: أرفع الأعمال» والعاقل يختار الذي يختاره له 
المرشدء وشهادة النبي وَلٌِ صادقة» وهو لا يخبر إلا عن الله فالله قد أخبرنا بمثل ذلك» 
فأي دليل نطلب بعد نصيحة الله ورسوله! وأي [رشاد أرشد من إرشاد الله ورسوله؟ 

ثم فضله على الصدقة وعلى الحهاد وعلى الشهادة؛ لأن الذي تضرب عنقه لا يعيش» 
وهذا إذا سلم من المشوشء وحرز من الاعتراض لا شيء أظهر من فضله فاعلم. 

ومن فضيلته: قول رسول الله يله «إذا مررتم برياض الجنة فارتعواء فقيل له: ما 
رياض الجنة؟ قال: مجلس الذكر»©. 

ومن فضيلته: أنه لا يفوتك حتى في المواضع الغير طاهرة» فإنك مُنعْت أن تذكر الله 
بلسانك في موضع الحاجة» وأمرت أن لا تغفل عن الله طرفة عين» فبقي لك ذكر القلب 
أو ذكره بالاسم المضمر كما جاء وقد جاء بالاسم الصريح» ومن فضيلته: أنه يدفع البلاء 
عن العبد إذا طاف به فتعود رحمة الذكر عليه تحفظه: وقد جعله الله للمؤمن الذاكر غطاء 
كامئًا وحرمًا آمنّاء 

ومن فضيلته: أنه يَنْقل من الغيبة إلى الحضور ثم إلى المشاهدة» ومن فضيلته: أنك إذا 


(1) رواه مسلم (131/1)» وأحمد (162/3). 
(2) رواه الترمذي (459/5) وابن ماجه (1245/2). 
(3) رواه الترمذي (532/5)) وأحمد (150/3). 


وسالة النصيحة أو النورية 2 
ذكرت الله حتى تنسى به كل شيء أهمك الله به كل شيءء وملّكك كل شيء صالحه ومن 
فضيلته: أنه قياسك مع ربك في المقابلة والمصاحبة والاغتباط» وبقدر ما تجد نفسسك في 
الذكر ومع المذكور هو لك كذلك, وأنت معه على هذا القياس» وقد جاء في الحديث 
القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي( الحديث. 

ومن فضيلة الذّكر قول رسول الله يه حاكيًا عن الله تعالى: «أنا جليس من 
ذكرني»”/ فالمصلي ما هو جليس الله إلا من حيث ذكره فقط 

ومن فضيلته: أنك تذكره بوضوء وغير وضوءء وطاهرا وغير طاهرء وعلى جملة 
تصرفاتك إن كنت واقفا أو قاعدًا أو راقدً؛ أو على جنبكء. فافهم. 

ومن فضيلته: أنه يتقدم على أوقات الصلوات أعني: الفعل وهو في وقتهاء والذي هو 
الأمارة» والسبب المظهر للحكمء وهو الذي لا يقنع بغيره من الوظائف في دعوى 
الإسلام من الكافر وإن صام وحج وجاهد ودفع زكاته حتى يُسمع يقول: ولا اله إلا الله» 
أو ييصر يصليء وما ذلك إلا لما يُعْلّم أنه يذكر الله فيها أو لكونها تتضمن الذكرء فاعلم 
ذلك. 

ومن فضيلته: كون الاسم الأعظم أجل المكاسب,ء وهو ذكر الله المحمول على الماهية» 
ومن فضياته: كونه لا يتقيد بزمان بخلاف بعض العبادات» وكل وظيفة شرعية يخصها 
وقت ما كشبر رمضان مرة في السنة» والحج مرة في العمرء والزكاة في السنة» والحهاد في 
وقت دون وفت وقد يجب ولا يجب» والصلاة خمس مرات في اليوم والليلة» والذكر مع 
االقس ويثبت في دار الجزاء» وينفع قبل الموت» وفي حال الموت» وفي القبر» وفيما 
يُعده ويُتْحف به الرجل الرجل» والوالد الولد وبالعكس. 

ومن فضيلته: ما جاء في الخبر أن جبريل اكد قال لرسول الله يَلهِ: إن الله تعالى 
يقول: «أعطيت أمك يا محمد ما لم أغط أحدًا من الأمم فقال: وما ذلك يا 
جبريل؟)»7 قال: قوله تعالى: لإقَاذْكُرُوني ذْكُرَكُم)» [البقرة: 152]» ولم يقل هذا لغير 
هذه الأمة. 

ومن فضيلته: أن الملك يستأذن الذاكر في قبض روحه. 


(1) رواه البخاري (2634/6).» ومسلم (2061/4). 
(2) رواه البيهقي في الشعب (451/1)» وأبو نعيم في الحلية (37/6).. 
(3) رواه الطبري في تفسيره (65/9)» وذكره المناوي في فيض القدير (308/4). 


28 رسائل ابن سبعين 

ومن فضيلته: ما جاء عن موسى الكيكقة إنه سأل ربه: «أين تسكن؟» فأوحى الله إليه: 
وني قلب عبدي المؤمن”». 

ومفهومه: ثبوت الذكر وتحيّر اللب في الذي يجب ويجوز لله ويستحيل في حقه 
وكونه لا يسعه أن يذكره بأكثر من الذي يجب له ولا مثل الذي هو عليه فتحقق أنه دون 
ذلك. 

فنقول: المطفف لا شيء يصح له ولا المقتصدء والنصيب الصحيح في المقصد. ومن 
فضيلته: أنه بقدر ما يكون من الذاكر يستخدم الملائكة في غرس الأشجار» وقد جاء أن 
الله َل قال: «يا ابن آدم! مأ أنصفتني: أذكرك وتدساني»7©. 

ومن فضيلته: أن الحلاوة انحصرت فيه وفي قراءة القرآن وفي الصلاة كما جاءء وإذا 
نظرت إلى هذه الثلاثة تجدها مفهوم الذكر وهي هو. 

ومن فضيلته: ما جاء في الرقاء وما يحفظ به من الدجال» ومن فضيلته: أن النوع 
الواحد منه يشبه عبادة أهل الملكوت والعالم المفارق» فإن تلك الذوات ذكراة بالنوع 
المحمود, وبذلك يفضل جميع الوظائف الشرعية» فإن جميعها لا يطلق على تلك الذوات» 
وإن أطلق على جبة التشبيه» وذلك التشبه لا يتعلق إلا بالوضع والقصد لا أنه على المعنى 
من كل الحهات أو هو يقع على معقول الشبه المألوف؛ بل بالذي قلناه فقط. 

وقد نقل عن بعضهم إنه قال: يقول الله كَْكَ: «فإذا كان الغالب على عبدي ذكري 
عَشقني وعشقئهع2. 

ومن فضيلته: أنه عند بعض أهل الحق إذا أهمل من أعظم سيئات المقربين» ولا شيء 
عندهم أعظم من إهمال ذكر الله. 

ومن فضيلته: أنه عنوان القلب» ولسان الصدقء ومعلول علة ذكر الله» وني بعض 
الكتب المنزلة: «واذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب, واذكرني حين ترضى 
أذكرك حين أرضىء وافرح بنصرتي لك فإنها خير من نصرتك لنفسيك»20©. 

وجد بعض الرهبان وهو يستغيث فقيل له: (بماذا؟)» فقال: «ذكرته وصمت بين 


(1) ذكره المناوي في فيض القدير (496/2)» والعجلوني في كشف الخفا (4311/2). 

(2) ذكره المناوي في فيض القدير (494/4)» والقزويني في التدوين في أخبار قزوين (193/1). 
(3) رواه أبو نعيم في الحلية (165/6). 

(4) رواه أبو نعيم في الحلية (65/3). 


رسالة النصيحة أو النورية ! 2 
الذكر بقدر ما يفوت فيه قدر ذلكء» وزمان الغفلة عن الله حرمان عظيمء فإني ببعض 
أحوالي محروم» وني يومي هذا أعوذ بالله من هذا اليوم». 

وقيل لراهب آخر: «أنت صائم؟» فقال: «أنا صائم بذكر الله» فإذا ذكرت غير الله 
أفطرت». 

ومن فضيلته: أنه انزل على موسى حكمة في يوم الثلاثاء وكلمه يوم الخميس» قال 
ذلك عنه صاحب «دلالة الجائر ين»” 

وقيل لبعض أحبار اليبود: «اعبد ربك1»؛ فقال: «قد فعلت ذلك ني وقتي هذا ثم 
قيل له في ذلك فقال كذلكء فقيل له: «وآى لك هذا! أنت تباهت»؛ فقال للقائل له: 
«أنا ذاكره؛ وعادته معي تمكنني بالإدراك من كل شيء حال ذكره». 

وقيل لبعض الحكماء: وما تفعل لو أنك تُحمّل وَتُجْعَل في جزيرة منقطعة» وتفقد 
المؤانس وجميع الطيبات؟»6» قال: «نتشبه بالعالم العلوي»» قيل له: «كيف تذكر؟» قال: 
«اذكر عيني وشيئي وظاهر ماهيتي ومعلومي الذي أبحث عنه إلى الذي لا أول لوجوده. 
ونجد الجميع» ونتشبه فيه بأشراف الذوات»» قيل له: «وكيف يحصل لك ذلك؟» قال: 
«إذا أنا ذكرته استقامت نفسي على طريقة أهل الكمال وتذكرت واستجاب الأمر فيهاء 
وبذلك يحصل ها التعلق بعالمها فيعود الأمر من قوة الاستغراق إلى الحال الشبيه بالنوم 
فتركد التوارح ويقع الكشف» ولا شيء أجل من هذا كلهع. 

ومن فضيلته: تجديد اللذة في كل لحظة. 

ومن فضيلته: أن لذته روحانية» وهو مذكرة بأموذج من جلال رجال الله» ومن 
فضيلته: أنه يفعل في البدذعيء ويوجد في الكفارء وإن كان الكافر يطلق الذكر على غير 
وجهه ولغير الله» فالأمر إليه يرجع. 

ومن فضيلته: أنه يوجد في الإقرار» لأن الحكمة تشهد أنه إذا غضب المبطل في الحق 
أنصفه المضمار المفروض في الوجودء وإن لم يقم بالمبطل قام بماهيته الوجود ويشهد له 
لسائها. 

ومن فضيلته: أنه يتعلق بالكواكب وبجميع الصور والكواكب العلوية وبالمتحيرة؛ 
وبالقوة فيتتفع به الذاكرء وإن كانت المنفعة غير معتبرة فشرف الذكر فيها ظاهر. 

ومن فضيلته: أنه لا يصح من أحد إلا ووقته فيه محفوظء وإن قدرناه يموت فيموت ني 


(1) هو لموسى بن ميمون القرطبي الإسرائيلي (تحت قيد الطبع بتحقيقنا). 


2 رسائل ابن سبعين 
الوقت المختار المحمودء وهو يذكر الله والله يذكره. 

ومن فضيلته: ما جاء عن جعفر الصادق 4# الذي حكاه جابر بن حيان7!) أنه كان 
يتكلم في جميع العلوم عقيب الذكرء وسأل بعض الفلاسفة في يو حضوره للناس بمحضر 
الجميع منهم فقال له: ما دليلك على أن للعالم فاعلا مختارًا يختار حدوثه؟ فقال: أرايت لو 
أنا قدرنا لما المحدث الذي يختار ويدبر الأكوان» وهو حكيم لا يفعل إلا الأولى» ويتقن 
المصنوعات أي شيء كان يظهر في هذا الوجود؟ وهذا مني على صورة الفرض لا على 
أنه على صورة الدليل. 

قال له الفيلسوف: كان يفعل ما ينبغي ويتقن الأشياء» ويضع كل شيء في محله» قال 
له جعفر الصادق: فقد كان ذلك وما قدرته قد وقعء وجاء عنه ذه أنه كان يومًا يذكر 
الله فجاءه بعض التاس فقال له: ما أقوى دليل على وجود الله الذي أنت ذاكره؟ قال له: 
وجوديء وذلك لأن وجودي حدث بعد أن لم يكن, بأي فاعل؟ يمتنع أن يُقال فاعل 
وجودي أناء لأنه لا يخلو إما أن يقال أحدئت نفسي حالما كنت موجودّاء أو حالما كنت 
معدوماء فإن أحدثت نفسي حالما كنت موجودّاء فالموجود أي حاجة له إلى الوجود؟ 
وإن أحدئت نفسي حالما كنت معدوماء فالمعدوم كيف يكون موجدا للموجود! 

فدل على أن الذي أنا ذاكره هو الذي نشير إليه بالاشتقاق» وهو الصانغ الفاعل 
لوجودي ووجود غيريء كَبْكَ ظاهر لا بتأويل المباشرة» باطن لا بتأويل المباعدة» يسمع 
بغير آلة» وييصر بغير حدقة» لا تحده الصفات» ولا تأخذه السنات» القديم وجودهء 
والأبد أزله الذي آَيْن الأين لا يقال له: أين كان. 

ومن فضيلته: ما جاء عن بعض الملوك مع بعض الرجال كان يذكر وبه» ويحض 
الناس على ذكرهء فقال له الملك: لمن أنت ذاكر؟ فسكت عنهء فقال له: «كلمني!»» 
قال: «أنا أفكر في هذا البستان الذي كان خرابّاء ثم من بعد ذلك صار من أخصب 
المواضع ومن أرفعهاء وذلك من تلقاء نفسه». 

قال له الملك: «أنت مجنون» قال له: «بل أنت ذلك الذي ترتع في بستان وجود الله 
وتسأل عنه»؛ فأعطاه الجواب» وكان يذكر فلم يقطع غيره؛ والله يمده بالغيب الكريم. 

وقد حكى عن علي كرم الله وجهه وهو يذكر أنه قيل له: «هل تذكر من تبصر أو 
تعلم؟» فقال: «لم أعبد ري لم أره»» فقيل له: «كيف رأيته؟»؛ فقال: «ما رأيته بمشاهدة 


(1) له عدة رسائل (حققنا مجموعة كبيرة منها) تحت قيد الطبع (دار الكتب العلمية). 


رسالة النصيحة أو النورية !2 
العيان» ولكن رؤية القلب بحقائق العرفان»» فقيل له: «صف لنا هذا المذكور»» فقال: 
«إن ري لطيف الرحمةء كبير الكبرياء» جليل الجلالة» قبل كل شيء ليس له قبل» وبعد كل 
شيء ليس له بعدء ظاهر لا بتأويل المباشرة» باطن لا بتأويل المباعدة؛ يسمع بغير آلة» 
وييصر بغير حدقة, لا تحده الصفاتء ولا تأخذه السّناتء القديم وجوده والأبد أزله» 
الذي أين الأين» لا يقال له أين» وكيّف الكيف. لا يُقال له كيف». 

هذا حكاه جابر بن حيان في «الهدايةي» وابن الخطيب في «المطالب العاليةم» وحكى 
مثل ذلك عن طبيب كان يعرف اللهء وكان إذا ركب الأدوية يذكر الله وينفعل للذكرء 
فقيل له: ما الذي حملك على الذكر إذا ركبت الأدوية وتنفعل لذلك» قال: وأستعين بذكر 
الطبيب على العلة» وأيضًا أبصرت الإهليج المحفف يطلق, واللعاب الممسك يلين فعرفت 
أن الأمر آخرء وأيضًا ذكرته لأني عرفته بحيوان صغير وضع السم في أحد طرفيه والشفاء 
في طرقه الأخخر» وعني به النتحل. 

ومن فضيلة الذكر إن بعض الملوك» وقيل هو الموفق بالله حج؛ وكان قد حضر عنده 
جماعة من المنجمين» فأضمر لهم ذكر الله وقال لهم: أنتم تقولون إن الإنسان يضمر في 
قلبه» وتخبرونه بما أضمر؟ قال له أحدهم: نعم يا أمير المؤمنين» فقال: قد أضمرت فهل 
من يكشف ذلك؟ فتكلم كل واحد منهم فلم يصب فقام أعظمهم, وهو أبو معشرء والله 
أعلم؛ فقال: أضمرت ذكر الله؟ فقال له: صدقتء أخبرني كيف اطلعت على هذاء فقال: 
لأنك لما أضمرت أخذت ارتفاع الوقت فوجدت نقطة الرأس في وسط السماءء ونقطة 
الرأس شيء لا ترى ذاته ويرى أثره وخيره» ووسط السماء أرفع موضع ني الفلك فعلمت 
أنك أضمرت ذكر موجود لا تُرى ذاته؛ بل يرى أثر خيره ورحمته» وذلك الموجود هو 
أرفع الموجودات» وليس هذا الموجود إلا الله تعالى. 

ومن فضيلته: أنه ينفع في سبع خواص من السيمياء» ويفسد تسع خواص من السحرء 
ومن أراد استعمال قوى الكواكب بحسب صناعة أهل العلم الرياضي لا بد له من الذكر» 
وذلك بعد الدستورية أعني: أن يكون الكوكب في بيته أو شرفه في الوتدء وينظر الكوكب 
إليه من بيته أو شرفه من الوتد كالزهرة في الميزان في الطالع» وزحل في الجدي أو في 
الميزان» والمريخ ني الجدي. واعلم أن الكوكب إذا كان في الحيز أو البرج أو الدستورية؛ 
كان أظهر فعلاًء وأقوى تأثيرًاء ثم يعمد إلى اتخاذ الصورة والاسم والبخور والأفعال. 

ومثال ذلك برج الثور تستعمل صورة إذا كان في الوجه الثاني ويريد الحكيم أن يخدم 
أمره؛ يتخذ صورة ثور مضروب الوسط ويناديه: «لرلرل»» ويبخر بذنب الفأرة ويفعل 


22 رسائل أبن سبعين 
الأمور المبلكة بإذن الله ويقول في جميع خدمته: يا حمر لايل؛ يا دبر لايل» يا جبر لايل» 
مفهوم ذلكء يا مالك القوى السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية والذوات العارفة بك 
والتي فوقهاء يا نور النور. 

فهذه من بعض فضائل الذكر عند من لا علم له بالمذكورء والله قد ربط عادته في 
تعظيم ذكره عند المؤمن والكافرء ويكون الأمر من حيث الحق في غاية التمام والحسن» 
ومن حيث الذاكر الذي يذكره على غير ما هو به في غاية النقص» فإنه تعظيم ذكره. ولا 
يسأل عما يفعل» وذلك لزيادة جلاله» وأكثر من ذلك الحماد له بلسان الاستحقاق. 

وبلغني عن النود أنهم إذا عزموا على وضع المياكل لا بد لحم من أسماء يذكرونها 
وحينئذ يضعونهاء وتلك الأسماء: «إواه بد الأبد الأوحدان هرشان أورهشان». 

ومفهومه: «يا من من أجله أحرق الطائع بشرته. وتوجه لبعض مخلوقاته الشريفة» أنعم 
علينا بنسمة منك لناء وتفصل في أحوال أرواحناء يا أصل كل شيء ولا أصل له. يا بد 
مفهومه. يا من يقوم به الأشياء وهو في كل شيء بشيئيته». 

والسودان إذا أرادوا أن يتخخذوا الصور العجيبة يكتبون أسماء الله على وجوههمء وتلك 
الأسماء موروثة عندهمء وهي جملة: «ياشي فاشي ير يرجع شعشاع». 

مفهومه: «من ذكر الله فر منه كل عدوء فأمد الله يقدر ولا يقدر عليك». 

والإفرنج لا يصح للبابة منهم المكانة حتى يذكر ربه بلسانه ثم بلاهوته: يذكره بلسانه 
حتى يغيبء وبلاهوته حتى يصيبه شيء شبيه الجنون» يذكر الله بالأقنومية: وهي صفة ذاته 
وما أشبه ذلك وهذا كثير جدًا. 

وكان سقراط يقول في كل صباح: «أنا الدليل بالذات وأنت العزيز بالذات» فلا 
تجعلني بعزتك من السعداء بالغرضء يا من هو صورة كل شيء» وقياس هذا العالم» 
ووجوده القريب» احجبني عن كل ما يقطعني عن كمالي». 

وكان يكثر قول: «أنت أنت أنت ». 

فقيل له: ما هذا الكلام المهمل المبهم؟ فقال: «هو يحدثني بما وجب له عندي» وأنا 
أكلمه بما وجب له علي» فإن ذكرت نفسي نجدها قد استحقها فتقول: «أنت ليس إلا» 
وإن ذكرته هو تجده قد استجاب عندي» وهو ماهية ما أنا عليهء والعالم بسبيله؛ فتقول 
أنت»» قيل له فقل: «هو»» قال: نشعر بغيرٍ نحادثه على المخصوص. 

وكان أفلاطون يقول: ويا نور العالم» يا سبب الكلء يا مبدرع المثل والتوابع» كم ذا 
نتجرد ونعود إلى هذا الجسم ونرجع في عالم العقل إليه» قوني بحيث أثبت عندبك ولا 


رسالة النصيحة أو النورية 223 


أعود» فإن صرفتني إلى هذا الميكل فاشغلني بكء وأهمني بالرجوع إلى حالتي التي انصرفت 
من حضرتها الشريفة» يا غاية العقل والعلم» يا لذة الهمة» يا أمل الحكمة». 

وكان أرسطو يقول: «يا علة العلل؛ يا أزل الأزل؛ يا سبب أول يا واهب العقل؛ قني 
نارك يا من تكرم علينا بالوجود, لا تهمل نفوسنا في عالم الطبيعة؛ وخصصنا في حضرة 
الجود». 

وبلغني أن الحرامسة كانوا يقسمون نهارهم وليلهم إلى زمان الذكرء وزمان معرفة 
مدلوله بينهم؛ وزمان اختيار ذكرهم» وتحقيق حقيقة قبول المذكور عليهم بوارد طارق أو 
حال خارق أو إشارة في الكون أو ملك مخاطب أو زيادة رحمة أوخير مكتسبء ولكل 
نبي دعوة» ولتلك الدعوة ذكر خاصء وساعات الأنبياء لا يمكن فيها المناجاة» لأن 
اللطائف إذا تواردت على المحل لا يسع العارف إلا الذكرء وبلغني أن آدم اللي كان 
يقول: «اللهم أرحني بجنتك التي لا يتوقف فيها ذكركء ولا نفقد فيها ذاتك» يا من 
أسجد الملائكة لعبده» وهو يعلم منه أنه يعصيه بعد ذلك يا من كرمه لا يتوقف على 
الجزاء والمسئلة» ولا يستند إلى ما يقل ويكثرء يا واسع الخيرء يا رحمنء يا حليمء يا الله». 

وكان إدريس اللي يقول: «علمت أنك العلي الكبير الشأنء المنعم على كل ذات 
حادثة, العالم بكل الكائنات» الذي له الملك والحمد» فأنعم على بما علمتني» وخلصني 
من ملاحظة غيرك يا ذا الملك والسلطان». 

وكان نوح الكيئل يقول: «اللهم أنعم علي بالصبر حتى نفرح في الدنيا والآخرة بدعوة 
الحق» يا حق» يا مدبر الخلق ولو في رجل واحدء يا الله يا اللهء يا ربء يا رب». 

وكان يقول في السفينة بحسب ما ثقل: «اللهم سلم وأنعم علينا بالعاقية» وادفع عنا 
غضبك: لا طاقة لنا عليه, وانظر بعين رضوانك إليناء يا رحيمء يا رءوف». 

وكان يقول بعد سلامته: «يا وهابء يا محسن للمذنبين» ثبتنا على طاعتكء ولا تهملنا 
وعافنا». 

وقال عند موته: «سبحان الحي الذي لا يموت 6. 

وكان إبراهيم الخليل الكل يقول: «اللهم بحق كلمات الصحف آنسني بك» وبلغني 
غاياتي في جوارك» وارحمني بحضرة رضوانكء واجعلني في الأرض أسوة صادقًا يجذب 
عبادك إلى رحمتك» وحدثني في سري بما تكشف به عن ملكوت السموات والأرض» 
واجعل ذريتي صالحة» والذبيح الكَهقة كان فداه ذكر ربه في قلبه بصفة الرضا. 

ويعقوب ال قسم ذكره لربه» وحبه ليوسفء فكان عذاب باطنه لأجل المساواة» 


22 رسائل ابن سبعين 
وكذلك يوسف الكل: طال أمره لكونه ذكر غير مذكورء فغار الحق على ذكره له» 
ولكونه وقعت فيه المشاركة» وهذا في حق يوسف اللو مما يحمد؛ لأنه عاتبه على المباح 
فدل على أنه اصطفاهء والكلام عليبما يطول ذكره لا أنه من قبيل القصص المذكورة 
الذي تعظمه العامة؛ بل من قبيل التحقيق الذي تعظمه الخاصة. 

وكان موسى الكتتاة يقول: «نذكرك في القلب مرة؛ ثم نبصرك به. فأنعم علي بالنظر 
إلى وجهكء كما أنعمت على المذنيين من عبادك». وما ذاك إلا أنه غاب ذكره في بصره 
فأبصر الحق بالحق» وطلب ذلك من جميع الجبات. 

وكان هارون الكل يقول: «اللهم أرح عبادكء ومهد بلادك». 

وكان اكت يقول: «ذكر الله شريعة القلوب ونصيبها من نور الله» اللهم طهر قلوبنا 
بذكرك حتى نذكرك بما تحبه كما تحبه». 

وني التوراة: ذكري رحمة للعباد لا يصلح معها عذابي» فأوحى الله إلى موسى الكليقلة: 
«اذكرني فإن بذكرك لي كلمتكء وبه تراني وأنا مع الذاكرين»» فقال موسى الكللة: «يا 
رب أنعمت فتمم ليء ما ليس لك فإنه مثلك» وليس لك مثل نفسسك»؛ فأوحى الله إليه: 
«من استند إلي كفيته» ومن ذكرني فقد بلغ إلى حضرتي». 

وكان داود الكتكك يقول: «الحمد لله على حمده. وعلى ما بعده» فأوحى الله إليه: «يا 
داود» احمدني وزد في حمدي» فقال: «يا رب» وهل يستطيع أحد على حمدك, فإنما حمدك 
نعمة من النعم»؟ فأوحى الله إليه: «علمت ذلك فقد حمدتني». 

وني الزبور: «يا داودء أنا عند ظن عبدي فليظن ني خيرًا»» ومعناه: أنا بحسب ما 
يخبر عني ويذكرني» وفي الذابور: «يا داودء أنا بدك اللازم فالرم بدك». 

ومفهومه: اخبر عن واجبه فيك وعن استحقاقه لك. وهذا هو ذكر القلب» وذكر 
بعض أهل التحقيق إنه كان إذا أراد أن يفعل الأمور العجيبة يتكلم بكلام غريب» 
وبحروف مقطعة فيفعل الأمور الغريبة يِه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. 

وسليمان الكل فعل بالذكر والاسم والخاتم ما سمعتء» ودعوته كلها ذكرء وبه علم 
منطق الطيرء والذكر المشترك, والنطق العام المقول على كل موجود؛ بل على كل معدوم 
بوجه عام» وبلغني أنه كان إذا عزم على الحركة» ويريد تصرف الذوات التي حصرها عالم 
الكون يتكلم بكلام خفيء ويستدعى الجميع أسرع من الطيفء وأفاد ذلك لبعض خدامه» 
فكان يفعل» حتى كاد أن يفعل فيه» وكان يذكر حتى يفعل في الموجودات» ويظهر فيها 
العجائب. 


رسالة النصيحة أو النورية 5 

وكان في خاتمه, مكتوب: من علم الله» علمه الله علم ما لم يعلم» وملكه ناصية كل 
مليك» وخلص ملكه. وجمع له بين ملك الدنياء ونعيم الآخرة؛ ومن ذكره بحسب علمه؛ 
زاد له من ذلك» وأيده بروح منهء وذكر الله: هو الروح الحافظ. 

ومات زكريا اليكل وهو يقول: «الحمد لله الذي جعلني من عباده الصالحين». 

وني الإنجيل: «لا خير في عبد لا يذكرني»» ولا يدخل الجنة من ذكر غير الله أكثر من 
الله» فكيف. 

وني الحديث الصحيح: «ما من ساعة تمر على العبد لا يذكر الله فيها؛ وكانت عليه 
حسرة يوم القيامة» وإن دخل الجنة»7". 

وذبح يحبى لقثلا وهو يقول : «مولاي» رحمتي بالقرب منك فارحمني بجميل اللقاءي, 
وذكر الله جنة لا تصيب بها مصيبة لمن يخص بها. 

وفي الإنجيل: «يا عيسىء اذكرني كما يذكر الولد الوالد». 

وفيه: «نسمة المؤمن محل الذكرء ومحل الذكر حضرتي». 

وفيه: «الحكمة الصادقة ذكر الله مع أهله. وني وقت الغفلة بين الغافلين». 

وكان لقمان ايك يقول لابنه: «لا تطلب الحكمة في بطون الأوراق» ولا تسمعها من 
الألسنة؛ ولكن انظر الصنعة» واذكر الصانع يرشدك لكل شيء». 

وأصحاب المسيح عبادتهم الذكر والسياحة والتجرد والصوم واستماع الهواتف 
والطوائف والبوارق» وهي الآن سنة الرهبان. 

وإذا ذكر الله وقع الحلال في الضمائرء واهتزت الأرض بالكنه اللازم لماء والملكة 


الواجبة في الأشياء الظاهرة مها. 
شبد له بالإيمان يوم القيامة» . 


وقد قيل في قوله تعالى: (إقَمَا بَكَسَ عَلَيْهِم السّماء وَالأَرْضْ» [الدخان: 29]: إنه 
الذكر في موطن التعبدء وقد قيل: هي العبادة» وكيفما كان الأمرء الذكر لا يفوت أمرهء 
كان بسيطا أو مركيًا.' 

وأما نبينا يَلِدٌ فقد بدأت بهء وبكتاب الله تعالى» وقد جاء في ذلك من الأحاديث ما لا 


(1) تقدم نتخريجه. 
(2) لم أقف عليه. 


2 رسائل ابن سبعين 


يحصى عددها. 

وكان الصديق #5 يذكر في نفسه ويقول: «أسمع من أناجي». 

وعمر 5 كان يذكر بالجهرء ويحارب عدو الله الشيطان. 

وعثمان ##كان يقوم الليل كله بالقرآنء» وهو الذكر من جبة الاسم والمدلول 
والجميع. 

وعلى 5ه خطبته معروفة» وذكره لا يمكن أحذا أن يستريب فيه» والسلف الصالح 
كذلك كلهمء ورجال الرسالة الذكر عندهم مقام كريم» وهو لا يترك في السلوكء ولا في 
الوصول؛ لأن كل واحد من الواصلين يذكر ما هو بسبيله» ولو بالقلب ولو بالمذكور ولو 
بإخباره عن قطعه. ولو بالوقفة» وبالجملة لا بد من الذكرء وهو يتقدم ويتأخرء ويقارن 
المقامات واللذات والأحوال والجميع. 

وأويس اد كان مقامه الذكر المفرط والبكاءء» وكان فكره يتأخر عن ذكره» ومات 
وهو مقدم أسوة لأهل الطريق» وذكره فكره معًاء فافهم. 

من فضيلته: كونه فرضًا عليك: مفرداء ومركبًا: تارة وحدهء وتارة بإضافته إلى عبادة 
أخرى» وهو أول ما تستفتح به الرسل لعباد الله» وأما اللحدث فينقل فيه الوجوب والندب» 
والفقيه يوجبه عند تذكر النعم» وفي الصلوات المكتوبة» ومن حيث المسلمء ويحمده إذا 
أفرط» وإن استغرق فيه الوقت كما يجب» وهو عنوان السعادة عند الموت» وهو الأول في 
الدين» والآخر من أول ما يطلب المكلف به. وعند الموتء وهو ظاهر في اللسانء وباطن 
في الحنان» فقد ظهرت فضيلته في صناعة الحديث والقياس» وفي الأحوال» فإنها تكشف 
فضله. وتحض عليه ونجر إليه. 

وبالجملة: فضله في العقل والنقل والإجماع والقياس لا يخف إلا على بحنون أو محروم 
أو مباهت أو بطال أو جاهلء وأعوذ بالله من هذه الأوصاف. 

وكذلك وجوه التصوف: 

آم الأول: فيقول: الذكر يحفظ نظام الأحوال» وينشط القصد ويحرره» وينوع 
اللذات الباطنة. : 

والثاني: يحمده فإنه يصرف الوهم إلى مرتبة التقدير» ويقطعه بانقطاعه هوء ولا ينقطع 
إلا ني المذكورء والمذكور هو المقصود, والمقصود لا وهم فيه. 

والنالث: يحض على متعلقاته بحسب محل» ومن جهة وجهة:؛ والذكر الجوهري يحده 
في تطوره في جوهره المنتظرء وكان ينتظر به جلالة محهولة ني تحقيقه» ويسوقها هو. 


رسالة النصيحة أو النورية 4 

ولولا التطويل؛ كنت أذكر ماهيته بحسب الوجوه والمراتب التي فوقهاء وما بعد 
ذلك» ولكنى راعيت الكلام على مكانه وفوائده ومقاييسه» واستعماله كيف يكون» ومع 
مَنء وني أي وقتء وبماذاء وكيف ماذاء وأين» وما غايته» وما نسبته» وما حكمته في 
الثناء عليه» والحث على استعماله واتخاذه» وإن كان الكلام المقدم فيه الكفايةء وأيضًا 
وصلته للوجه الثالث؛؟ فإنه فوقه بوجه أكمل يعسر تصوره على الاهل» فيعود بوجه أنقص 
عنده؛ فاعلم ذلك. 

وأيضًا إذا وصل الكلام لفصل التحقيق يتجرد الاصطلاح الغريب» ويفر الذكر من 
قلب الذاكرء ويطبع على قلبه» ويفر الذاكر فرار الشيطان أمام الذكر في العرف الأول؛ لأن 
الكذب لا يجوز على الله. ولا مع الله» ولا شيء أكذب من لسان الإضافة» ولا شرك 
أقبح من شركهاء لكنه يقام له قوة إلهية فيعود فيفعل كفعل الذاكرء لكن لا يعتبر في ذلك 
الذكر إلا الله» وبد البدء وهو هوء الحو هوء وإن كان الذكر يكون الكنه البسيط الساذج 
الذي يفرض تعظيمه بوهم المقال» وحرص المذكر؛ فتقطع ذلك ونعود إلى الأصل الأول. 
فنقول: إذا أردت أن تذكر َمَليِكَ بظبارة محلك الجسماني والروحاني» والأمل الواقع 
فيهماء والمفهوم منهماء والصادر عنهماء وجميع اللواحق حتى التي ترجى أو تقدّر أو يخبر 
عنباء وتستعد للأنس فقطء وتكيّف الذات ولو بالخير الكاشف المقرر على نكتة 
السكينة» هذا إذا أردت الأعلى» ولا فأي شيء كان منه الخير بالذات» ويستحب للمحل 
أن يكون فارغًا من الطعام إلا أن يكون الذاكر من العارفين» وهو الذي ذكره [خباره عنه 
أعني: القريب في الكلامء فله أن يذكر كيف شاءء وينظر الأشياء التي يذكر بها رسول 
الله يش 

وقد يجب للهمة أن تجمع أسماء ذات الذاكر المذكور, وأسماء صفاته وأعماله وتعظيمه 
وتقديسه. والكلمة الصادقة بالاعتقادات السبعة» وهي كلمة: «لا إله إلا الله فإذا 
وجدت النفس الأنس بالصيّغ» اصبر عليها حتى تجد الأنس بالمدلول» ثم اصبر عليها حتى 
تجد الأنس بما يجب له؛ ثم اصبر عليها حتى تجد الأنس بها في النفس والحال» لا في 
الاعتقادات والخبرء فإن لم تجد إلا الصيّغ حض الذاكر على الخلوة» واجعله يقرأ سورة 
«الواقعة»» ويستحب له أن يقطع الصوت الحسن الذي لا ينشط إلا بهء فإنه يحجبه عن 
مطلوبهء ويسمع بإذنه وبالإيقاع فقطء وأعوذ بالله من هذا. 

وإن كان يسمع بالجميع فلا بأس بهء أو يكون من العارفين وبحسب ما ذكرناه 
فترجعء فنقول: إذا وجد ذلك انقله؛ يقول ويعتقد أنه لا فاعل إلا الله» فإذا وجد الدلالة 


8 رسائل ابن سبعين 
يبتدي في مظهره بالدليل قبل المدلول وتقع المساواة انقله؛ يقول ويعتقد أنه لا حي إلا 
اللهء فإذا وجد الاجتماع يحكى معتقده والجمع يشهد على ماهية تعليله وتصويره» 
ويحصره حصر الدائرة لما تحتويه وينفعل مع ذلك طيبة ذاته» وضعف مرض عادته) قد 
أخذ في الانحطاط انقله؛ يقول ويعتقد أنه لا موجود إلا اللهء فإذا صرت الآنية هي 
الهوية: والمعلوم هو العالم» والميت هو الحيء والظاهر هو الباطن» لا من جبة الدليل» ولا 
هو من قبيل أنا هو وأنا الله» وما أشبه ذلك» فوض أمره إلى الله إلا إن كنت صاحب اسم 
فأنسّه وبلّغْه الأمانة الثانية» والله هو المدبرء فإن الذاكر حقيقة هو المذكور. 

ذكر أخر: واذكر باللسانء. وافهم بالجنان» ثم اذكر بالجنان»ء وحرك اللسانء» ثم اذكر 
بالقلب والربء ثم اذكر بحقيقة القلب حيث هو الربء ثم لا بالربء ثم اذكر بالرب» ثم لا 
بهذا ولا هذاء فإن السبب عند الله ينقطع بالله» والله لا يذكر نفسه وذلك الذكر غيره 
أعني: غير المذكورء ولا يذكر عبده وهو هوء ولا يسع في الوجود الخلو عنه مع امتناع 
ذلك فيه وإن كان بوجه ما به» ولكن هنا دقيقة إذا قلت: الله ولا شيء معه» ولك حالة ما 
غريبة الهيئة هي تلك. 

والذكر هو إلمامية الشعور مهاء وهي القضية التي لا تنتقل وتستقل» ولا تكون بحيث 
يرد عليها العالم والكاشف والحاضر والغائب؛ فأبشر فإنك الاسم الصحيحء والخليل 
الخاص من حيث أوهامك وسلبها ذلكء والمطلوب الجميع. 

وهنا يصل بعض التاس ممن يتوهم أنه وصلء ويقطع بالوصول» ويهجر الواصلين» 
بمعنى أنه قد لا يستقل» واستغنى» فيتلف من دار مولاه حيث أراد الحلول فيها بعد طول 
المدة» وذلك إنه وصل إلى آنية بسيطة لا يمكنه أن يسع من غيرهاء ويجد القلق في 
ضميره من الأغيار» ثم ينصرف إلى معناه الساكن فيجد الممد والماحي للأغيار» ويحصر 
ذلك كله على الوهم؛ وعلى ملك الخيال» ويستند إلى مواجده ويطلق التوحيد اللحض العام 
الذي لا يشوبه شيءء ويصرف الأشياء إليه» وينظر الناس بعين الرحمة» فليته ينظر نفسه 

بعين الإنصاف ساعة» ويرجع البصر كرتين» ويغوص في جلال الذكر؛ فهو الذكر الأعلى 

الذي لا تنطيق الآنية إلا على مظاهره. ولا يطلقها على جبة المطابقة إلا هو. 

ذكرٌ أخر: الذكر مشاهدة إذا كان من الضمير الأعلى بمعنى أنه يستجيب فيه المذكور: 
أي المدرك والمشعور به. 

ذكر أخر: بل بحر تجري سفينته تحت موجهء وجواهره فوق أوجه. إن كان الذكر 
يحمل إلى الله فقد كفر الذاكر بإجماع أهل الذكر الخاصء وإن كان يحجبه عنه فالأمر 


رسالة النصيحة أو النورية 229 


أضرء وإن كان لا يحمل ولا يمنع» فهو الوهم الأول الذي لا يذكره العارف» وإن كان هو 
الفكر بمعنى أنه لا يذكر إلا من يعلمه» ويطلق القول عليه كالقول على القوة الوهمية 
والخيالية والمفكرة والذاكرة؛ وكيف يطلق جميعها بحسب المواضع» وكونها واحدة 
بالموضوعء وكثيرة بالانفعالات والتغييرات والاستعدادات؛ فالذاكر من الأشقياءء وإن 
كان الذكر ذكر العابدين؛ فالذاكر من أعداء الله المحبين» وإن كان الذكر ذكر العلماء؛ 
فالذاكر من الغافلين» وإن كان الذكر بالعرض المخخلوق؛ فالذاكر لم يتميز فضله من الحيوان 
غير الناطق» وإن كان الذكر بالجارحة؛ فالذاكر من عباد الله البُله نعم. 

وقلبه يجد حلاوته» وإن كان الذكر يطلب به الثواب؛ فالذاكر من الأشقياء عند 
الصوفية» وإن كان الذكر لكي يحضر به الذاكر؛ فالذاكر محروم النصيبء وإن كان الذكر 
لغائب؛ فالذاكر من أرذل الكفارء وإن كان الذكر يصلح الوقت؛ فالذاكر ممقوت» وإن 
كان الذكر يبيج حلل الذاكر؛ فالذاكر بريء عن الله» وإنا الذكر نكتة إن وجدت كانت 
وكان الكل وإن استدعيت لم تكن ولم يصح البعض» ومن كان ذاكرًا بالوجه الشرعي» 
واستقام على ذلك» ولا يطبقه على مقام يطلب به المرتبة المشار إليها من فص الهوية» 
ويتأدب مع الرجال في مواجيدهم. سلم حاله. 

وهذه الاعتراضات هي بالنظر إلى الأعلى والأولى فقط فلا يتوهم غير هذاء وببعض 
هذا ظفر بعض أصحابنا وتوهم أنه وصل وانتكس قصده) وضعف سيره ولم يصح له إلا 
خطبة وهم مهلكة, فنفته الغاية لكونها غالطة في نيل الغاية» وشرح حاله هو أن الرجل 
نظر بعض نظرء ولم يحصل فإنه لو حصل عرف ما بعد الأجسامء وما بعد المفارقات» 
مثل عالم الوحدة» والمسائل العويصة:» ولا هو كان من حيث الصوقية من كل الجبات؛ بل 
أخذ البعض الذي لا يتم من كل نوع ذلكء» وكأنه وجد الآنية مهملة الشعور والإدراك» 
وسلم الحلال للجليل؛ وافتقرت الأغيار لوجوده» وهي بالنظر إلى ذواتها ماهية فقط لا أنها 
وجود. ولا هي به بالوجه الذي لا يصح معه الكفر البين» ولا يمكن معه وحدة الوجود 
المحمود عند الصوفية» وقامت معه المعية المتداخلة الخفية التي يتوهمها جميع من لم تحذقه 
علوم التحقيق التي هي أعز من الأمر المرتكن والمربوط والمستند والحال والملتحم. 

وهي عنده أجل من أن تكون كمعية المكان من حيث الفاعلء لا المعية التي يأخذها 
قسطها من المساحةء وكذلك معية الزمان جازهاء ومعية المرتبة» ومعية أخرى» وهي 
عنده معية التقويم والتتميم والإلزام والمصاحبة المدبرة. 

فإن صح أن يقال في الحق أنه الوجود بذاته عنده الذي عرض للماهية» فهو ذلك أو 


20 وسائل ابن سبعين 
شبيه بهء وتلك المعية تشبه الارتباط» وينحل البشيء إليها بالاستحقاق. وكأنها بوجه ما 
عنده مقدمة» وبأخر قياس» وبثالث نتيجة» وهو يتوهم أنه يجدها لا من جبة النظر فإنه 
حيث نظر انتقل من تأمله فيهاء وقد تكون عنده من قبيل الأحوال» ويطلبها مع الغير 
بالوجه الذي لا يطلبها في ضميره. وهو مع هذا يجب أن ينسب إليه أنه يعلم. 

ولمًا كانت عنده من قبيل الأمور التي يلحقها الذهن كما يلحق الحس الصورة» غلط 
ضميره حتى حمله أن يسكن في جموده» ويشخص في الصورة» غلط ضميره حتى حمله أن 
يسكن في جمودهء ويشخص في الصورة المخارجة» ويحمله ذلك الشخوص إلى المشعور به 
داخل الذهن؛ فيتذكر الماهية والوجود العارض اء وينظر ذلك في نوازل الهياكل المنتتصبة 
والمظاهر المتصرفة» وني هذا يظهر على المحل لذة وبهجة وسرور؛ فتصيبه سكينة وقوة 
يقطع مهاء وينكر كل طريق يغايرهاء وبعد هذا كله خلصه الله من شرك شبهته المستطرفة 
عنده التي يتوهم أنها عناية الله به. 

ذكرٌ أخر: بل بحر آخر ساحله في وسط: لا يصح الذكر إلا للرجال الكمّلء إذا كان 
على ما يجب. ولكل أحد فيه قوة ودولة بقدر طاقته» والنافع للشيخ أن يذكر ذكر التدبير 
لأصحابه» وهو أن يختار لحم الأوقات الخالية إذا أراد بالذكر الحضور الفائي» أو في أي 
وقت البطالة إذا أراد أن يجمع أصحابه على الله» أو في وقت الخنوف إذا دبرهم بالسلوك 
المتصلء وعلى التلميذ أن يذكر الله سبحانه بذكر شيخه؛ ويستغرق في مشاهدته فيذكره 
عند ذلك به فيجد ما يجده الشيخ. والصوت الحسن مما يصلح به. وعلى الشيخ أن يتكلم 
في المواجيد إذا علمها من القوانين» وينوع الكلمة إذا أبصر الضمير يقفء. ويتتقل إلى النبي 
إذا استقام الذكر في الله؛ لكي تصلح ببركته الأعراضء؛ وإذا ذكر التلميذ الله» وتوسل إلى 
الله في فائدة الذكر القريبة بشيخه؛ وبما هو عليه من التوجه جعل الله الشيخ له مرآة 
قصيده ينظر فيها ما شاء. 

ثم يستقيم في ذلك حتى يبصر المظهر الدال عليه قد انصرفء» ويجده من جهة توجه 
إليه» وبذلك يحق له الوصول إلى حضرة الصدق, ويدخل في عباد الله المقربين» ويفرح 
ذكر أخر: صحبة إنابة وتثمة وسيرة جميلة وعلم النكتة» وبحث عن الإحاطة والكلمة 
الجامعة المانعة» ووجود ما خارج الذهن وداخله في مدلول الذكرء وكأنه يحكيه في نفسه. 
وتحصيل الدليل الصادر عن الماهية» ثم يقول عند اهتمامه بمقدار انبعاثه له: «لا إله إلا 
الله حمء لا واجب الوجود إلا واحد. ألم لا موجود آنيته هويته إلا الأزلي» كبيعص». 


وسالة النصيحة أو النورية 2231 


ثم يقول: «الله الله اللهي» ثم يذكره بفكره» ويحرر القول» ويحقق العزم» وينصرف إلى 
ملاحظة الذهن لقضية الحال ولاستنادها إلى مواطن التطلع» ويسكن وينبه الوهم العزيز 
الذي موضوعه الخلد الموجه المتوجه» ويصير على انسلاخهء ويتجرد عن القوى 
الروحانية» ثم يفعل ذلك مرة أخرىء ويفرغ من قلبه خبر العالم الفلكي والطبيعي 
والروحاني والمثل المتوهمة في الكليات المعتبرة في الوجود المنتسب,ء فإذا عطس أنف 
استرواحه يريح المواهب الماحية للحد المقيمة في المطلع» ووجد ذكره في ذاته 
المستطيرة» كان نحو الصوابء ثم يفعل مرة ثالثة بمعرفة تحصل المواقف» وبحسب حكم 
الواقف من ذلك ما ذلك حتى يستريح الوهم» وتفرغ النفس» ويتقدس بمجاورة المحل 
المكمل المقدم والعقل بما فوقه بالنظر إليه إذا تحكم بالمطالب الأصلية. 

والتعليل لا حكم له. ولا يحتاج» وقصاراه قبول كمالات وأدب في ذلك» وحكم بإن 
ما هو بسبيله يفارق ما كان عليه» لا أنه أهمل القواعد من كل الحبات؛ بل من جهة 
وجهة» وإن عجز عن الحكم وترتيب المقدمات» فما عجز عن قبول ما يجبء وإن هذا 
المقبول هو من الغرابة والحلالة بحيث لا يدخل تحت الأمور المعروفة. 

ذكر أخر: اذكر في نفسلك أنه قد ذكرك, ثم اذكرء ويكون ذكرك من مراقبة علمية 
ومقام الإيمان وذكر مشترك, ثم اذكره من مقام الإحسان ومراقبة قلبية؛ وذكرك في آخر 
المشترك ثم اذكره» وذكرك من حيث ذكره والذي كنت تعلم قد كان أن يكون مشهوراء 
وأنت تراه يتشخص في مدرك الميبة المحركة للضمير الفاعلة في النفس» وتقرر الملاحظة 
وكأنك تحدثه؛ ثم تفرط في ذلك حتى تجد ما يكاد أن يكف الذكر للأدب الذي يجده 
مُجالس الملك إذ جالسه. 

وأيضًا مشاهدته فيها الكفاية» ثم تجلد على الذكر حتى تبعد المشاهدة المنسوبة» 
وينعكس ذكره لأنه حالاء وأنها غيب الذاكرء حتى نسي أمره فلمًا أفاق وجد الذكر 
وسبب المشاهدة فيه أقوى من الأول ثم اذكر بعد هذا الذكر حتى تجد مطلوبك أقرب 
من الأولء .والأمر أتم وأعظمء وفوائده أجل وغيبته أقل» ثم اذكر حتى تغيب قليلاً» 
وتحضر كثيراء ثم اذكر حتى تغيب فيه» وتحضره عنده؛ ثم اذكر حتى تحضر ولا تغيب» ثم 
اذكر حتى يعود الذكر في المحل دون قصد وإرادة» والقصد والإرادة في التنزيه. ومشاهدة 
الحلالة» وأنت تعلم وتسمعء وهنا هي نهاية الذكر. 

وبعد هذه المواطن يحرم الذكر على الخاصة؛ لأنه من الأفعال المسببة» فإذا وقع الميل» 
ويخافُ على المطلوب المحصل أن يفوت صحبة السبب قطع السبب» وييقى الطالب 


ع رسائل ابن سبعين 
الذاكر مع الفائدة فقط. غير أن هذا الذاكر إذا كان في هذه المرتبة» وظفر مهذه المنزلة» 
وكان أمره في الوقت المطلوب على حالة من الأدب المأمور به» وكما يجب نذكره 
محفوظ» وإن كان على غير ذلك مع كونه في فترة يظهر عليه علل محون التوحيد المختادع 
للضعفاءء فالذاكر مخدوع وإن لم يظهر عليه في هذا الزمان المطلوب به شرعًا المراد 
الشرعي على كماله؛ وهو مع هذا في غيبة من ذلك القبيل ففيه بين الأولياء خلاف وليس 
باليسير: منهم من يسلم له؛ لأنه غير مكلف» ومنهم من يمقتهء فإن النبي يع لم يعلم عنه 
هذاء وإن كان الأمر مثل هذا والمحل تجرى عليه الأحكام واللهمة والإدراك والنفس في 
عالمها الكريم تركب كانت المكانة الموروثة على الخصوص. 

ذكر أخر: من ذكره به ذكره عهده القديم» ومن ذكره فقط وهو بسيط الخبر المتقدم 
جذبه إليهء» ومن ذكره وذاكره يتأنس به دله عليه. 

ذكر المقامات والأحوال 
في مفهوم الذكر وأحكامها في الذاكر 

إذا ذكره التائب» وأخذ نفسه بالذكر المستقيم لعظمة ما يجد من النشاطء ولمًا هو 
بسبيله من أنس الذكر يتذكر شره الأول» وببركة الذكر يقوى عزمه على الأفعال الحميلة 
والخروج من المذمومة» ويسهل عليه رد المظالم» فإن لم يجد وإلا بالذكر تعظم الذمة فهو 
يعطيه إمّا الخلق مع الاستطاعة؛ فيعطي ما أخذء ويكف عن الذي فعل» ويحرض النفس 
على الخيرء وإمّا يفسح له ثوابه المجتمع له السهل الكثيرء فيعطي ويبقي لهء وهو رحمة 
سترها الله عن الأشرارء وكشفها لهم بعد ذلك وكشفها للأخيار» وسترها عنهم به عند 
ذلك إذا ظهر ذلك» وكان من هو من ذلك ذلك أو بذلك في ذلك. 

ثم هذا التائب الذاكر ينقله ذكره إلى الأوبة» ويكشف له عن أنواع التوبة السبعينية» 
وقد يمن الله عليه» ويعصمه من التوبة في التلوين» أو يتحف بمفهوم التوبة من التوبة» وقد 
يكون المريد مرادًا بالذكر بعد توبته» ويفتح له في الوقت اليسير ما لغيره في الطويل» 
والمراد على ضربين: 

مراد بسبب: وهو الذكر أو ما أشبهه من مقام صادق, أو خبر طارقء أو رجل ذائق 
وقد يكون ذلك كله من ملك خاصية, أو أنعم عليه باسم من أسمائه قد يدخل معها بوجه 
ماء وأما ذكر المحاهد في مقام المجاهدة» فيقويه على مكابدة أمرهاء ويعود الحهد المؤلم من 
جملة ملذوذاته» وتعود عادته مجاهدة, ثم تعود مألوفة وعادة كالأولى؛ بل ألذء وحينىذ 
ينبغي له أن ينتقل ويحق له ذلك؛ لأن غاية المجاهدة تكميل النفس» وإصلاح أخلاقها 


رسالة النصيحة أو النورية 233 


وثبوتها على الأحكام الشرعية: ثم على الإلهية» ثم يعود الأمر ني غايته إلى اللذة والأنس» 
ولا تجد النفس ما يسوؤهاء ويرتفع معقول الحهد والمفهوم؛ منها الذي جاء على المبالغة 
بذكر الأنس غايتها أيضا المشاهدة؛ والذكر: هو المحرك الأكبر ني ذلك فإنه إذا ورد الأمر 
الصعب على النفس في حال الذكر يسهل. 

وأيضًا فالذاكر يذكر الفاعل؛ فيخاف أو يرجى في الوقت» أو يستحي منه الذاكر 
وجملة فضائل تصدر منه في ذلك لا تحصى. 

وقد ينقله من الحهاد الأصغر إلى الحباد الأكبر ويعينه على مجاهدة النفس لقواه.ء 
والجمسم كذلكء وجميع ما هو فيه بالقوة والفعل من هذا القبيل ومن هذا النوع. 

والعقبات التي ذكرها إبراهيم بن أدهم #. قد قيل: أن السلوك عليها بالذاكر صحبة 
التخلق والقصد الصادقء واهمة الحليلة تقطع. 

وأخبر أبو العباس بن العريف #5 أنه أبصر إبراهيم بن أدهم في النومء فقال له: 

«لم قطعت أنت المقامات الستة التي ذكرتها؟» فقال له: «أي المقامات تريد؟». 

قال: «العقبات»» قال له إبراهيم بن أدهم: «العقبات قطعتها باسم الله الأعظم» 
والتجلد الخالص»» قال له: «ومّن لا اسم له؟». قال: «بذكر المسمّى»» قال أبو العباس: 
ففعلت ذلكء وانتفععت به وجميع ما أنا بسبيله من بركات وصية إبراهيم بن أدهم. 

وذكر صاحب الخلوة ينتفع به في خلوته. فإنه ينادم ربّه بذكرهء ويتلدذ بالأنس به 
وأيضًا بإفراط الذاكر في الخلوة يجد المواجد العظيمة, وينال المراد منها؛ لأن الذاكر إذا 
ذكر على ما يجب دبره المذكورء فإنه من أجله؛ وله انقطع؛ وهو سبحانه يعلم ذلك» 
وأيضًا يدوم في خلوتهء فإنه مادام يذكر؛ يذهل عن نفسه؛ وعن أخبارها بالجملة» وعن 
الأهل والوطن؛ فيستقيم من غير أن يقر عليه وقتهء والمراد بالخلوة: الفرار إلى الله فلا 
شيء أولى من ذكره فيها؛ بل هو الصورة المقومة حال الذاكرء والمتممة له؛ لأنها عندهم 
من أمارات الوصلة. والذاكر: هو الرابط طاء ولمًا توجه لما يجمل به؛ وجب أن يفر عن 
أبناء جنسه» ويستوحش من غير الله وبذلك يظهر عليه ذكره في جملة أحواله وتصرفاته 
وبالذكر يتحقق أنسه بالله» فإذا ذكر الله» وعظم الذكر تكبر الهمة» ويصغر كل شيء 
عنده؛ ويبصر الأشياء ساجدة خاضعة لله العظيم» ويصيبه حال الإخلاص الذي إذا قام به 
تفر أمامه الأمور الكاذبة؛ لأنه إفراد المطلق» ومن جملة ما يفر عنه الأخبار الكاذبة حتى نه 
يقول: لم نفر إلى اللهءوإنًا نذم عباده» ولا نفسي يسلم لها أنها تأخرت من شرهم إلى 
خيرها؛ بل هم بالله ولله. وأنا من الله ومع اللهء وكل واحد منهم له ذلك» ومن ألهم 


233 رسائل ابن سبعين 
لذلك؛ يسلك من استصغار الخلق» ومن شهود مزيته عن الخلق» ويظفر بالتواضع» ومن 
رأى له مزية على أحد فهو متكبر» ويحركه الذكر لطلب ماهية الذكرء فيحتاج إلى علم ما 
يمنع ذلك ويُكشّف به ما يجب للمذكورء وما يجوز عليه» ويستحيل في حقه. أو تظهر 
عليه أحوال فوق العلم النظري؛؟ فيعجز عنها فيُحُوجه الأمر إلى رؤية الرجال. 

وهذا كله من فضائل الذكرء وأيضًا يمكن من خروجه عن الغير أن يعلم هل يصح له 
ذلك؛ لأن الذكر لا يتم من حيث هو ذكر إلا بما يحبه المذكور ويحتاره ويرضاهء فإن 
ذكر المتشرع ما هو كذكر غيره؛ لأن ذكره لا يتعدى فيه النقل» وله ذكر يزيد وينقص» 
وتبدل صيغه. والأمور إذا انحصرت بحسب الأحكام الخمسة؛ يحتاج أن يعتبر مدلوهاء 
فإذا كان ذلك كله؛ احتاج الذاكر إلى معرفة ما يجب عليه في الشرعية» وما يحسن به في 
الخلوة» وكيف يكون حكمها. 

وأيضًا الذكر يجره إلى أن يعتزل عن الأخلاق المذمومة؛ لأن الذكر يطلبه بطهارة 
القلب» والمحل على الإطلاق» ويعمم الأعمال الظاهرة والباطنة» ويسكن في ضدهاء 
ويتصف +اء وحضرة الحق لا ينجر إليهاء ولا يتميز فيها إلا الطاهر التقي» والماجد النقي» 
والعزلة الصادقة: إنما هي في فرار النفس عن القبيح المهلك طاء لا الببعد عن الأهل؛ بل 
العارف النبيه؛ هو الذي لا يكون تحت قسمة النوع» وهو نوع وحده؛ ويكون من الناس 
وهو واحد من الناسء وهذا كله بعض فضائل الذكر. 

وأيضًا الذكر في الخلوة والعزلة يجعلك أن يكون أنسك به لا مهماء فإنه إن تأنست 
بهمبا في الخلوة أو العزلة» إذا خرجت عن ذلك؛ فقدت الأنس بالله» وفقدت لذة الحق؛ 
لأنه علة ومعلول» وأعوذ بالله من ذلك. 

وأيضًا الخلوة الصحيحة التي من أجل الله ينبغي أن تكون كلها بالله ولله وإلى الله ولا 
يوجد في المحل ذكر أحد غير الله وأيضًا من ذكر بجسمء وكان من حيثه؛ أتعبته الحواس» 
ومّن كان كذلك مع نفسه؛ أتعبته الأماني والأوهام» ومن اعتزل عن ذلكء» وخخلا بحبيبه 
وذكره أعانه على الجميع» وملكه من الكلء وبلغه إلى غاية آماله» ويستميل نفسه إلى 
قول: الله! الله! الله! 

ذكر الذكر ونوره وتصرفه في مقام التقوى 

التقي إذا ذكر عظم خوفهء وكثر أدبه» وحضر في وهمه الوعد والوعيد» فيذكر بتخوف 
فوت الوعدء وخوف ضر الوعيد, وقيام همه به وأيضًا التقوى تحض على مجحانبة جميع ما 
ييعد عن الله» والذكر يحرر هذه المحانبة؛ لأنه إذا استغرق أزمنة التقوى متى هم به وسواس 


رسالة النصيحة أو النورية 235 


الوهم؛ ذكره الذكر ففر عزمه إلى الأدب, وأقام على خبيره الأول. 

وأيضًا الذكر بالله وبأفعاله وصفاته» فيطلب التقي أن يعمل على تحصيل متعلقاتها 
فيذكره بالآخرة» ويشوقه إليهاء وأيضًا الذكر نور والتقي يمشي بالنور على بصيرة» وهو 
الذي يعلم جبهة المضار فيتقيباء ويكون معه دائمًاء وحيتئذ يكون مدركبا تقيّا ومثال 
ذلك الرجل الذي يقول هذا هو السبعء فإذا لقيه في الطريق وهو مع هذا؛ لا يفر عنه لم 
يفده علمه به الفرار عنه» وإذا جمع مع العلم به الفرار عنه؛ سلم وظهرت السلامة بازدواج 
العلم والعمل» وإذا لم يفعل ما يجب في ذلك؛ كان مثل الذي لا يعلم به» بل الأول أصح 
اختيار منه» ولعله بكونه لا يخبر عنه يكون سبب سلامته منه» فإن النفوس إذا لم تخوف 
لم تخفء فافهمء وكل خير يطرأ عليها منهاء فإنها إذا انفعلت فعل فيهاء وبالعكسء وهذا 
على جبة الأكثر. 

ذكر فضيلة الذكر في باب الورع 

الورع إذا ذكر زاد روعهء وحفظ حاله؛ لأن الورع كتابة عن ترك الشبهات» أو ترك 
ما لا يعنيك» أو ترك المشغل بالجملة» أو إهمال مالا تحمد عاقبته» وذلك لا يصح إلا 
بالتقليلء والزهد اللحضء ولا يقوى إلا بالتقوى» ولا يمشي نحو الصواب إلا بالعلم» ولا 
يدوم إلا بالصبرء ولا يحمد إلا بالرضىء ولا يكمل إلا بالأنس باللهء فإذا ذكر الورع 
الذاكر لله في كل حين؛ قامت معه زواجر الأحكام الشرعية» وعظمه الأمرء» فإنه يسمع 
ويرى من حيث الأمر والنبي» والأمل في الله وما هو بسبيله من الاجتهاد على تحصيل 
البعض من نورهء ونعيم داره» وخزن أغراضه. وسجن همته. فإذا كان هناك يسرح الجميع 
حيث يجبء فإذا همت النفس منه بمباح طلب الذكر منه سلامة الباطن من المحتملات 
وطهارته وطاعته؛ والمباح يجر إلى أمورء وقد تصعب بنظر ما فكيف. 

وأيضًا يشغله بالله عن فعله مع كونه في غاية الزهد والمحافظة على الأحكام؛ فيكون 
الأمر على أتم ما يمكنء وأيضًا الورع: هو الذي يجعل الشرع في يمينه؛ والعقل في سماله» 
فما تعرض له وتوقف فيه من جبهة ما في شاله» عرضه على ما في يمينه» فإن قبله ولا 
تركه وفر منهء وهو ينظر بمرآه الأحكام الخمسة؛ فإذا أراد أن يتصرف في شيء؟ نظر إليه 
هل هو من الأحكام الواجبة؛ فيسرع إليه ويقضيه كما أمر ليس إلاء فإن الورع في المأمور 
به إنما هو في تناوله على ما يجبء وكما أمرء وسرعة القبول لا غيرء وغير ذلك لا يصح 
لكلا يصدر من ذلك سوء الأدب. والزيادة على الشارع كفر ومهتان ومحال» وله أن يزيد 
وينقص في المباح والنوافل» وما أشبه ذلك» وإن كان ندبًا جدء وأخذ نفسه بالكثير لا 


2 رسائل ابن سبعين 
بالقليل» وإن كان دون ذلك يفعل فيه بحسب هذا التقدير» فافهم. 

وهذا يحرره له الذكرء ويذكره به؛ ويزيد له فيه» وينشط وكأنه يسمع الأمر وب يقول 
له: افعل كذا أو اترك كذاء أو يقدر ذلك داخل ذهنه. وأيضًا قد يستحي مع الذكر أن 
يفعل القليل المحمود. فكيف الكثير من المذموم, وبالحملة الذكر جنة وجَنّة ومئة. 

والورع إذا حرر القول فيه هو الذكر الخفي؛ لأنه حيثما ذكرت له النفس ما يحبه ذكر 
له العلم والعقل والشرع ما يجب عليه: ويذكره لما يحبه المذكور ذكر المذكور الحبوب 
عنده من أنواع الذكرء فإن المحبوب عنده من أنواع الذكرء هو الذكر الذي يذكر الذاكر 
على مرضاة مذكوره المحبوب عنده؛ ويذكره بصفاته. وبما هو عليه في معاملاته» وإذا كان 
الذكر بخلاف ذلك؛ يقال له الصوتء أو الخبر المهملء أو هو الذاكر الصامت؟ لأن 
المراد من ذكر اللسان تصور القلبء والمراد من ذكر التقلب كشف السرء وذكر الروح» 
والمراد بكل واحد مما ذكر: الله. 

فضيلة الذكر في مقام الزهد 

الزهد العرئي: هو الترك المعتدل لما لا يجبء أو لما يشغل أو يضر نوعهء وإن لم 
يضر شخصه؛ وهو الذي يحض على الورع من صفة نفسهء ويسود الزاهد بسببه» وإذا 
انضاف إليه الخوف والعلم؛ استقام الأمرء وهو ينظر إلى التوبة في البداية فيقوى طلبه؛ 
وينظر إلى السلوك, ويتلذذ به ويأنس بتحقيقه فيه؛ وينظر إلى الغاية» ويتردد في أمره؛ لأنه 
قد يظهر له في الغاية أنها لا تنال إلا بعلم ماء وبسبب ماء فيكون مُحَيرًا في أمره؛ لأنه ما 
بين أن يطلب الكمالء فيطلبه الشرط ببعض ما خرج عنه أن يعود [ليه كما يجبء ويطليبه 
المقام باللبوت. 

والهمة إن علت قد تطلب الأولى» فإن جهلت فتغتبط بالأول» وتحيل الثاني» هذا هو 
زهد البعضء والزاهد غير مراد» وأردت هذا الكلام التوسط. 

وأيضًا الزهد: هو فقد ما إليه يحتاج بإرادة» وأيضًا الزهد: هو الفقر غير أن الفقر 
العرني أجل منهء وهو المذكور في «الفقيرية»»: والزهد العرفي أجل من اللغوي» وأيضًا 
الزهد. إذا كان على هذا الحال» وامحل كبير بمعنى أنه هو بحسب خيره فتارة تراه في الأمر 
المبمول من الدنياء وأخرى تبصره في الحقير منهاء وذمته عليه مملوءة بالحكمء وبالأمور 
الشرعية المالكة للكليات» المعتبرة في الدنيا والآخرة يحمد بالجملة» وقد يحمد منه الزهد 
المنسوب, والزهد المحسوب, وهو إمّا في النفس» وهو زهدها في عالمها ومنصبها وصيتها 
ورياستهاء وينهزم في هذا جميع أخلاقهاء وإما في الأمور التي فوقهاء وهي ظفرت بكماها 


رسالة النصيحة أو النورية 237 


فتزهد في الأمور المنتظرة المعمول عليها عند الجميع. 
مثال ذلك: يزهد في العلم بمعنى لا يغتبط به في وقت ما لأنه يطلب المعرفة» ويزهد في 
المعرفة لأنه يشهد المعروفء ويزهد في التضرع إلى الله من النار لأن القرب من الفاعل 
أبطل عليه وهم الفعل» ويزهد في التأهب لنعيم الآخرة؛ لأن اللذة القائمة بالدوهر استغنى 
هاعن كل لذة» ويزهد في ذلك؛ لأن القصد أطلق له. ويزهد في ذلك لأن الحيبة هيبة في 
المكنة» ويزهد في ذلك لأن الحد حصره. ويزهد في ذلك؛ لأنه مدلول الرضاء ويزهد في 
ذلك؛ لأجل ذلك وفي ذلك أنه ذلك وكذلك بعد ذلك في وقت وجود ذلك. 

والزهد الذي في الجسم هو يعظم بحسب وجوه المتروك» مثال ذلك الزاهد في 
الإكسير الذي لا يقتنع به إلا برسم .الغير المضطرء وهو مع هذا الحسن يستجلب شهواته 
من الصور الطيبة» وجاه يجلب العسيرء ويكون خليفة ملك الأرضء وله نفس تطلب 
اللذات الطيبة» ويتمد في الظاب قوة استعداد» وسلامة أعضاء وقوى» وملكة خصال يعجز 
عنها تفرحه بالحمد والتعظيم» وما أشبه بينه وبين من هو دونه مع كونه لا تبعة تلحقه. 
وجلته تقيه فاعتبر ذلك» وقس به وانسج على منواله الواحد في الوجودء والوجود قد 
يطلب في المقامات بمعتى ماء وبالوجه الذي يقال انتقل ورحلء وأخخذ الأمرء وظهر 
الصعود إلى غير ذلك لا أنه يعود إلى العرف الأول فيهملهء وهذا النوع من الزهد 
الإضافة. 

وأما الزهد الحليل فهو الذي يكون به الزاهد غريًا ني الآخرة» ولا يتعرض إلى 
الأسباب المطلقة» ويكون معها تاركًا على الإطلاق لغير الله على الإطلاق» وهو بالجملة 
زهد لكي يكتسب كماله. فإن كان زاهدًا على الإطلاق حتى في الذي يسري له من الله 
كان مطلقاء ولا خير فيه إلا إن كان خبره الله أعني: أنه يقول المقصود العين التي لا يصح 
معها طلبها لحاء والأمر من جهتهاء وبحسب ما يقال فاترك ما يضرك ويقول» ومن حرر 
الوحدة» وهذا بمعنى سلب» وجمع على مجموعه فجمع وعوض بزهده؛ ويجر بذلك. 

فإذا كان الأمر على ما ذكرناه؛ فعليك أن تعلم أن الذكر هو الأصل في ذلك كله وما 
حملني على ذكر الزهد» وتقسيم ما ظهر لي فيه بحسب هذا التقييد» وكوني أخذت فيه 
بزيادة ما أردت بذلك التنبيه على خساسة الدنياء وكونها مهلكة» وهي العلة القريبة 
والفاعلة بالجملة» 'وصرف امم الكريمة» فافهم. 

ونعود إلى فضل الذكرء فنقول: ما من نوع من هذه الأنواع إلا وقد يجمع لك في 
كلمة واحدةء وهي جميع من ذكر الله ولم يغنه عن غيره» ولا تأنس به» ولا امتنع به على 


28 رسائل ابن سبعين 


ما سواه فلا خير فيهء ويكاد أنه لا يمكن منه الخير» ولا يصح فيه وجوده. وأعوذ بالله 
منه. 

وأيضًا الزاهد من أجل الله: هو الذي يزهد ني أفعاله» ولا يزهد في الله ولا في صفاته 
وذكر الله هو الذي يثبت على حاله» وهو الذي يثبت المقامات» وإذا زهد الزاهد وهو 
يذكر ربه ترك ما يجب تركه. وتمسك بما يجب من أجل الله والله هو الكفيل به؛ 
لأنه قبن يقول «أنا جليس من ذكرني)”©, والحاكم العادل المرشد المعلم المدبر الغني إذا 
تصرف عنده معه أعني بمحضره وهو يذكره بمعنى أنه يشاوره ويطلب منه أن يحتار له 
الأولى. 

وهذا هو الذكر النافع الذي يعقل فيه هذا كله. وما يمكن مولاه المذكور أن يتركه 
يترك ما لا يجب أن يترك. ويتمسسك بما لا يجب أن يتمسك به؛ بل يجري في أموره 
وأفعاله نحو الصوابء فذكر الله هو المعلم الأكبر» وهو شيخ الشيوخ, وهو يعلم الملك 
ويعقل في حركة الفلك: وبه يبعث النبي» وبه يعلم ويعقل ويحكمء وكذلك اتباعه إذا تم 
على سداده أعني: الذكر الحكيم. 

وهذه المقامات ذكرت فضيلة الذكر معها؛ ليظبر لك بمحده في كل طور ونوع من 
أنواع شروط الكمال» ولمًا ذكرته قبل أنه بماهيته في كل المقامات من حيث هو جزء 
ماهيتها؛ احتجت إلى ذكره هنا من حيث هو متمّم ومقؤم؛ وبالجملة هو الفاعل للخير 
والشرف والكمال من حيث تأثيره في النفس الغافلة» وبكونه يذكرء وبالوقوف مع واجب 
مدلوله» وما أشبه ذلكء وهو المادة من حيث أنه الموضوع الأول» وهو بهذا النوع يقال 
باشتراك أنه الكتاب والسنةء والجميع يرجع إلى معناه الموجهء وأنا عنيت به هذا المعنى 
وتعلق اصطلاح به» وخصصته بذلك» والمشاحة في الاصطلاح من شيم أهل القصورء 
وهو الصورة فإنه المعنى المحمول» والشكل الظاهر في الضمائرء وفي التعبدات» وهو المتمم 
لما تقدم. 

واكتفيت ببعض هذه المقامات لأني ما قصدت إلا الأشوذج.ء والتنبيه فقط على 
فضائله من جبة الدليل» وذهبت فيه إلى البراهين الإقناعية والخطابية في البعض» ومن 
حيث البعض فإن من أهل الأحوال مّن هو هذا الكلام عنده من برهان وجودي» ومن 
العلماء من يجعلها 2 قبيل الأمور الخطابية» وفيه مخاطبة برهانية؛ بل مخاطبات» وفيه ما 


(1) تقدم تخريجه. 


رسائة النصيحة أو النورية 229 


قوته قوة الجدل» ومن مخاطبته ما هي شعرية بالقصد الأول» ومنها ما يستند إلى النقل 
والعقل بحسب ما ينظر فيه أو يقبل» وبحسب حب الناس» وبالجملة لخاطبت به من قام به 
هذا المقام أو تشوقه أو تعرض إليه أو نبيه الأغراض أو مشاركا في العلوم معتدلء ومّن 
أراد الاجتماع بي في مدلوله وبيانه» والانفصال عن متشاببه؛ وما يجب فيه أهلاً وسهلاً به 
حيثئما شاء من المواضع المعتبرة» وغيرهاء والله يعلم أني بيضته» ولم يعد النظر فيه» ولا 
أمكنني ذلك» ولا تصفحته. ولا غيرت فيه ما جاعني من عند الله أعني: الواقع من غير 
فكر ولا روية» فإن الكل من عند الله على الإطلاق. كذلك أكثر تقييداتي المرسومة في 
هذا الشأن بخلاف غيرها من التقييدات. 

وجملة الأمر فرغت منه في يوم الثلاثاء من العشر الأول من شهر صفر سنة شان 
وحمسين وستمائة» والعمر آخر سن الشبيبة. 

وقيدتها ني نيف وساعة؛ والسلام على المطفف في الردُ والقبول والمقتصد والمقصر 
بحسب منازهمء ومن جبهة ما يجبء ورحمة الله تعالى وبركاته. 

د اد 

تنبيه محبّة: وصية صالحة منوطة بهذا التقبيد وخاصة به: حافظ يا أيها الذاكر على 
أوقاته» وابحث عن صيغة الذكر الخاص بالنبي يَل. 

وبالوقت الذي كان يستعمله فيه وبكيفية ذكره.ء واحفظ جميع ما جاء في ذلك» 
وحافظ عليه» واذكره لكي تحضرء ولأن يذكرك الله ويك ولآن تكون في حضرته. وغير 
هذا صوت مسموع في عالم الطبيعة لا يتعدى, ولا يحمل الذاكر إلى ما بعدهاء وأعوذ 
بالله منه» وخذ نفسك بمواطن الذكر المحبوب الشرعي مثل الذكر المذكور في الصلاة» 
والذكر الذي قبلها وبعدهاء وعند الصباح والمساءء وعند النوم» وعقب القيام» ووقت 
الورد» وني دخول المسجد, وني الخروج منه؛ وعند النية في الإحرام؛ وبعد التكبير» وني 
رؤية الهلال والصور المهولة» ووقت الآذان» وإقامة الصلاة» وبعدهاء وعتد سماع الدعاء 
يوم الجمعة» وني الأشهر الحرم» وعند سمعك أصوات الحمير الوحشية والإنسية» وني 
المواطن الخالية» وحيث الغافل» والمحاز واللجائزء وعند سماع الصوفيةء وقبله وبعده وفيه إذا 
حضر المساعد. وإلا نفسك أميل لعزمك. وأثبت على عبهدك» وتصرفك من غيرهاء 
وكذلك عند الإحرام في المواقيت» وعند دخول مكةشرفها الله تعالى وقد فعل» وني 
مرضك وعقبه. وحال موتك. 


0 رسائل ابن سبعين 

وإذا عزمت على الشروع في شيء» فقدم ذكر الله تعالى» ثم صل صلاة الاستخارة عند 
ركوبك البحر والحيوان» وفي قتال العدوء وعتد إطلالك عليه والذكر الذي جاء بحسب 
الأيام والأشهر وأوقات الليل والنهارء وما جاء في الدخول على الملوك» وغيرهم» وعند 
الطعام» وني حال النكاحء وني الصلاة على الميت؛ وني حال تناوله حتى يصل إلى قبره» 
ويفرغ من أمره. وني زيارة القبور» وني معاهد الحج ومناسكه. ويوم الوقفة» وما أدراك ما 
يوم الوقفة» ووداع بيت الله» وما يلزم في ذلك كلهء ودخول موضوع الحاجة وإرسالك 
الجوارح على الصيدء وكذلك السهمء وفي الذبيحةء ودخول البلاد والأبواب» وعند الزرع 
وتعلم حجتكء. وجوابك للملك في قبرك» وفي الاستسقاء» والاستصحاء واشتداد 
الأسعار» ووقت الطاعونء» وتذكير الشجرء وذكر العلماء والخلفاء والصحابة وصلاتنك 
على النبي يلو وكيف السنة من غير السنة. 

وني الأسواق» وعتد رؤية المعيان والمطر والقمر والشمس في الطلوع والغروب 
والبحر والسماء والبراري والمطرء وعند كل حكم. وكون ذكر خاصء وعقب البلاء 
والنعمة ذكر منقولء. وكذلك النعمة والعافية مثال ذلك يقول عند الرزية والمحنة: «ما شاء 
الله كان» ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيمء اللهم أنعم علينا بالصبرم» وعند النعم 
«الحمد للهي2 وقد يكون الذكر في ذلك واحدا إذا كان الإدراك واحدء والرجل متوحد. 
والوحدة مقامة ومعلومه» وهذه كلها محصورة مذكورة في الشريعة؛ مسموعة عن النبي وَل 
ومنسوبة له ولأصحابه: ولأتباعهم» وتحتاج أن تبحث عنهاء وهي أكثر من هذهء وإنما 
ذكرت لك المهم» ومن جهة أن نشوقك ونحرضكء وكيف تفرق بين الشرع وغيره. 

وأمًا الصوفية فلهم أذكار وكلها ترجع لأحكام الشرعية» فما منه مذكور» وهو 
بحسب وظيفة ما شرعية» ورتب عليه لا سبيل إلى الزيادة فيه والنقصان منهء وهذا الذي 
ذكرت لك منه ما جاء من قبيل الأحكام الخمسة» وذلك بحسب اعتباره من المذاهمب 
والاجتهاد والتقديم والتأخير والإطلاق والارتباط» ومنه ما هو بحسب حكمة ماء ومعقول 
المعنى» وغير ذلك مما لا يجمل ذا التقييد ذكرهء ويطول الأمر فيه» وقد فرغنا من 
المسموع المحصل» ومن شروطه وأحواله» وغرضنا أن نذكر لك ما ضمع من الرجال 
بحسب مواجدهم وتفكرهمء والذي يرجع منه إلى الأول» ويجتمع معه بأقل تأويل» 
وأقرب مفهوم والذي لا يرجع» ولا يقرب بحسب الأكثرء والذي يبعد أو يعسر صرفه 
للأول على بعض الناس بالجملة» وما أشبهه وما تقل عن الأنبياء عليهم السلام بغير 
اللسان العربي؛ فهو مع ما نحن بسبيله من الحق بحقيقة المثل. 


رسالة النصيحة أو النورية 2 

فإن الفضلاء بالجملة ما اختلف أحد منهم في البحث على الكمال؛ ولا على ذكر الله 
بما هو ذكرء وإنما الخلاف في الطريق الشرعية» أو في صفات الحق» أو في صفات الله» أو 
بعض الاختيارات والمبادئ والغايات فقط. 

فنقول: أجل ما جاء في ذكر الله عن اليبود عشر كلمات مفهومها لا يشذ عن مفهوم 
آية الكرسي» وآخخر سورة الحشر على خلاف بينهم فيباء وني الإنجيل تسبيح يوحناء 
وكلام المسيح الذي كان يتكلم به ني الليل» وحاصل ما فهم منه مجموع في هذه الكلمات 
التي نذكرها لك» وهي مرموزة مني غير أن الذاكر يتنفع مهاء وهي: «عمرش اش عمر 
صح راهيا ايدجا ايهم اردع صعسر عرجم كطلم». 

وقد ذكر أبو طالب المكي في كتابه مثئل هذاء والأصح عندي أن يتوقف في المسموع 
من أهل الكتاب كما جاء في الأثر إلا ما ينقله الرجال عن الرجال» وعن الأحوال. 

ومن أسرار الصوفية الذكر المحمود هو الذي يصدر عن الرجل في حال الشهودء وهو 
الفعال عندهم. وبه يقع الانتفاع» وبه يفهم عن الله ونبيه وعنهم» وهو لا ينضبطء فإن الله 
إذا تجلى يجعل قلب عبده كرسيه الموضوع لحكمه؛ وعرشه المدبر لعالمه في عالم الطبيعة 
المدبرء» وهذا الذكر لا ينضبط للعربي» ولا للعجمي» ولا هو ببحسب لسانء فإن الحضرة 
الإهية واسعة» وهي تمشي على حكم الممكن القابل الواسع الكلي, هذا ما كان منها في 
المدرك المحصّل للذوات؛ وما كان منها يرجع للحد الأعلى؛ هو على جهة الوجوبء ولا 
يمكن في هذا أكثر من هذاء فاعلم. 

وأيضًا الروح لا .تحصره اللغات. ولا يخاطب بهاء وطبيعته قبول الكليات» وإذا ترك 
هو وعالمه العلوي يعلم ويفعل من صفة نفسه؛ فكيف تطلبه بأثرهء وتحب أن تجعل الظل 
يحكم على الشخصء والآلة على الصانع؛ وأيضًا الرجل هو ني الأرض أسوذج مجموعهم» 
فلا يحصره شيء إلا الجلالة المنسوبة إلى الله ني مظهر مفروضء أعني: جزء منه في ذلك 
هو يعتبره ويحترمهء وذلك يلزمه. وأيضًا الرجل: هو رحمة على العموم؛» وهو يدبر أهل 
الأرض وخطابه لا يتوقفء وأيضًا الملك إذا خاطب لا يستند إلا إلى المحاور المحفوظء 
والروحاني المؤمن؛ والقرين قد يحدث بغير لغة الرجل الأولى» واعلم أن للملائكة أذكارًا 
مختلفة: لملك المطر تسبيح: ولملك الرعد كذلك» وكذلك لملائكة السموات أذكار 
مختلفة» ولملائكة الأرض» وللمقيم الآن في النة» ولأهلها بعد ذلك» فلا تتوقف على 
ذكرء ولا تنكر على الرجال ما تسمع؛ فلعلهم كوشفوا وخوطبواء ومّن هو قلبه فارغ 
يننظر ما يرد عليه من الأزل لا يحصرء ولا يغير عليه. 


22 رسائل ابن سبعين 


وقد جاء أن للحيوان البريٍ والبحري اذكه وقد جاء الذكر على العموم في الجماد 
وغيره ني قوله تعالى: لوَإنَ من شيء إلا يُسَبْحْ بِحَمْدَه6 [الإسراء: 44]» فقل إذا 
وجدت البحر والوجود والحمد: «قهرم طمس هو الم صعنج ذلكم الله ربكم يا يا يا» 
ذلك من جبة المسألة. ع ان ا ار 

والذي تحتاج أن ترتب في ذكر الله أن تبدا ب «بسم الله الرحمن الرحيم»؛ وتصلى 
على ملائكته ورسله وأنبيائه وأتباعهم وأتباع أتباعهم» وترضى عن أهل الملة» وعن رجال 
الله كلهم؛ وعن المؤمنين من الأنس والحن» وتقرا «الحمد لله» إلى آخرهاء وأول كل 
سورةء ووسطها وآخرها كلمة» أعني: آية فقطء ثم تعود تكرر السور أعني: التي فيها 
الحروف المفردة» وتقرأ سورة «الإخلاص»» وآخر «الحشري»» ثم تقول: «الله! الله! اللهي» 
وتقرأ قوله تعالى: ((آمَنَ الرْسُول) [البقرة: 285]. 

0 «اللهم سبعًا. 

تقرأ قوله تعالى: (إشَبدَ الله [آل عمران: 18]. 

0 «الله! الله! للم» مائة مرة. 

وتقر! قوله تعالى: إن رَبكُمُ الله [يونس: 3]. 

ثم تقول: «الله»» وتقرأ سبع آيات من أول «الرحمن»» ثم تقول: «اللهم» وتقرأ آية 
الكرسي» ونوع صوتكء وكيفما أردت انطقء والذي تجد نفسك فيه أجمع. 
وأطيب وأجل الذكر ما أنت فيه كذلك» وعليك بالترجيع والترتيب فيه كذلك حتى يطيب 
لك إن كنت ممّن يطلب الأنس؛ وإن كنت في ذاتك قد وجدته في اللجوهر ومتى أردته 
يصلك فلك الخيار» وجميع ما توجه الضمير إليه اذكره به ولا تبال» وأي شيء يخطر 
بيالك سمه به» ومن اسمه الموجود كيف يخصص بأسماء منحصرة؟ هيهات,ء الله لا اسم له 
إلا الاسم المطلق أو المفروض» فإن قلت تُسميه بما سمى به نفسه أو نبيه يقال لك: مَّن 
سمى نفسه الله قال لك: «أنا كل شيء» وجميع من تنادي أنا هويم» وإن صعب عليك هذا 
فعسى تسلم أنه مععك بالعلم والفعل» فإذا سلمت هذا تسلم أن الذي استجاب لك إنما 
هو الوجودء فإذا سلمت هذا سلمت ذلك فعجل بذلكء» ولا تكن كذلكء فما يحق لك 
ذلك يا هالكء يا مالكء انظر من حالكء» وقل بعد ذلك: يا حق! يا أبد! يا راحم! يا 
أحدا! يا أكبر! يا واجب الوجود, الذي الوجودي» ووحدته واحد! يا ماهية كل ماهية! يا 
أنية كل أنية! يا مُعلّمي قد 7 تعبت! ارحمني قد هلكت,ء أغثني قد عجزت,» خلصنيء ولا 
حاجة لي بشيء؛ لأنك كنت عينه؛ ونخاف تمقتني بمجرد الطلبء, لكته من أجلك 


رسالة التصيحة أو التورية 243 
فاجمعني بك, واجمع علي إياك» واجعلني إلي عندك» عرفتك فلا شيء يقنعني إذ لا شيء 
عندي إلا أنت. 

وكان بعضهم يقول: ويا ألله شا ها يا الله إلا يا يا يا الله إلا إلا إلا يا الله إلا أياي» 
وبعضهم كان يقول: «قد قد قد هذا هذا هذا له له لهم. 

وبعضهم كان يقرأ القرآنء فإذا ختمه يقول: ختمته بالجسمء ونحب أن نحتمه 
بالروح ثم يقول: نعم نعم نعم. 

وهذا كله أردت أن نعرفك بتراجم الأمورء وبعين المعلوم؛ وبحقيقة الأمرء فافهم» 
السعادة كلها صمدية ممُحمدية خلدية» ومُعاد التحية والرحمة والبركة على الجميع. 

قال ذلك عبد الله وهو عبد الحق7' ابن مراتب توبة رسول الله يله ني اليوم لطف الله 
به والحمد لله وحده قيدتها للمحق على الإطلاق» ومن أجل الله بالقصد الأول» وللولد 
الصالح النبيه النجيب المحب في الله. ولأهله: نور الدين بالقصد الثاني بأنه ييبحث عن 
سعادته» ويسعى في صلاح عادته» وصلاح عبادته» وقد عزم على تحصيل معناه» والظفر 
بما تمناه» وتمسسك بحبل حب الله» وجعل حب رجاله بيمناه نوره الله بالعلم الذي يحمل 
إلى المعرفة» وإلى مضاعفات اليقين الثلاثة» وإلى العلم المحسوب بعدها بصيرته. 

وأصلح سره وسيرته وسريرته» وحمله على الطريقة» وجمع له ني كسبه الملكوتي بين 
الشريعة والحقيقة» وكشف له عن حقائق الأمور حتى ييصر المعقولات بعين قلبه» كما 
أبصر المحسوسات بعين حسه. وأيده بروح منه» وعرفه طريقه» وحبب له صديقه وفريقه. 
وأنعم عليه بالنور الذي إذا قام به أبصره بنفسه. وأبصر به ما سواهء ثم يبصر به فقطء ثم 
ما هو على ما هو به بما هو هو حتى يصل إلى الشاهد لنفسه المتفق من جميع ججهاته) 
ورزقه الله التجوهر بالمحمود المدبر. 

وبالجملة عرفه الله الحق» وحرر له قصده وحفظ بمجده مجدهء وأدام بجده جده» 
ورحم والده وجدهء ويسر له حدهء والهمه حمده» وجدد له في ذلك جدهء وغبطه 
بوجودهء وتواجده» وقوى له وجده. 

وسميتها (النورية) منسوبة إلى لقبه» فإنها مرسومة برسمه. ومشهورة باسمه. 

ورضي الله عن المعتبر عند المعتبر» وأنعم عليه به» وجعله أجل من الذي يقولء وقوله 
الحقء وقطعه العالم الذي يفتقر فيه إلى البحث عن تحصيل السعادة وتستطرف فيه 


(1) يقصد نفسه سيدي عيد الحق بن سبعين قلس سره. 


214 رسائل ابن سبعين 
المقامات. وخرق العادة: محبي الدين بالله» وعن جميع أصحابنا. 

وسلام الله عليهم بجميع أنحاء المحامد المضافة له» ورحمة الله وبركته يا نور الدين. 

اغتبط بهذا اللقب الذي لقبك الله به فإنه في غاية الحسن» واشكر الله ربك عليه 
واجعله مذكرك بالله وإذا دعاك أحد به تذكر به إلى مدلوله العزيز» واسمع منه» وحصل 
قوانين الذكر المذكورء ونادم بدك المعروف بك باسمك المذكر باسمه» ويكون الذاكر 
والمذكور والذكر منك وإليك. 

واعلم أن النور محمود الحال» وكل طائفة تعظم هذه الكلمة والله يقول: [اللّهُ ورٌ 
السّمَاوَات وَالأرْض» [التور: 35]. 

والنبي و3 قال لأى ذر وقد سأله: 

«هل رأيت ربك؟ قال: نور أنا أراه»”". 

والنور كثير المفهوم: وعزيز المعلوم» وجليل القدر في القلب» وهو الضياء لغة. 

وهو الذي إذا ظهر ظهر بنفسه؛ وظهر ما سواه محسوممًا ومعقولاء وهو الشاهد لنفسه 
المتفق من جميع جهاته الذي تدركه الحواس الخمسء ويتطرق إليه الوهم» ويدل عليه 
الدليل» ويعلم ببديبة العقل» وهو طبيعية الأرواح؛ بل هو الوجود على الحقيقة» وهو 
الكاشف الظاهر؛ ولذلك يجوز أن يقال ني القرآن نور فإنه يكشفء وبه تُبْصّر طرق 
السعادة, والنبي نورٌ؛ والعقل نور والعلم نور والشيخ نور والطريق» وما أشبه ذلك0©. 

والناس يعظمون هذه الصيغة» ومن عظمتها دخلها التأويل الكثير الخارج منه المرئي 
خارج الذهنء والداخل والخارج الفلكي قد عبدت موضوعاته أعني: الكواكب والطبيعي 
أعني: النار كذلك, وذلك على جبة مجاورة المثال» ولكون الكشف الذي يتناسب 
والداخل النفس والقوى والعقول المستفادة والأحوال الشريفة. 

والمتكلم يقول في قول الله تعالى: (اللَهُ نُورُ السّمَاوَات وَالأرّْض» [النور: 35]؛ 
معناه هو الحادي وصدقء ويقول: هو خالق النيرات وصدقء ويقول: هو منور وصدق» 
والفقيه يقول ذلك بحسب ما تقوله العرب. 

وقد قال بعضهم: العلم نور يضعه الله ني قلب عبده. وإذا عدل في ذلك عما تقوله 


(1) رواه مسلم (161/1)» وأحمد (157/5). 
(2) والنور: كل وارد يطرد الكون عن القلبء ولا بد أن يكون عين الحق ينيوعه» فلا يثيت 
معه الكون. 


وسالة النصيحة أو النورية 55 
العرب أطلق على مدركات؛ لأن العرب تطلقه على الضياء. 

والصوفية تطلقه على الأحوال الكاشفة تارة» وعلى الأرواح أخرىء وعلى المواهمب 
ثالثة» وعلى المشاهد رابعة» وعلى الاستغاثة خامسة. 

وفيه قال أبو طالب المكي” “: «لا يرى إلا بنوره» ولا يشهد إلا بحضوره». 

وعلى ما يخص السرء وعلى الظفر بالعلم اللدني» وعلى الوجود. وعلى الجمال 
المطلق» وعلى التوحيد الخالصء وإليه أشار الغزالي في آخر «المشكاة” »» وقسمه إلى 
أقسام, والأول منها تكلم عليه بحسب الصنائع. 

والمحقق يجعله الإحاطة» وفص التطورء والقضية اللنازمة» والتقديس البسيط» والعين 
الجامعة المانعة» والعموم الواحد» والامتداد القصيرء والوجود الغائب الحاضرء والمعنى 
الذي لا يخبر عنه وإن أخبر عنه وقع في غيره أو فيه بالوهم من حيث أن له ذلك كله من 
غير قصد للمخبر. 

والفيلسوف يطلقه على الذوات المفارقة بالجملة» وعلى المفارقة بالنظر إلى ذواتها؛ 
لأنها فارقت الأجسام لا من جهة الاستعمال كنفوس الأفلاك» والنفوس اللحزئية» ونور 
الأنوار عندهم هو الله. 

ومنهم' من يقسم الأنوار إلى ثلاثة» والرابع هو الطبيعي» وهو عندهم على جبة 
ضرب المثال بالنظر إلى الأنوار» ومنهم من يطلقه على الميولى» وعلى الصورة المحردة» 
والمثل المعلقة» ومنهم من يقول: عالم النور هو عالم أخر فوق ذلك كله وهو العالم الذي 
هو لله على الخصوصء والله عندهم أجل من أن يطلق عليه اسم النور» وإن أطلق عليه 
فإها هو في بعض المظاهر للتشريف. 

والمحوس يُطلقون النور على الله» وعلى الخير الحض» والبراهمة إذا ذكر عندهم اسم 
النور؛ يسجدون في ذلك الوقت عندما يذكر بينهم إذ يسمعونه» ويتكلمون بكلمات 
مفهومها بعد بسم الله الرحمن الرحيم» صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم: 
«أنت! أنت! أنت! تعاليت يا رب الأرباب». 

والنور عند اليهود حيثئما جاء في توراتهم المراد به: عالم الملائكة» وحضرة الحق 


(1) صاحب قوت القلوب. 
(2) أي مشكاة الأنوار. 


(3) يقصد الشهاب السهروردي المقتول» صاحب هياكل النور. 


246 رسائل ابن سبعين 
وصفاته. 

وعند الإفرنج: هو كتاية عن اللاهوت, وبالخصوص في عيسىء هو النور الذي أهبطه 
إلى الأرض» وهو واحد بالموضوع كثير بالقول والهيئة» وبالعكس إذا تشخمص المظهر 
المعتبر. 

وبالجملة مذاهب الإفرنج خمسة: النبيهة منها هي القريبة من الفلسفة وكلها تتكلم في 
النورء وتعظمه: وغير هذه الخمسة لا تصلح لشيءء ولا يصلح الكلام فيها لحكيمء ولا 
لمسلم. 

والقوم على فلسفة أفلاطون عاكفون» وهم لا يعلمون وأعوذ بالله من دين لا يعلم 
فيه قصد الله ولا تحرر فيه قوة نبيه ومراده» فاعلم النورء يا نور الدين فاعتقد أنه من 
خواص الدين» واشكر مالك يوم الدين كَبَق. 

تفئات صدر بعض الذاكرين كان قد كظمهاء صيّعُها فصل المقال» ومدلوها نوره 
شجر نور الخلد» حيث لمحل والحال تحض على الله وتصد عن اللاهي قلت: ذكر الله 
حكمة لا يعقلها إلا ضمير الصديق. 

ذكر الله نوره» ولكن لا ييصره إلا نور حدقة البصيرة. 

ذكر الله نسيم حضرته. ولا يدركه إلا صديق. 

ذكر الله نعمته الأصلية» وطريق جنته الآجلة» وعين جتته العاجلة حال الذاكرين رائحة 
أنفاس الذكرء ولا يشمها منهم إلا منيب أو مدرك. 

ذكر الله عبادة ملائكته» وسبب قرمهم. 

ذكر الله خيره المعتبر» ذلك الله عقل مستفاد. 

ذكر الله نتيجة مقام الإحسانء, ذكر الله نتيجة مقدمتها الإيمان» وبرهان قياسها 
الإخلاص. 

ذكر الله روح منفصل يحفظ الروح المتصلء فإذا اتصل كان الوصول. 

ذكر الله لذة لا يكفيها أحد. 

ذكر الله استرواح الأرواح لعالمها وسلمها المنتسب. 

ذكر الله باب الفكر النافع» وذلك الفكر باب التطلع الكاشف,» وذلك التطلع باب 
التصفح الصادقء. وذلك التصفح باب الاتصال الثابت» وذلك الاتصال باب الخلافة 
الكاملة» وتلك الخلافة باب الحرية» وتلك الحرية باب الشأن الثابت» وذلك الشأن باب 
الكنه» والباب الذي يلي هذا ورد الأمر بصدهء وجاء النبي عن فتحهء وقد فتح بالإلزام» 


رسالة النصيحة أو النورية 2417 


فافهم» ثم افتح حديث نفس نفيس. 

غبِطتُ من يذكر ثم يفكر فيجدء أو يجد ثم يذكر فيفكرء وعجبت ممّن يذكر ولا 
يفكر فيجد؛ بل ممّن يفكر ولا يذكر فيجد, بل ممن يجد ولا يذكر فيعتبر» بل ممّن يجد 
ولا يفكر فيذكرء بل ممّن يجد ثم يذكر ولا يفكر ثم لا يجدء بل ممن يجد ثم يفكر ولا 
يذكر» بل ممّن يجد ولا يذكر ولا يفكر فيجدء بل ممّن يجد ثم لا يجد. وبعد ذلك يجدء 
بل ممّن لا يجد ولا يجد أنه لم يجدء ولا يمكن فيه أن يجدء ولا يعقل الوجود في غيره» 
بل ممن هو ذلك بجملتهء ولا يصح فيه ذلك بالوجه الذي نذكر فيه التقديم والتأخير 
والتوسط قبل تنوع الشيء المشار إليه صحبة مجموعه الذي فرضه الوهمء وتوهم فيه الأقل 
والأكثر. 

الكلام في الإنسان بحسب اصطلاح الواصلين بالوصول المعتّبر» فإن إنسان الحكماء 
وبعض الصوفية بهتان» وآلة حرمان؛ وبوجه ما بستان» ومظهر رحمنء وحج وبرهان» 
وبالجملة: إنسان عامة خاصة الخاصة ينشد: 

أنا الغريق فما خوفي من البلل؟! 

فإذا صعد إلى حقيقته بالتركيب ينشد بيت لبيد إذا نزل بالتحليل؛ ثم يقرا قوله 
تعلى: لإفَسْبْحَانَ الذي بيده مَلَكُوتَُ كل شيء وَإِليْهِ نرْجَعُونَ» [يس: 3] ويتبعبا ويشيعها 
بقوله: (أفي الله شلك [إبراهيم: 0 ويردف بقوله: (قُل أَمَرَ رَئّي بالقسنط» 
[الأعراف: 29]. في نهايته ووصوله الذي لا يصح بعده ما يفرض فيه بوجهء ولا على 
حال ولسان حاله يقول: لإوَأَنْ إلى رَبك الْمُسَبَى) [النجم: 42]» وإنسان خاصة 
الخاصة ينشئ أمره بين مظهر ومظهرء ويتوسط في حقء وانجرار وهمء وينتهي حيث 
يستقر كنهه بمعنى أنه هو محمود في مهد سكينة صحبة بساطة عريّة عن شوائب التقديم 
والتأخيرء والعدة الذي يجمع بين العدة» ووجود الوحدة المطلقة» أعني: وحدة الوجود 
ويكف عن كل ما يدخل تحت هذا القبيل من الأمور الإضافية مثل الزمان والمكان» 
والقدم والحدوث,. والفاعل والمفعول» ولا ينكر وجود ما في وجوده إذا كانت الماهية هي 
نفس الوجودء وهذا الكلام عنده بحسب الناس» وتكون النفس تطلب بشأنهاء والموضع 
لا يسع فيه أن يتكلم فيه بما هو به على ما هو عليه أصلاً. 

وكل كلام ني التحقيق هو بخلاف الحق أو معنى يخبر عنه؛ ولا يجتمع معه ني الدلالة 
ويجتمع معه في الوجود. ومن أهل الحق من أنكر هذاء وقال هذه بقية وهمية» ومنهم من 
أنكر على هذا المنكر لا من حيث التعليل فقط؛ بل من حيث ذلكء والملاحظة 


53 رسائل ابن سبعين 
والتعقيب» فنر جع إلى حال فنقول: هو يستند ويجمع أخباره» وكله نقطة وامتداد ودائرة» 
وقبض وبسط. ثم ينظر يي هذا ويحيله. ويعود إلى الوحدة النقية الخالصة التي تكاد أن 
تَعْرَى عن الوحدة لإفراط إفرادهاء ولكونها أنكرت النسب والأسماءء وهذا التوقيف عنده 
هي العبودية. وهي التي تعدم منها بساطة الوحدة في وجودها مهاء وقيامها عليها فقط هذا 
عند بعضهم) وبعضهم يمنع ويهدد أخباره كلباء وحيثئما يجد الضمير سكته بهاء وهي 
أيضًا تجذبه» وإثبات قفص الحق» وأصله قد نبهبت عليه في ويد العارف»» وفي كتاب 
«البهت»» وفي «البحث في الشأن العزيزي» ومن قبله» وهو قطع مستمرء وكنه لاحق 
وحمد غالب» ونور مرسل» ثم ما هو أعني هذا المشار إليه بشرط أن يترك» فاعلم» 
واجهل وبالفرض المقدرء فكيف والحمد لله وحده. 
كملت الرسالة النورية بعون الله فالحمد لله. 
3# أ 6د 
بسم الله الرحمن الرحيم 


رسالة الألواج 
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم كثيرًا دائما 

الله فقط! الله المستعان والمستعين» والإعانة معنى فيه في كونه معيئًا ومستعيئًا. 

الحمد الله في الأزل» والأبد ولي الم ومن هو مهما عين الحامد والحمد. 

والصلاة على من به تم القصدء وعنه بعد الأخذ تعين الرد» وعلى جيران نشأته التي 
هي يتيمة العقد. وهم الفرايد المختلفات في النضد من معنى القرب والبعدء ولا حول ولا 
قوة إلا بالساري بناته في أفعاله عن أسمائه بصفاته» أحب فتسمى بالحي» وأحاط فتسمى 
بالعالم» واستدعت معانيها الظهور فتسمى بالمريد» وقبلت ذلك فتسمى بالقادر» وهو 
عين الأول والآخر والظاهر والباطن» هو عين كل ظاهر؛ فحق له أن يتسمّى بالظهر» وهو 
معنى كل معنى؛ فحق له أن يتسمى بالباطنء وله القبلية المرتبية الوجودية بالفعل؛ فحق له 
أن يتسبمى بالأول» وإليه يرجع الأمر كله بحقيقة الإيجاد. وبحكم أن عدم النهاية هو له 
حقيقة؛ فحق له أن يتسمى بالآخر» وله الإحاطة بعين ما هو به محيط هو به عالم» فهو 


بكل شيء عليم. 


وسالة الألواح 249 

أسماؤه اعتبارية0©؛ فلذلك لا تنتقل» ولكون مسمّاها واحدًا فبعضها من بعض يتبدل» 
فاسمه المعين له من اللوح هو بالنسبة إلى ما تعين من القلم الآخرء لكنه يعينه بالنسبة إلى 
ما تعين بعد اللوح هو الأول والتعين صفة المتعين» والكون هو حقيقة المتكون» فاعجب 
له من ثابت متلون ومتبدل متصون. الترتيب الطبيعي الذي جماعه التركيب العرشي هو 
حكمته؛ فحق له أن يتسمى بالحكيم؛ ومقادير ما ترتب متناسبًا ومتنافرا هو المقدر لها 
فحق له أن يتسمّى بالمقدرء والمترتب والمتقدر. ليس عين معانيه وليست غيره؛ فالحكم 
لها يغبت الحكم له مهاء وهي هو فالحكم كله لا يريد إلا ما تقبله معانيه» وهي هوء فقبوها 
نفس إرادته إن كليّا فكلية» وإن جزئيًًا فجرئية. 

حدوث العالم ثابت له في الأزل» وهو هوء فالحدوث واجبء والحدث حق لازب لم 
يتجدد له التجدد فأين التجدد؟ ما ثم من يضاف إليه غيره» فأين التعدد؟ ينظر الضدٌ 
لْضِدّه فيه بعين الملاءمة والتوددء والناظر والمنظور عين في شرع التوحيد ينزل الأمر فيه 
منه عليه» وينسب الشيء إلى غيره فتشهده. فتجده منتسبًا إليه» ما عبد غيره» ولا تناول 
متناول إلا خيره. 


(1) قال سيدي علي وفا في المسامع: الاسم عين المسمّى» ؛ وقولهم للشيء وجود ني اللفظ وني الكتابة» 
كما له وجود في الذهن والحس, الأول وهم والثاني حق لق لبا ري حَقا» [يوسف: 
0 أي حسية, ولأن الحيز باطل فعكسه حق إما واجب لذاته» أو ممكن موجود؛ فواجب 
بغيرة والوهمي عدميء فثم أمماء عدمية كالأسماء التي لا عين لها إلا في الوهمء كالحدوث والتكيف 
والتحيز» وسائر الأمور التي ترجع إلى نسب وإضافات لا حاصل لها سوى ذلكء فبهذه العدمية 
تميز الوجود الحق المحض المحرد الذي لا يقبلها عمن قبلهاء فيحتجب بها عن حقيقته وحقه الذي 
هو هو من حيث هو هوء ويشعر به مغايرًا له مهاء فبها ينكره في عين معرفته وعكسه: ويجده ني 
عين فقّده وعكسه ويشهذله في عين حجيه وعكسهه فهو جامع بين الضدين» فاتح عن عيون 
عدميةق وهم عن مثله. 
وحيث الكل مراتب العلم والحياة تحقيقّاء أو تقديرا» أو إدراكاء أو فعلاء كانت كلها مراتب 
حقية لتصريفات خلقية» إن الله يَحْكُمٌ ما يُرِيدُ» [المائدة: 1]. 
انظر كيف بعلمك الناقص عرفت علمه الكامل» وبعجزك عرفت نفوذ قدرتهء وبفقرك عرفت 
غناه» وبحياتك الناقصة عرفت كمال حياته» فما دل فيك بالولائية فأصله هو نفس مدلوله» 
ومميزه أمر عدمي: وما دل منك بالمخالفة فأمر عدمي» كله قدر ليدل فيكون لمدلوله كالوجود 
اللفظي أو الكتبيء فالعلم والحياة واحد لواحد في جميع المراتب التي هي آحاده؛ والنقص كالعجز 
والفقر أمورٍ عدمية وقس على هذء فسبحان من جعل لا شيء مظهرًا كالمرآة لما هو شيء؛ 
ظفَسْبْحَان الذي بده مَلَكُوت كل شيء وليه تُرْجَعُون » [يس: 83]. 


2 رسائل ابن سبعين 
الله ققط: «إوإلهكم إله واحد لا إلا هو الرحمن الرحيم» [البقرة: 163] له الملك في 
بعض ما ذكرء وله الحمد بذلك» وله ما لا يمكن وجوده في الملك» ويمكن ني الملكوت 
ني بعض ما يفهم من لازم البعضء وله الطول في الجميع؛ وله ما وراء ذلك بما يفهم من 
وراء ذلكء وله الحق الذي يدل عليه صحبة ذلك الدليل؛ وله الكل في موضع اعتبار ماء 
وني وقت فقطء وله الأول والآخر والظاهر والباطن من كل ما كل منهء وذلك على ثلاثة 
أنحاءء وانظر ذلك في لازم العلم» وفي لازم الفعل» وني وصف الوهم بين ذلك إلى الله 
فك 

ذا بعد المفهوم الأول الذي عليه الإجماع (الرَحْمَنْ عَلَى الْعَرْشٍ اسْكَوَى» [طه: 5]» 
ليت شعري هل كان ذلك :ول يرل4 اوعيدت يعد زة جاء وي ما يضواقي عقه ار 
هو بحسب قراءة ماء أو إلى الله علمه. أو هي في كنه كل أحد, والأشوذج يخصص مهمل 
الذات إذا علم العبد الله هل يصح له أن يقول: أنا مع ذلك آم لا؟ 

وإذا علّم العبد هل يصح له أن يقول الله أم لا؟ 

أم هل له أن يجمع بين ذلك؟ 

ما أعجب الحب في قلب من لا يوجه إلى شيء حتى تقرأه طباع التحقيق» وكذلك 
التوحيدء وكذلك المعرفة» وأكثر المقامات هكناء انظر إلى ذاتك فإن شعرت بالكمال 
اعرض عليها ما ينبغي أن تسكت عنه» وما ينبغي أن يعلم» وما ينبغي أن يفعل» وكذا 
وكذا وكذا فإن وجدت فهي التي لا يزاد فيها وينقص منهاء فتحتاج إلى نيل ذلك 
وتصطاده في كل مكان تجده بأي شرك يمكنها إن أحبت الكمال» وإن كعت أو تأخرت 
فتعلم أنها ناقصةء والنقص يجذب النقصء كما أن الكمال يجذب الكمال» والكمال 
ينقسم إلى: كمال به تصح ماهيته» وكأنه كمال ذلك الكمال» وهو صلاح ذلك الاستعداد 
والفطرة الشريفة التي خلقت» ورأسها إلى فوق من حيث بدأت فقطء وإن قال الوهم 
إليك عنى بذلك كله ويخدعه باطله الذي وصل لبعض ضعفاء الوقت» وخدعه في الله من 
حيث شرع في الوصول إليه بواسطة التوحيد الذي تخترعه طباع اللناهل المعظم نفسه 
الذي لا يصح له الحال» ولا يصححه من أحد لطف الله به به الحمد لله عليه أريد على 
ما حصل منه بأي نوع كان. 

الله فقط: الكل له بالأصالة كل كمال» وهو الكل بالمطابقة» وبالتضمن عين الكمال» 
وسر الحمال» وغاية الحلال» وبالالتزام ما أنا عليه» ولي بالإصالة كل نقص وافى الجزء 
بالمطابقة» وبالتضمن غاية القبح وناية الذل والحقارة» وبالالتزام ماله فلي بالأصالة ما 


رسائة الألواح 251 


ليس له مهاء وبالتضمن كذالكء وبالالتزام ثبت الاشتراك. 

الرجل من يحكي الوجود, منهم الشوذي هو الكل بك معيئاء وكل الكل بك معيئاء 
وأنت الجزء به معيئاء وجزء الحزء به لا معيئّاء وأنت به لا شيء» وهو بلا أنت ثابت أبداء 
فالكمال له بك معيئاء وكمال الكمال له بك لا معيئاء وبدونك لا وصف له سوى 
الثتبوت» وهو الوجود في كل موجودء وهو مع كل شيء» ومتى سرى من ذلك حكم إلى 
غيره» فمنه لا من ذلك الشيء فله في ذلك الحكم إيجاده. وللشيء فيه الشبه فيه فقط؛ 
لأنه في الماء ماءء وفي النار نارء وفي الحلو حلوء وني المر مرء فمهما سرى حكم من 
شيء إلى شيء؟ فله الإيجادء وللشيء فيه الشبه. 
مثال ذلك: هو مع السراج نور بصورته فيسرج منه سرج كثيرة تشبهه: والإيجاد لمن هو 
مع كل شيء بصورة ذلك الشيء» ولو كانت تلك السرج التي أوقدت من السراج من 
ماهيته هو؛ لفنيت مادته بإيقاد جملته من السرج منه» وكان يظهر فيه الضعف قليلاً قليلاً 
حتى يفنى؛ وإنما الإمداد من الأمر الذي هو مع كل شيء بصورة ذلك الشيء» ولا صورة 
له هو ولو قيدته صورة ما لم يكن مع كل شيء إلا معها فقطء تعالى وتقدس» فهو 
الوجود كلهء ولا وجود لشيء معه إلا لعلمه به» أنت علمه. فأنت به ثابت من حيثية 
مغايرة علمه إياه» وهي التعيين» وبه هو موجود من حيثية أن علمه عين ذاته. وهي آلا 
تعيين» وأنت المتعين من حيث أنت صورة في العلم» لا من حيث إطلاق العلم» فإن عرفته 
في كل شيء عين كل شيءء لا الصورة المتعينة لم تجهله في صورة أصلاء ولم تكن ممّن 
يتجلّى له في غير الصورة التي يعرفهاء فيتعوذ. منه حتى يتجلّى له في الصورة التي يعرفها 
فيتبعه» وهذا وإن كان من السعداء؛ فهو بعيد من أهل العلم بالله جدّاء وأي معرفة لمن 
يعرف المطلق مقيدًا بصورة ما؟ فهذا إلى الجهل أقرب منه إلى العلم. 

غير أن بركة الإيمان وسعادته شملته. فيتنعم بسعادته في الحنة من وراء غيب الإيمان» 
وشفع له النبي الذي صدقه؛ فرفعت له الحجب وقنًا ماء فيتنعم بالمشاهد بحسب حاله, 
وعلى قدر نصيبه من رسوخه في الإيمان» وأخذه لنصيبه من مقام الإحسان, فإذا هو كأنه 
يراه إلى أن رآهء وأين هذا المقام من مقام من رآه مذ عرفه في كل شيء عَيْن كل شيء 
سوى تقيد الشيءء وتعينه بأنه هذا؟ فإنه لا تجوز إليه الإشارة؛ لأنه لم تقيده صورة قط 
فمن عرفه كما قلنا ورآه في كل شيء لم ينسه قطء ولم ينسحب عليه من عتاب الآية 
شيء هو قوله: (نسُوا الله فَتَسيَبُم6 [التوبة: 67]» حاشاهم من ذلك؛ بل ذكروه دائمًا 
فذكرهم ورأوه في كل شيء» ومع كل شيء» فشاهدهم كذلك» وشهد لهم بالكمال. 


25 رسائل ابن سبعين 
فصل 

الذات عرِية عن المادة» والعلم كالمشوب بها شيء لا كالمستند إلى شيءء ولا 
كالمرتكز فيه» ولا كالمربوط عليه» ولا كالملتحم فيه» ولا كالحال فيه كحلول الماء في 
الإناء» لكنه وجود يسيل ولا يقف» ويستمر ولا يختلف؛ ويشار إليه صحبة مجموعه الأول 
والآخر والظاهر والباطن» فالذات مع العلم دائماء وهي الباطنة» وهو الظاهر بخلافك أنت 
الظاهرء وعلمك باطن أبداء وما في الوجود سواه معك وسواك به» فأنت معين صورة 
علمه: وغير معين علمه» وهو علمك, وحكمه فيك بخلاف حكمك فيه» ترى وتبصر 
وتعلم» وبك يرى وييصر ويعلم. 

فصل 

الأمر الغريب منقول من علم المحل فعلمه في الإنسانية إنسانء وفي ح ح. وني ن ن» 
وني ج ج. وني العالمية علمء وني العاقلية عقل» وني ح ح, وني ذ ذء وكذلك في كل 
مرتبة لا ظهور له إلا بالمراتب» ولا وجود ا إلا به» فكل ما عقل أو أحس فهو وجود 
ومرتبة» والعقل مرتبة» والحس مرتبة» والمراتب زائلة» والوجود ثابت»ء والثابت حق» 
والزائل وهم وباطل. 

أمّا كونه باطلاً فبين؛ لأن المراتب عوارض للوجودء والعرض لا يبقي زمانين في 
التحقيق» فهو باطل أبداء فإن أردف بعده عرض مثله في الزمان الثانيء وأخر في الثالث 
توهم أنه باق» وإن أردف ضده قيل ثان» وأمًا كونه وهما فبين أيضًا لسببين: 

أحدهما: أن العرض لا يدرك تامّاء ولا يؤثر تامّاء إلا بتواليه أزمانًا بالأمئال» فذلك 
البقاء المتوهم يؤثر أزمانا في الإدراك» والإدراك والتأثير لعرض مشروط بالبقاء» والبقاء 
وهم. 

والسبب الثاني: أن الحق أن ينسب كل ما أدرك من الأحكام حسنًا أو عقلاً إلى 
الثابت لا إلى الزائل؛ لأن نسبته إلى الوجود الثابت حقء ونسبته إلى المرتبة الزائلة وهم 
فثبت أن الحق هو الوجود والوهم هي المراتب الزائلة والباطلة» وك شَيْء هَالك» 
[القصص: 2]88 وهي المراتب الوهمية لإإلا وَجنبه»4 [القصص: 88], وهو المجد 
والوجود وهو الأمر الذي لا تخرج عنه حقيقة من الحقائق الموصوفة بالوجودء ولا وصف 
له ولا نعت ولا حد ولا رسم بالنظر إلى ذاته» سوى أنه وجود. 

ولم يوصف أيضا بالوجود إلا بالنظر إلى الموجود, والموجود إما واجب الوجود. 


وسالة الألواح 253 


وهو الكل والهوية» وإما ممكن الوجودء وهو الجزء والماهية» فالربوبية هي الهوية التي هي 
الكل» والعبودية هي الماهية التي هي الحزء» فما من حقيقة منسوبة إلى الهوية بالأصالة إلا 
واسمها كلء وما من حقيقة منسوبة إلى الماهية بالأصالة إلا واسمها جزءء ولا وجود لكل 
إلا في جزءء ولا بحزء إلا في كل. 

فاتحد الكل باللجزء فارتبطا بالأصل وهو الوجودء وافترقا وانفصلا بالفرع» وهو نسبة 
ما به التعدد والتمييزء فالعامة والجهال غلب عليهم العارضء» وهو الكثرة والتعدد. 
والخاصة العلماء غلب عليهم الأصل» وهو وحدة الوجود؛ فمّن كان مع الأصل لم ينتقل» 
ولم يتحول وثبت على علمه وتحقيقه» ومن كان مع الفرع تحول وانتقل» وكثرت عليه 
الأمورء فنسي وسها وجهلء وإذا انقسمت الأشياء لم تعلم معّاء وإذا توحدت علمت 
علمهاء وعلمها ذاتها(©. 


(1) قال الصدر القونوي في النفحات الإلهية (ص 137) بتحقيقنا: اعلم أن حقيقة الحق هي التي تلي 
في المرتية إطلاقه الغيبي؛ النحهول النعت والاسمء والإحاطة العلمية المنفية عن الحق بالنسية إلى 
الغيرة عبارة عن صورة علمه بنضه في نفسه من حيث ضخة إضافة العلم إليه بأي نوج من أنواع 
الإضافة شعت له وتصوارت» وإدراكه نفسه سبحانه متعينة بتعين هو محتد جميع التعينات 
الموصوف بها الحق وما سواه؛ والموجب هذا التعين هي الحقيقة الإنسانية الكمالية الإهية المنعوتة 
بأحدية الجمع؛ لكن لا مطلقًا؛ بل من حيث ما تتميزء أعني هذه الحقيقة عن الإطلاق الغيبي 
المذكور آنقا؛ فإنها من وجه آخر لا تغاير ذلك الغيب» ولا تمتاز عنه؛ كما لا يمتاز الحق من 
حيث تعينه المذكور عن إطلاقه الغيبي المنبّه عليه 
وإذ نبهتّك على حقيقة الحق وحقيقة العلم بهذين الأصلين اللذين هما كالمقدمتين لما اذكره من 
بعد. فاعلم أن حقيقة كل ما عدا الحق عبارة عن: تعين صورة معلوميته في علم الحق أزلاً وأبدًا 
على وتيرة واحدة؛ فالعلم الصحيح الكامل بالحق أو بمعلوم ما سواه إنما يحصل تمامًا إذا أدركه 
المدرك في مس تعينه الأول بصورة 8 معاوميدة غلم اللبوه ولن يصح ذلك لأحد إلا بأن يرقي 
من مراتب التعدّدات العارضة له من وجه؛ بسبب التلبس بالوجود والقاضية بالحمييز؛ وينسلخ من 
كل كثرة تقضي بالمغايرة بينة وبين ما يتوه إلى معرفته كان ما كان. 
فإذا وصل إلى مرتية ذلك المعلوم اُحد به بموجب حكم القدر المشترك بينهما؛ الماحي آثار 
المغايرة والامتياز كما مر بيانه» وحالتكذ يشهده حقيقة» ويشهد الأمر الموجب التمبيز الثابت أبدًا 
بين العالم والمعلوم لا مطلقًا من كل وجه؛ بل من حيث كون أحلهما يسمى عالماً والآخر 
معلوماء فافهم. 
ويشهد أيضًا المميزات الأخر المتناهية الحكم وقنّاء وحالات ونشأةٌ وموطنًا ونحو ذلك؛ فيعرف 
عند ذلك ما هو ثابت الإضافة إليه وإلى غيره بشرط أو شروط؛ وما هو الثابت نفيه أيضًا عنه 
وعن سواه كذلك. 1 : 


254 


رسائل أبن سبعين 


وإذا عرفت هذاء فاعلم أن أكمل العلوم وأتمها مضاهاةً لعلم الحق؛ لا يحصل إلا لمن خخلت ذاته 
عن كل صفة ة ونقشء واستقر في حاق النقطة العظمى الخامعة للمراتب كلها والوجودات 
والاعتدال الحقيقي المحيط بالاعتدالاات المعنوية والروحانية والمثالية والحسية وما يتبعها من 
الكمالات النسبية والدرجات» فتحقق بالإطلاق الكمالي الإلحي والتعين الأول الذي قلنا أنه محتد 
جميع التعينات حتى صارت ذاته كالمرآة لكل شيء من حق وخلق ينطبع ة فيه كل معلوم كان ما 
كان ويتعين في مرآتيته بعين تعينه في نفسه» وني «علم الحق» لا يتجدّد له تعين آخر مطابق لتعينه 
الأول أو غير مطابق» وهذا العلم هو أشرف العلوم؛ وأكملباء وأعلاهاء ولا يمتاز علم الحق عن 
هذا العلم إلا بالتقدّم ودوام الإحاطة وكمال الانبساط مع الانسحاب لا غير» فافهم. 

ويلي هذه المرتية العلمية: أن يكون «علمٍ العالم بالمعلوم»م كان ما كان هو بأن يستجلي ذلك 
المعلوم في نفسه؛ ويتعيّن له لديه صورةٌ تامّة المضاهاة لتعينه الأول الثابت لذلك المعلوم في علم 
الحق أزلاً دون انصباغ المعلوم بخاصية واسطة ما. 

وهكذا هي صورة علم العقل الأول بالحق وبنفسه: وبما أودع ربه فيه من علمه سبحانه بالعالم 
المقدّر الوجود إلى يوم القيامة. 

ويلي هذه المرتبة الثانية العلمية المذكورة: «علم اللوح المحفوظ» المسمى عند قوم بالنفس الكلية؛ 
وعلم كل إنسان كانت غاية مرتبة نفسه هناك؛ وهو علم يمتاز عن العلم الأكمل وينزل عنه 
بدرجتين: 

الدرجة الأولى: بسبب التعين الثاني؛ فإنه وإن كان مطابقا للتعيّن الأول الثابت في علم الحق أزلاً؛ 
فإنه محاك له ليس عينه؛ ومحاكي الحقيقة لا يكون نفس الحقيقة وهذا العلم المتعين في الدرجة 
الثالئة النفسية اللوحية له صورة محاكية للمحاكي الأول ومنصيغة بحكم قيد المحاكي وإمكانه؛ فهبي 
في المحاكي الأول ذات قيد وانفعال واحد؛ وهي في هذه المرتية ذات قيدين وانفعالين؛ بل بنفس 
الارتسام في نفس اللوح يحدث انفعال ثالث وقيد آخر غير القيدين» فإنه لا ييقى لديه على نحو 
ما وصل الأمر إليه؛ هذا محال» فافهم واستيصر. 

نم تنحط مراتب العلم ودرجاته بمقدار الخروج الانحرائي عن حاق النقطة الوسطية الإعتدالية 
المذكورة الثابتة في مقام مسامتة الحضرة الإهية الذاتية الكمالية» فينقص العلم لذلك وتتضاعف 
أيضًا مع هذه الدرجات الانحرافية صور المطابقات والمحاكات على مقدار كثرة الوسائط وكثرة 
صور محاكاتهم وتضاعف الانفعالات الواقعة في خلال ذلكء فإن كل صورة متعينة في مستفيد 
متأخر ومرتسمة في نفسه من إفادة المقيد؛ منفعلة عن نفس المقيد والصورة المتعيئة فيها الحاكية 
لما سبقها. 

فوضح بما ينا أن كل صورة محاكية تنزل عن درجة الصورة السابقة لها في التعين والمحاكاة لما 
أسلفنا؛ ولخلوٌ السابقة عن جملة من الأحكام الإمكانية التي تليّست بها صورة علم المستفيد 
المتأخر؛ إذ لا ريب في أن الأحكام الإمكانية حيث ما كثرت قل العلم ونزلت درجته؛ إذ لا 
إمكان حيث العلم التام؛ إشا هو إثبات محض0ء أو نفي محض؛ فالحكم بالإمكان حيث نقصان 


رسالة الألواح 255 


العلم أو عدمه. 

ولهذا قد نقول: الحهل بالحق ويكل شيء إشا موجبه حكم ما يقتضي الامتياز والمباينة بين 
الإنسان وما يريد معرفته؛ و ا ب عور الوك الا 0 
عن سواه وإن كان المراد معرفة شيء من الممكنات فليس الموجب للتهله إلا الأحكام الإمكانية 
. اللازمة للماهيات الممكنة المقتضية تميز كل ماهية عن غيرها من الماهيات» وإلا فلا ريب في أنها 
من حيث الوجود الشامل ا والموحد كثرتها متوحدة؛ وبه عرفت وبه عرف بعضها بعضًا وبه 
أدركت ما أدركت. 

فالعلم حيث الوجود؛ لكن يتفاوت حكمه بحسب ظهور الوجود بأحكام الوجوب ومرتية 
مظهره؛ لأن ظهور الوجود بأحكام الوجوب في ماهية أو مرتبة يكون أتم من ظهوره في آمر آخر 
ومرتبة أخرى» وتفاوت ظهور الوجود بالنقص والتمام راجع إلى ما ذكرنا من غلية أحكام 
الوجوب أحكام الإمكان» وبالعكس وإلى أمرين تابعين لما ذكرنا: 

أحدهما: غلبة أحكام الوسائط بحسب تضاعف وجوه إمكاناتها. 

والآخر: بسبب القرب والبعد من النقطة الاعتدالية العظمى الجامعة بين أحكام الوجوب 
والإمكان» وقد مر ذكرها. 

وكل ذلك تابع للاستعدادات المتفاوتة الموصوف بها القوابل؛ لككن ينبغي لك أن تعرف أنه ما من 
شيء إلا وارتياطه بجناب الحق من حيثيتين: 

أحلهما: من حيث سلسلة الترتيب والوسائط؛ قد مر حديثه وعرفتك سيب نقص العلوم وكمااء 
وقأُتها وكثرتها من ذلك الوجه. 

والوجه الآخر: مقتضاه الارتباط بالحق» والأخذ عنه بدون واسطة ممكن من الممكنات؛ غير أن 
هذه الوجه بالنسية إلى أكثر الممكنات مستهلك الأحكام لغلبة أحكام الوجه الآخر المذكور. 

فأ موجود قر له أن يكون نقطة مرتيته قربية من النقطة الإهية العظمى المنبّه عليهاء فإن الوجه 
الذي يرتيط بالحق من حيث هو لا تستهلك أحكامه بالكلية؛ فيرى بعد التجلّي بالصفات السنية 
والأحوال الرضية تنمو أحكامه وتقوى وتزيد حتى ينتهي على غاية يظهر فيه غلية حكم وحدته 
على أحكام الوجه الآخر المخقصّ بسلسلة الترتيب والوسائط. 

فيغلب وحدة هذا الوجه بصحة النسبة» وحكم المناسية الذاتية الإطية الغير المعللة أحكام 
الإمكانات وخواص الوسائط؛ فتستهلك كل كثرته في وحدته وتستهلك وحدته في وحدة الحق» 
وهي صفة التعين الأول الذي قلت أنه محتد جميع التعينات ومنيع الأسماء والصفات ومنتزع النسب 
كلها والإضافات» فتحقق بالنقطة العظمى المذكورة وتصح له المسامتة الغيبية المستورة؛ فيحصل 
له العلم على نحو ما أشرت إليه ودللت عليه. 

فافهم هذا؛ فإنك إن فهمته وفك لك معماه» وفصلت محمله عرفت سر الصورة الإلهية التي 
أضافها الحق إلى نفسه مع تنزيبك الحق عن التقيّد بصورة معقولة أو محسوسة» وعرفت سر 
العلم وحقيقته ومراتبه ونقصه وكماله ومحتده وأكمل تعيناته» وعرفت سر خلافة الحق المشار 


256 رسائل ابن سبعين 


إليها في الكتب المنزْلَة» وسر علم الأسماء والإحاطة بهاء وعرفت سر سيب سجود الملائكة 
لكادم وإن هذا السجود مستمر ما دام في الوجود خليفة. 

والخلافة باقية إلى يوم القيامة» فالسجود باق» وعرفت صورة ارتباط الحق بالعالم والعالم بالحق» 
وعرفت حقيقة سلسلة الترتيب والوسائط. 

ولما لم يجْر أن يتعفّل في الحق جهتان مختلفتان لكونه واحدًا من جميع الوجوه؛ وجب أن يكون 
ارتباطه من حيث هو بكل شيء من وجه واحدء ولما كانت الكثرة من لوازم الإمكان وصفات 
الممكن؛ وجب أن يكون ارتباطه بالحق من وجهين» وإن يكون الغلبة للكثرة من الوجه الواحد» 
والغلبة للوحدة من الوجه الآخر؛ وهو الوجه الخاص الذي لا واسطة فيه بين شيء وبين ربه كما 
أشرت إليه. 

وعرفت سر الوجه الخاص الذي لا واسطة من حيث هو بين الحق وبين كل شيع وعرفت 
يدانت العقول والنفوس؛ ومن أي وجه تُفضل غيرها: وتعلع كمال لكلاف . وين أي :ونه 
ترجّحت مرتبة الكامل على مراتب الموجودات كلها؛ عُلوًا وسفلاء ًا وعقلاء غيبًا وشهادةٌ 
وعرفت سر الوجوب والإمكان» وعرفت أن إليهما ينتبي دلول الككرة العددية؛ وأنه لا بد لكل 
اثنينية من وحدة سابقة عليها» وعرفت الوحدة التي تختص بالمرتبة الإنسانية الكمالية الذانية 
الإلهية؛ صاحبة النقطة العظمى المذكورة. 

وعرفت أيضًا أن الحق من أي وجه تتعذر الإحاطة بكنهه مع سو أن العلم بحقيقته» وعرفت 
سر مضاهاة الخليفة للمستخلف ومن أي وجه تثبت له ومن أي وجه تنتفي عنه» وتعرف أن 
الكمال وراء الخلافة» وأن المخلافة بالنسبة إلى الكمال جزء من كل؛ وعرفت أن الإنسان الذي هو 
آخر موجود خخُلق من حيث صورته من وجه هو أنزل الموجودات درجة؛ حتى جعله آكمل 
الخلق أنزل من العذرة التي يدهدهها الجعل بمنخريه» ولهذا قيل فيه 2 رَدَدْنَاهُ أسفل 
سَافلِينَ4 [التين: 5] وأنه دون اللحماد في المرتبة والعلم ؛ وأن من نوعه يعلو على جميع 
الموجودات. ومن يكون آخر النقطة من الدائرة النتصلة بأوها التي منها يستمد العقل الأول؛ 
فمرتبته أول كل أول» وصورته آخر كل صورة وذاته منبسطة بين صورته وبين مرتبته غير 
منحصرة في أول وآخرء وظاهر وباطن» وعلم وجهل. 

سا 2 ووه ع ل سي بزاب عل المي 0 
المثاني وما يتضمنه التكرار من الفوائد والعلوم والأسرار؛ ومن أي وجه يثبت ومن أي وجه 
ينتفي . 

ومما علمته من هذا الوارد» وإن كنت قد علمته من قبل من وجه آخر؛ كوني آله لربي؛ يستعملني 
لنفسه فيما شاء تارةٌ» ويستعملدي لي تار ويستعملني لي وله تارة أخرى؛ ويمكنني من استعمال 
نفسي واستجلاي من حضرته ما شئت بسؤالي الاستعدادي والحالي» والفعلي والصفاتي والذاتي 
الجامع وأعتبر الأمر الذي فصلته ني طرفي؛ في الطرف الآخر في العلم وغيره كما ذكرت لك ني 
مراتب العمل والأحوال والصفات وغير ذلك. 


رسالة الألواج 2537 
فصل 

اقتران متغير بمتغير: زمانء وبثابت دهرء وثابت بثابت: أبدء وثابت وحده: أزل. 

ارفع الإدراك والعادة بالعلم أو بالتصريف لا حسن ولا قبيح: 
محاسِئُه هيولى كل حُمْن ومغناطيسُ أفسئدة الرجال 

الوجود قضية فيها كل شيء حاضرء والحق مع كل شيء» وني علمه كل شيء ني 

الأزل والأبد» وعلمه عينه» وهو لا تحكم عليه الأزمان» والكل حاضر في القضية. 
فصل 

العقل خَلْقَ ضابط للعلوم وميزان لها يقيدها ويضبطهاء ويميز صحيحها من سقيمهاء 
والإنسان الخليفة خلق ضابط لجميع الصور الحسية والخيالية» وميزان للها يقيدها ويضبطهاء 
وهو الميزان الأكبرء والخليفة الأظهرء ميزان الموازين» وخليفة الخلفاء» والعقل بعض ما 
فيه, والعلم جزء يحتويه. 

إن شهد لما صحًاء وإن لم يقبل ما شهدا به لم يقبلاء فعلى ما سواه يوزن مهما لا 
عليه» ولليهما ينسب العجز والقصور فيما اختلف فيه لا إليه؛ لأنه أكبر منهما وأجمع 
لصنوف الشرف, وهما جزء ماهية منه» والفضل هو للمخلوق على الصورة» والمخصوص 
باليدين» وبأحسن تقويم وبعلم الأسماء كلهاء وبعلم الأولين والآخرين» وبقاب قوسينء 
وبالقسم بحياته» وسعه قلبه ما لم تسعه السماء والأرضء» وبأن من بايعه فقد بايع الله 
وبأن الله رمى إذ رمىء وبمحبة الله وخلقه ومتته وكلامه» والسلام على من تأدب مع 
السلام بالاستسلام» وصلى الله على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم. 

الله فقط: من انفصل من خط وَهْمِ واتصل بنقطة حق حمد حاله» ومن حقق حقه 
الكامن بحقه الجلي ووهمه المنجر؛ لم يموه عليه وهم غيره الظاهر والباطن؛ من تقدس من 
كذاء واتصل بأكثر من ذا وذاء ووقف حاله في كذا عظم حاله في عالم عادته» وصغر ني 
حضرة سعادته؛ لأن جميع ما هو من هذا القبيل من جملة الأوهام المنحطة» فلا يتبغي لمن 


ورأيت في هذا المشهد كثيرا مما كنت رأيته وما لم أكن رأيته ما؛ لو قتصدت ترجمة كليّاته 
لضجرت وأضجرتء فدع عنك الشروع في التفصيلء «إوَاللهُ تقول الحق وَهُوَ يمدي السبيل» 
[ الأحراب: 4]. 


258 رسائل ابن سبعين 
علم الحق أن يشككه ضده. ولا يبذل فيه جهده. ويبذل فيه جده في طلب جده؛ لأنه 
تعالى جده. 

ومن استقل ولو في قوله لا عبارة في الذي عنده ولا إشارة» أعني: لا عبارة لفظية» 
ولا إشارة قلبية» ولأن العبارة تتكلم بعد محرك ما يتقدمهاء والإشارة تتوسط بين ذلك 
وتلك: ولا خير في الكل والحقيقة لا تميز ولا تُمَئّزء ولا يتقدمها شيءء ولا يتأخرها 
شيء» ولا تتوسط في شيء» ولا تقال على كثيرين» والله يتكلم ويخبر» ويحقق الحق» ولا 
يلفظ؛ ولذلك يحيط وإحاطته منحطة عنه محمول فيه مشار إليها به وإليه مها جزء كل» 
وكل جزء عموم وخصوصء. وخصوص وعمومء كله أكثر من جزئه» وجزؤه أكثر من 
كله وجزؤه أقل من كله. وكله أكثر من جزئه» وجزؤه أكثر من كله وجزؤه أقل من 
كله وكله أكثر من جزئه؛ بل لا كل ولا جزء له بالنظر إلى الحق صحية ذاته. وإما بالنظر 
إلى الحق صحبة الوهمء فهو الأول كما ذكرء وهو الآخر فيما ذكرء وهو الظاهر في جميع 
ذلك, وهو الباطن في تقدير أمثلة ذلك المقدرة» وبالجملة: الإحاطة الأولى علمه؛ والثانية 
التي تنسخ الأولى ذاته والوجود, والثالثة ذاته فقطء ثم الإحاطة التي لا تعقل فيها الإحاطة» 
ويندغم فيها المحيط» والمحاط به ممّاء فمّن امتنع من العبارة كما قيل يكون إِفِيّا بشرط أن 
يكون جوهره كاملاء وإن لم يكن كاملاً فهو مذموم الجملة. 

فاجتهد أن تكون قضيتك من قضايا الوقت الواحد من الحهة الواحدة بالكلمة الواحدة 
في الوجود الواحد بالذات الواحدة وهي هيء ولا تقل لم كان كذاء ولأي شيء كان كذاء 
وانحصر كذا في كذاء وعجز هذا عن هذاء ولم يكن ذلك على ما ينبغي كذلك» ونقصني 
كذا وتعرضني كذا؛ فتهلك وتخرج من إحاطة المحقق المشار» والمعلول عندهم عليها؛ لأن 
حرف العلة يجر إلى لواحق مدلوله» وذلك يعطي المبدا المضاف المقسم والمنقسمء ولا 
حاجة للمحقق بمعنى ينسب أو يتتسبء فإن ذلك دليل على وجود الحائل والمانع» ومع 
هذا يخبر عن عدم الحصرء ويوقف الضمائر على ملاحظة نكتة الوحدة. 

وإذا قدرنا الوحدة المطلقة البسيطة لم يصح لنا غيرهاء ولا الكلام عليهاء ولا ما يقال 
أو يتوهمء ولا ما يشار إليه أو يتفهم بوجه؛ ولا على حال فقل: أعوذ بالله من علم 
اليقين؛ لأنه بين علم وهمي» وجهل مهلكء وقل: عصمني الله من عين اليقين؛ لأنه وهم 
متعلق بأمثلة» وقل: حجب الله عنى حق اليقين؛ لأنه شرك الضمائر إذا استقل سكونها ني 
خحطبة ذلك المعني بذلك الشيء الذي يشبه الحركة الدولابية, وتتموج فيه المقاصد, 
ويعظم فيه حال الخبر والمخبر» وتتوحش النفس» وتنشق الفطرة» وتنصدع مرآة 


رسالة الألواج 2239 
المقاصد. 

الله فقط: الله ني كل شيء بكله. وليس في الكل والبعضء وهو شيء فيه ما ليس 
بشيء» وما هو شيء معَاء فعين ما ترى ذات لا تُرى» وذات لا ثُرى عين ما ترى» فجاء 
من ذلك أنه حصر من انحصر» وبسط من اتبسطء وانحصر وانبسط. 

زيه! المحال من الأسماء الثابتة» وقصد المتكلم يعلمه الله تعالى أجمع الأشياء إليه» ولا 
حجر دنا بنبوته» وتدلى برسالته؛ فكان قاب قوسين أو أدنى, الأبد قضاياء والقضايا أزل» 
والأزل على مشار إليه» والمشار على ذاتء والذات واحدة, الله فقطء لا شك في ذلك. 

الله فقط: يا أيها الصحيح المريض» مرض عين جسمك سببه صحة عين قلبكء والله 
يشفي مرض عينك الواحد» ويحفظ عليك الصحتين» ولا يرفع سبيه من حيث هو صفة 
طبيعية كمالك وبرفعه من جبة حاله ني وقت ماء ولا يرفع الانفعال السيئ من أجل 
المدرك السنئ» وبالجملة» حفظ الله ذاتك من كل الجبات حتى تجد الجلالة من جهة 
الملكةء ولا يفوتها مع ذلك ماهية العافية العامة» والسلام عليك بحسب هنذاء ورحمة الله 
تعالى وبركاته» وسمها ذلك» وهو عين ذلك عند ذلكء وعند نفسه ذلكء وبما هو غير 
ذلك عند ذلك هو ذلكء وبما هو عند نفسه ذلكء هو غير ذلك الله ذلك. 

الله فقط: يا هذا والذي أخبرك به رضي الله عن الحق منك,» وحفظك من ضده 
فيك؛ أن كلام الله جزء ماهية التطورء وهو غاية المعتدل» ومما ظبر لي في الوجود أن 
الذوات كلها ذات ذلك الوجود من كل ما يلزم عنه» وأنت انظر إن وجدت للوجود 
صورة يشار إليهاء فالتزم البعض من موضوعكء أو استند إلى يُدك المقوم لك» والوجود 
في كل موجود هو الحق فيه» وقولك الجسم والجوهر والعرض هو الوهمء وهو غير الحليل» 
وما يخالف الحق» المبحوث عنه بالحق في الخلد: هو الأمر الذي يمتد على العوالم» وتلك 
العوالم هي أمور الله؛ ولذلك يقول الحق: لِوَإلَى الله تُرْجَعْ الأمُورُ) [الأنفال: 44]. 

وإذا عزمت على الله: أي على القرب منه» خلص نفسك من البعيد عنه من صفة 
نفسه» وأخلص في الإضراب حتى لا ييقى في ضميرك من تخبر عنه» ولا من تقدر أنه 
يخبر عنكء ثم اعزم بعد ذلك واعزم» وخحذ نفسك بالتجلد الحاحد لجميع ما يجمعك أو 
يفرقك؛ لأن ذلك كله يجر إلى الأول من العبدء والآخر من الأصلء وذلك على خخطر. 

الله فقط: ما حَرّكَ الله قلبّ من يحبه إلى مخبر ماء وهو بعيد عنه؛ لأن حقيقة محبوب 
الله إدراكه الأمور على ما يجب وني الوقت القريب» وهو أيضًا لا يمكن أن يهمل الأخرى 
والأولى في الله قطء وهو يجد الحق على أكمل ما يمكن؛ ويجعل الشيء في محله ومعنى . 


0 رسائل ابن سبعين 
محبوب الله من ثبت خيره فيه» وتحقق ضميره كماله منه» ووجد أنسه به وكان مجموعه 
على حظ وافر منه» وكان الله معه بتقيد أوامر سعوده وصعوده. 

وإذا بلغ غاية ما تجعل له بداية غاية أخرى» وإذا بلغ تلك كانت مقدمة نتيجة أعلى» 
ولا يقف قصده إلا ني حصر الواقع؛ وامتداد النوازل» واستجلاب الإعلام القاطع؛ وهذا 
هو الذي يقول فيه محقق للعبد التائب: إنه ينصرف إلى خبر ما هو مظهر الفضائل» وما 
يمكن أن يكون بعده إلا الصور الكامنة» والذوات المستعارة التي كل ذات منها إلى حد ما 
نهايتها؛ لأنها تنحد في كنه تلك الآنية لا الآنية» وهذا يحمد بوجه ما. 

والذي يعول عليه أن الله لا إله إلا هوء وهذه الكلمة اجعلها دائرة وهمية تنفي الدوائر 
الداحلة والصفات أيضًا. 

الله فقط: شأن الله منبر لا يصعد عليه إلا خطيب الوجود بتدريج نور الله ماهية 
الأرواح الطاهرة» ولأجل ذلك يبصر ما وراء الوراء» طريق أهل الحق حكمة كتبه 
المنزلة» ولكنها لا تصح من كل حكيم» وتصح من الغافل إذا ذكره حضور التخصيص 
وجذبته يد القبول» قول العارف: «الله» يدل على أن ذلك بقسط نفسانيء وإلى الله عاقبة 
الأمور. 

التحمل يقلل عود الخنصومة؛ ويحلل مركب المتابعة؛ التصرف بالإخلاص يقطع رقبة 
الضجرء والقضاء بالأحكام الشرعية يعلم الاعتدال» ويجر إلى العدل والزيادة» من جعل 
سنة رسول الله مرآته التي ينظر فيها صور الأولى والأخرى؛ استقام سلوكه. 

دين الله من حافظ على جملته بكل أنحاء المحافظة, وجد الله حيث اختاره الله له 
ومكنه من التراجم الخمسة: أعني: الخلافة» أو الإمامة: أو القطبية» أو قوة التحقيق الذي 
لا ينسب إلا بمضاف الأصل الذي ما سمع وهم فرعهء أو المعنى الذي جميع ما ذكرناه من 
بعض مظاهر سلوك الأبرار بالعلم والعمل والاستعداد المشترك» وسلوك المغربين بالعالم 
والعامل والاستعداد المستند» وسلوك أهل الأزل بالذات المستقيمة فقط. 

كل كنه لا يمنع عن نفسه فهو منك» وكل خبر لا يسكن الضمير .معه» وإن كان يعلم 
ويعمل به ويظفر بخواص العادة به هو من قبيل الأوهام التي لا تقال صحبة تكليف» ولا 
دليل» وهي الثابتة في الآخرةء وهيبات» أين من ذلك؛ بمعنى لا سبيل إليه بذلك كله؛ من 
سمع كلامي» وتعذر عليه فهم الحق؛ فهو إِمّا ج وإمًا ح وإما م وإما طبيعته منه فقط. 

الله فقط: لا حول ولا قوة إلا بالله» بعد مدة وفي إثر شدة» وبأمر آخر كشف الحق» 
وحقق العالم به أنه لا ينال إلا به» وظهر له أن الوهم هو القاطع, وهو الحاجز بين الحق 


رسالة الألواج 261 


المستقل» وبين التابع الموقتء أعني: الذي يظن به ضمير المتحير الذي لا عين لضميره» 
ولا هو فيه قوة التعيين» وأنه مع ذلك كذلك بوجه يشبه الراجع على أجزاء ماهية ينسبها 
فيه له بما هو هوء وإن كان هذا لا يصح في أعلى من هذه المرتبة فهو القول النافع ني 
هدهة. 

وبعد ذلك حدث الذهن به النفس» وحدثت النفس الإرادة» وحدثت الإرادة القصد 
المحررء» وحدث القصد المحرر العزم المنخصص. وحدث العزم المتخصص الجحد الحرك» 
وحرك الجميع الحمة الجليلة» وحركت الحمة الجحليلة السيرة الجميلة» بالنظر إلى السبب 
الباعث الهمة هي المحركة للجميع. 

ومن حيث ترتيب الوجود ونظم الأخبار في سطح الضمير الذي هو اللوح الحزئي هي 
محركة» فافهم. 

وحركة السيرة والهمة معا إرادة الله المتعلقة به على سبيل العناية» إن كان ذلك كله 
نحو الصوابء؛ والمطلوب الصحيح: والظفر بالمدلول الأول» وإن كان بالضد فتكرٌ 
مواكب البحث المهلكة قابلة» وتعود كواكب الكشف المختار آفلة» أو يتعلق ذلك كله 
بمطلوب وهميء ويقع الأنس بهء وتكن النفس عندهء وأعوذ بالله من أحوال يكون الصراط 
المستقيم فيها قد وضع على حاشيتي جهنم الأوهام» وجنة التعيين أمامه. وإنما الذي 
يبحث عنه» أو يفرح به؛ أو يكمل به الرجل هو الصراط المناسب البسيط الموضوع على 
محل الأنس والتيسيرء ويكون طرفه الأول على جنة المأوى» ووسطه على البرزخ الجنسيء 
وطرفه الآخر الذي هو بإزاء الوجودء وني مقابلة ذاته أعني: الوجود في مكان النهاية الذي 
تصور فيها المألوف ويتجلّى فيها معتبر الأمل للقسط المميزء ويصح به الوصول إلى الله 
الذي لا إله إلا هو. 

فإن الله لا يظهر في مرآة الإخلاص التي أفرد فيها الشأن العزيز» وظهرت صورة 
الحلال المطلق الذي لا ينسب إلا من حيث يقوم أو يتمّم على العموم خاصة» والله تعالى 
يقول: لون إلى رَبك الْمُسَبّى) [التجم: 42]» ويقول: كل شَيْء هَالك إلا وَجْبَة6 
[القصص: 88]ء ويقول: (أفي الله َلك [إبراهيم: 2]10 يريد في شيء» حتى في 
الشكء فإنه به تردد من أجلهء وفي راع بتر السطيره وله منافع جملة؛ لأنه يحمل 
إلى أدب الأقل صحبة التبعيض» والقوي يحين الضعيف. 

وأحسن ما قيل في ذلك: يا ألله» أنت أنت أنت أنت الأحد» وأنت المعنى في معناك» 
وأنت ذلك بعينه» متى وجدت نفسك تحدثك بالكمال وأدواته فيهاء» فأخبرها بالأول ني 


202 رساثل ابن سبعين 
ذلك؛ وكيف إلى الله يرجع الأمر كله والحمد لله وحده. 

الله فقط: يعتمد الوهم الحق الباحث عن سعادته المغتبط بصلاح عادتةء وإصلاح 
عبادته الذي يطمع في الجلال المكتسبء ويزعم أن ذلك في ماهيته يشبه علة النسب» 
وهو مع هذا لا يصبر عن شأنه فإنه من غير كونه على تجهيز ماهيته المخلوقة إلى فضاء 
الماهية» ويننظر العارض الثالث من المرتبة الواسعة التي مها تكمل ماهية ذلك الحلال» فإذا 
يسر فيها به؛ ويصح له أن يدخل في زمرة المقدمين بحمد الله على سر ابن باعور الثالث 
المحفوظ» وبعدها يدخل الخلوة» ويتعرض لرحمة الميقات» ويرغب في كلام بده المصاحب 
الأول والآخرء وبه كذلك الظاهر والباطن. 


فإذا يسر الله ببعض الخلقة [.....20] وبدت يصبر على متابعة الطلب لكشف الكيفية 
المشخصة لكل ماهية منسوبة» فإذا قال ذلك» يثبت على ضميره في إشارته على عين 
مراداته تلك العين الأولى. 


وعند ذلك يطلب الرؤية للفص من كل ذلك بكل شيء في كل شيءء عن كل شيء؛ 
من كل شيءء لكل شيءء وهذا الطلب هذه الرؤية: هو الذي يسعف فيه للطالب؛ لأنه 
لعين في عين. 

وإذا يسر الله ني الكوكبية والقمرية والشمسية؛ فينبغي أن يلح على أصله الذي لا يغفل 
على فرع نفسه حتى يحكى ذلك الأصلء؛ ويدوم أمره على صراط التوحيد الذي يطلب به 
التقويم والتتميم» وتحصيل ذاته المعتبرة الآخرة عن المعتبر الذي لا يمكن معه النظر ولا 
التوجه؛ لأنه إذا هم العالم أو العارف أو المحقق بالإخبار عنه؛ انعكس حكمه على ذلك 
الخبر القريب» وإلى الله سَنئْ الأحوال كلهاء فاطلبها منه. 

وقد بذل الناصح بحهوده. واستفرغ وسعهء وقرر مع الاستخارة على حديث المكانة» 
وسلم في ذلك رضوان الله وأرشد إلى مثله النصيب الذي يلزم في الجزء الأول» فالله 
ذلك» وهو علّة كل وصف محمود حتى مفهوم الرحمة والرضوان. 

والسلام على محل الأصول العجيبة» ورحمة الله تعالى وبركاته. 

كمّلت « رسالة الألواج» 


(1) ما بين [ ] بياض بالأصل. 


رسالة الأفوار 2603 


بسم الله الرحمن الرحيم 
وصل الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم 

الحمد لله الذي بنوره يعلم ويعبد» وبحضوره يعرفء ويشهدء الذي خلق النيرات» 
والنجوم المسخخرات؛ وأودع الأرواح سر عهده الأول الأوصلء وذكرها صورة المفارق 
للمواد» وجعل القلوب مظاهر ملكه الأكملء؛ وزينها بالعلوم؛ والعقل المستفاد» وجعل 
طريقة خليله إبراهيم الظَتد بما ظهر من الأنوار لعالم الإانسان» وطريقة حبيبه محمد يله بما 
بطن من الأسرارء» وخصه بمقام الإحسان؛ فكان ذلك مريداء وكان هذا مرادًا. 

ثم إنه مات» وصحفت صحفه كما صحفت موسىء» وهذا بالضد توفي يِل وعاشت 
شريعته» والذي كان مبددًا في حياته يَلِهّ اجتمع بعد مماته» ولا تركته العناية حتى جعلت 
من الرسل من يتبعه» وهو عيسى اللكثلة. 

فلمًا أبصرت هذه العناية الكبرى» وحققت أن كل درجة بالنظر إلى درجته هي النعمة 
الصغرى حتى عظم أمره في الدنياء وأكبر أمره هي في الأخرى؛ وإذا أبصرت من آياته ما 
أبصرت نبهتكء» ثم أتتنك بعدها أخرى اجتمعت في نفسي» ونزعت بالحملة إلى حضرة 
جلالته حتى إنى غبت بذلك عن حسي؛ وأهملت معاشرة جنسي» واشتد بالغلو ني صلاته 
أنسي» قلت عن غائب عينه إرساله وزاجر أكده إجلاله: يا أيها الإنسان» والمراد مبذا 
الجنسء وله أقصد بالخطاب» ولا أبالي على أي حال كان, فإن الحقائق إذا تعينت» ونور 
الله إذا كان مظهره الأفضل هو به على الوجه الأكمل» والقدر الأوصل؛ قيل فيه بحسب 
الطاقة: فمن مسلم ومن ضده. ومن عاشء ومن مبصرء ومن موف,. ومن مقصر من 
ذلك» ومن مقتصد, ومن مطفف, ومن يحتهد. 

وقد خخرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه بالقصد الأول» وبالقصد أيضًا كان فنرجع 
فنقول: يا هذا المسلم النورء قد استولى» وتراكم بالغرض» وزاد حتى غلب الكمية 
والكليات؛ بل الخطوط المتوهمة» حتى أنه يفوت ما يقال» وما يتوهمء وما يعلم ويقدرء 
ولا تلحقه لمبالغة الإعياء» والناس في تصوره على أنحاءء وعلى مراتب» وبقدر نصيب 
كلء وعادة الله تعالى في عباده أن ما من عليم إلا وفوقه عليم» وما من حكيم إلا وفوقه 
مّن هو منه أحكمء وفوق الكل أحكم الحاكمين العليم الحكيم» ثم انقسم اعتقاد الجهال 
على أربعة أقسام» والذي يرجع إلى حاصل ما يعتقدون ويقولون فيه أعني: في نور النبوة» 
والمقام المحمّدي على أنحاءء فتترك الكلام على المخالف لنا إلى موضوع آخرء ونتكلم 
على مراتب أمته يه وخصوصا على المعنى الحاصل المعلوم منهم من حيث النار هذه. 


2 رسائل ابن سبعين 
ومن طالع ظهورهاء فنقول: هم أربع درجات؛ وبينهما طبقات دون كذاء وعند كذا منها 
بالنسبة إلى كل واحد: 

الأول: الذي في الدرجة الأولى هو الذي يقول: أنا أعتذرء ولأستخرج في ذلك 
العجائب وأصرف الأمور إلى مراتبها الأولى. 

والثاني الذي يتلوه في الدرجة الثانية هو القائل: ما هذه [لا مصيبة» أو شبهة يثقب 
فيها مع المخالف نا في المسألة» لكنه إنّا لله ونا إليه راجعون. 

والثالث الذي بينهما هو القائل: هذا ينبغي أن يكتم ولا يتكلم به فإنه يخاف مما 
يعود على العوام به. 

والرابع: هو الذي يقول: هذه مصيبة أصيب با عين الإسلام» ويا ا من كائنة ما 
أصعبهاء وكأنها ثانية لنفخة الصعقء أو هي أختهاء هذه مبطلة» هذه قاصمة الظبرء هذه 
غير هينة» والذي يجد الأسف,